داريا التهجير.. رحلة المعاناة بعيدًا عن الديار

مواطنون يتجهزون لمغادرة داريا - 26 آب 2016 (المجلس المحلي)

شكل يوم 26 آب 2016 محطة فارقة وحزينة في تاريخ داريا، إذ انتهى حصارها العسكري ليبدأ نزوح جماعي لسكانها ومقاتليها نحو المجهول.

بموجب اتفاق الاستسلام الموقع، خرج من تبقى من أبناء داريا بالحافلات الخضراء إلى مناطق سيطرة فصائل المعارضة في الشمال السوري (معظمهم نُقلوا إلى محافظة إدلب).

كان المشهد مفعمًا بالمشاعر المتضاربة: رجال يحملون حقائب صغيرة تحوي ما تيسر من ذكرياتهم، نساء يلقين نظرات الوداع على أطلال منازلهن عبر نوافذ الحافلات، وأطفال لم يعرفوا في سنوات عمرهم القصير سوى صوت القصف والجوع. “لم يكن رحيلنا نهاية المطاف، بل بداية حكاية جديدة”، على حد وصف أحد ناشطي داريا، “حكاية نضال مستمر حتى وإن انتُزعنا من أرضنا”.

خلال ساعات، أُفرغت داريا تمامًا من سكانها لأول مرة في تاريخها. وفي اليوم التالي دخل مسؤولو النظام يتقدمهم ضباط الجيش إلى المدينة المهجورة لرفع العلم فوق مبانيها المدمرة، إيذانًا بطي صفحة داريا الثائرة. وبعد أيام قليلة قام بشار الأسد نفسه بزيارة استعراضية إلى داريا وأدى صلاة عيد الأضحى في أحد مساجدها المدمرة بتاريخ 12 أيلول 2016، في رسالة دعائية بأن “النصر” تحقق وأن المنطقة تغيرت ديموغرافيًا.

بالنسبة لأهالي داريا المهجرين، توزعت مصائرهم في اتجاهات شتى. حوالي 8 آلاف شخص، معظمهم عائلات المقاتلين والمدنيين الذين صمدوا للنهاية، نُقلوا إلى مخيمات مؤقتة في إدلب وريف حلب الغربي. هناك بدأت رحلة شاقة من جديد: خيام وبنى تحتية بدائية، وشح في الخدمات، واضطر بعضهم للإقامة في مدارس أو مساجد حولتها المنظمات الإغاثية إلى مراكز إيواء.

القليل من مؤسسات المعارضة حاولت استيعاب المهجرين، فمثلاً تم تشكيل مجلس محلي في المنفى لأهالي داريا مقره في ريف إدلب، سعى لتنظيم شؤون المهجرين وتقديم العون لهم، لكن إمكاناته كانت محدودة. الكثير من العائلات تفرقت، قسم منها توجه إلى تركيا عبر الحدود بحثًا عن أمان أكثر وفرص عمل، وآخرون واصلوا طريق اللجوء إلى تركيا وأوروبا طلبًا للاستقرار بعد أن ضاق بهم وطنهم.

يُقدّر أنه من أصل سكان داريا الذين كانوا حوالي 250 ألف قبل الثورة، بقي بضعة آلاف فقط في سوريا (في مناطق المعارضة أو النظام) بعد 2016، بينما انتشر الباقون كلاجئين في دول الجوار وأبعد من ذلك.

التغيير الديمغرافي في داريا

مع إخلاء المدينة من أهلها الأصليين، أثيرت مخاوف حول نية النظام وحلفائه إجراء تغيير ديمغرافي في المنطقة. وقد بدأت بوادر ذلك مبكرًا، فخلال نفس أسبوع التهجير، تواترت تقارير عن قدوم عائلات من الميليشيات الشيعية العراقية للسكن في داريا. فقد كشفت صحيفة الشرق الأوسط في 6 أيلول 2016 أن ميليشيا حركة النجباء العراقية شرعت في نقل ما لا يقل عن 300 عائلة عراقية شيعية من جنوب العراق إلى مناطق داريا ومعضمية الشام المجاورة.

الهدف المعلن كان إيواء عائلات “نازحة” من مناطق سيطرة تنظيم داعش، لكن مصادر الصحيفة أكدت أن الأمر جزء من خطة لتوطين موالين إيران في ضواحي دمشق الإستراتيجية.

وبحسب تلك التقارير، تم منح كل عائلة منهم منزلًا في داريا وراتبًا شهريًا يقارب 2000 دولار لتشجيعهم على الاستقرار. ترافق ذلك مع رعاية أمنية مباشرة من أجهزة النظام. ورغم نفي النظام السوري رسميًا لأي عملية تغيير سكاني متعمدة، فإن هذه الوقائع عززت مخاوف أهالي داريا المهجرين من مصادرة منازلهم ومنع عودتهم مستقبلًا.

بالفعل، سارع النظام عقب سيطرته على داريا إلى إصدار مراسيم إزالة وتنظيم عمراني جديدة للمنطقة (ضمن ما عُرف بالمرسوم 66 ثم القانون 10 لعام 2018)، والتي تخوله إعادة تخطيط الأحياء المدمرة وفرض واقع عقاري جديد قد يهمش حقوق المالكين القدامى إن لم يتابعوا إجراءاتهم ضمن مهل ضيقة. هذه القوانين وغيرها زادت قلق المهجرين من استحالة استرجاع ممتلكاتهم أو حتى رؤية مدينتهم ثانية.

حياة داريا في المهجر

حمل مهجرو داريا معهم إرث مدينتهم من الكرامة والإصرار أينما حلوا، لكنهم واجهوا ظروفًا قاسية. ففي الشمال السوري، انضموا إلى مئات آلاف النازحين الآخرين في مخيمات مكتظة.

افتقدوا الشعور بالاستقرار والأمان، خاصة مع استمرار القصف على إدلب بين حين وآخر. والكثير من أبناء داريا المهجرين وجدوا صعوبة في تأمين سكن أو عمل، واضطر شبابها لمزاولة مهن بسيطة لإعالة عائلاتهم بعد أن فقدوا كل شيء. كما عانى الطلاب لإكمال تعليمهم بسبب تغيير الجامعات والمناهج أو ضياع وثائقهم.

ولم يخلُ الأمر من مشاكل نفسية واجتماعية: فآثار الصدمة مما عاشوه خلال الحصار والمجزرة وما بعدهما تركت ندوبًا عميقة، تجلت في حالات اكتئاب أو اضطراب ما بعد الصدمة لدى البعض. مع ذلك، حاول مجتمع داريا المُهجّر أن يلتئم ويحافظ على هويته الجماعية قدر الإمكان، فعقدوا تجمعات دورية، خصوصًا في تركيا حيث تركز عدد منهم، لإحياء ذكرى شهداء داريا والتضامن فيما بينهم. وأسست بعض السيدات من داريا مشاريع خياطة منزلية أو مطابخ خيرية في مناطق نزوحهن لدعم أسر الشهداء والمعتقلين.

يُسجّل هنا شخصية بارزة هي السيدة أمنة خولاني، وهي من سيدات داريا التي فقدت ثلاثة من إخوتها تحت التعذيب، لكنها كرست جهدها بعد التهجير لمتابعة شؤون عوائل المعتقلين والمختفين قسرًا وأسست رابطة لمناصرة قضيتهم، حتى تم تكريمها دوليًا بـ“جائزة المرأة الشجاعة” عام 2020.

على الصعيد السياسي والإعلامي، حظي تهجير داريا باهتمام واسع باعتباره مثالًا صارخًا لسياسة النظام في تفريغ معاقل المعارضة. وصدرت إدانات حقوقية وبيانات منظمات دولية اعتبرت ما جرى جريمة تهجير قسري وطالبت بالسماح لسكان داريا بالعودة الآمنة وتعويضهم. لكن لم تكن هناك استجابة فعلية من النظام. أحد عناوين الصحف حينها وصف المشهد: “النظام يطوي صفحة داريا.. قتل وتدمير وحرق ثم تهجير”، في تلخيص للمأساة المتسلسلة التي حلت بالمدينة.

حتى عام 2018، بقيت داريا منطقة عسكرية مغلقة تمامًا لا يسمح بدخولها حتى لأبناء المدينة أنفسهم، باستثناء زيارات دعائية نظمتها السلطة لصحفيين موالين لإظهار أن “الحياة عادت”.

لكن خلف هذه الصورة القاتمة، بقيت ذاكرة داريا حية في قلوب أهلها المهجرين وفي وجدان الكثير من السوريين. وأصبحت قصة صمود داريا وتهجيرها رمزًا يروى في المحافل الثورية. فأينما اجتمع دارانيون في المهجر، يستحضرون حكايات مدينتهم، عن أولى المظاهرات، عن المجزرة الرهيبة، عن حقول العنب التي تيبست عطشًا تحت الحصار، وعن المسجد الكبير الذي هجرت مآذنه صوت الأذان. لقد تحولت داريا إلى “قصيدة ألم وأمل” يرددها السوريون الأحرار.

 

اقرأ أيضًا:

داريا.. موقع واسم

داريا الثورة.. من السلمية إلى المجزرة

داريا الحصار.. تحت النار والجوع

داريا الذاكرة والثقافة.. إرث مدينة عنيدة

داريا العودة.. الحياة رغم الدمار

مقالات ذات صلة

زراعة العنب في داريا.. هوية المدينة وأساس كرومها

من البساتين إلى الكتل الإسمنتية.. كيف أعادت مخططات التنظيم رسم داريا

بعدسة «أبو عبدو».. كيف تغيرت أعراس داريا في أربعة عقود