داريا الثورة.. من السلمية إلى المجزرة

مع انطلاق شرارة الثورة السورية في آذار 2011، كانت داريا من أوائل مدن ريف دمشق التي انضمت للحراك السلمي ضد نظام الرئيس بشار الأسد. وخرجت أول مظاهرة كبيرة في داريا يوم الجمعة 25 آذار 2011 مطالبة بالحرية والإصلاح. 

تميزت احتجاجات داريا بطابع سلمي منظم وإبداعي، إذ رفع المتظاهرون شعارات حضارية، وقدموا الورود والمياه لعناصر الأمن في بادرة رمزية قابلها النظام بالرصاص الحي. 

في 22 نيسان 2011 (الجمعة العظيمة) ارتقى أول شهداء داريا برصاص قوات الأمن، وكانوا ثلاثة شبان (عمار محمود، وليد خولاني، معتز الشعار) سقطوا أثناء تفريق تظاهرة حاشدة. وبحسب تقديرات الناشطين، شارك أكثر من 40 ألف من أهالي المدينة في تشييعهم، ما أطلق مرحلة جديدة من التحدي والصمود أمام آلة القمع. 

عقب ذلك، شدد النظام قبضته الأمنية على داريا، فأقام الحواجز العسكرية بكثافة في محيطها، وبدأ حملة اعتقالات شملت المئات. وبحلول نهاية صيف 2011 كانت داريا تعيش أشبه بحصار أمني خانق، خاصة بعد اعتقال الناشط البارز يحيى شربجي، ومعه صديقه غياث مطر في 6 أيلول 2011 بكمين أمني. 

غياث مطر، وهو من قادة تنسيقية داريا، تعرض لتعذيب وحشي أدى إلى استشهاده في السجن بعد أربعة أيام فقط من اعتقاله، لتُسلم جثته لأهله وعليها آثار التعذيب. شكلت حادثة غياث صدمة في داريا وأصبح أيقونة مبكرة ترمز لوحشية النظام.

رغم القمع، واصل ناشطو داريا ابتكار أساليب للمقاومة السلمية والتوعية. ففي ذروة الاحتجاجات، أسس مجموعة من شباب وصبايا المدينة صحيفة محلية سرية باسم “عنب بلدي” في صيف 2011 . صدرت الجريدة مطبوعّة بشكل أسبوعي وبمقالات سياسية وثقافية وتوعوية، وجرى توزيعها خفية بين الناس لتجاوز رقابة الأمن . أصبحت عنب بلدي صوتًا للحراك المدني بداريا ومنبرًا لنقل أخبار الثورة السورية محليًا، واستمر صدورها حتى بعد تهجير الأهالي (كوسيلة إعلامية مستقل واسعة الانتشار فيما بعد). 

تزامن ذلك مع تزايد التضييق الأمني، فقطع النظام الاتصالات عن المدينة في بداية أيار 2011 وحاصرها أمنيًا ، ثم بدأ باستهداف تجمعات التشييع والجنائز. ففي 3 شباط 2012 (جمعة «عذراً حماة») أطلق القناصة النار على مشيعي جنازة جماعية في داريا، ما أدى لسقوط 12 قتيلًا إضافيًا بعد يوم دام راح فيه 6 متظاهرين. وتوالت بعدها حملات الاعتقال والاقتحامات للمنازل.

تصاعد القمع والمجزرة الكبرى (2012)

بحلول ربيع 2012 كانت داريا قد قدّمت ثمنًا باهظًا في التظاهرات السلمية. 

قدرت المنظمات الحقوقية حصيلة الضحايا المدنيين في داريا بنحو 360 شهيدًا حتى مطلع آذار 2012 نتيجة القمع المباشر، إلى جانب اعتقال ما لا يقل عن 780 شخصًا من أبنائها خلال عام الثورة الأول. هذا الاستهداف الممنهج مهد لتحول خطير في منتصف 2012. فعندما عجز النظام عن إخماد حراك داريا السلمي، لجأ إلى الحل العسكري الشامل. 

في أواخر شهر آب 2012، وبعد أيام من المعارك على أطراف المدينة، اقتحمت قوات الفرقة الرابعة والعاشرة والحرس الجمهوري إلى جانب مليشيات تابعة للنظام داريا لترتكب ما عُرف بـ“مجزرة داريا الكبرى” يوم السبت 25 آب 2012. قامت قوات النظام بعمليات إعدام ميداني جماعي وانتقام عشوائي من الأهالي، فسقط خلال أيام المجزرة أكثر من 300 شهيد وفق التقديرات المتحفظة، بينما وثقت مصادر المعارضة المحلية أن العدد تجاوز 700 قتيل، معظمهم من المدنيين من نساء وأطفال في تلك المجزرة. 

مثل هذا الحدث صدمة وطنية ومفصلية في مسار الثورة بمنطقة دمشق، حتى سمي يوم المجزرة بـ“السبت الأسود”. 

روت شهادات الناجين فظائع مروعة عن إعدام عائلات بأكملها في منازلها وحرق الجثث وتنكيل الشبيحة حتى بالحيوانات والممتلكات. وتركت المجزرة وصمة عار في سجل النظام، وأثبتت للمجتمع المحلي أن انتفاضتهم السلمية تواجه خصمًا لا يتورع عن إبادة المدنيين لإخضاع المنطقة.

نحو العمل المسلح وتنظيم المقاومة: 

بعد مجزرة آب 2012، أيقن كثير من أهالي داريا وناشطيها أن استمرار النهج السلمي وحده بات مستحيلًا في وجه بطش النظام. هنا تسارعت وتيرة التسلح والدفاع الذاتي. 

كان عدد من أبناء داريا المنتسبين للجيش السوري قد انشقوا في وقت سابق وشكلوا نواة لمجموعات مقاتلة صغيرة بأسلحة فردية. عقب المجزرة، انتظمت تلك المجموعات ضمن تشكيلات أكبر تابعة للجيش السوري الحر. 

تشكلت في داريا كتيبة “سعد بن أبي وقاص” كأول كتيبة للجيش الحر في المدينة في صيف 2012، ثم توسع العمل المسلح بسرعة مع تدفق متطوعين جدد والتحاق المزيد من أبناء المدينة لحمل السلاح دفاعًا عن أهاليهم. 

مع تصاعد التحدي، توحدت فصائل داريا المقاتلة ضمن لواء أكبر حمل اسم “لواء شهداء الإسلام” أواخر 2012. تميز لواء شهداء الإسلام بأنه وضع نفسه تحت إدارة مدنية محلية، وهو أمر نادر في سياق الفصائل السورية، إذ ارتبط بالمجلس المحلي لمدينة داريا وشكّل ذراعه العسكري. وفي 17 تشرين الأول 2012 تم رسميًا تأسيس المجلس المحلي لمدينة داريا بمشاركة كل فعاليات الحراك الثوري المدني والعسكري. 

جاء تأسيس المجلس بعد أسابيع قليلة من المجزرة المروعة التي دفعت نحو 700 شهيد من أبناء داريا، ليكون هيئة إدارة محلية موحدة تشرف على شؤون المدينة المحاصرة وتنظم جهود الإغاثة والإدارة والخدمات بالإضافة لقيادة العمل العسكري بشكل منضبط. 

ضم المجلس في هيكليته مكاتب عديدة (منها مكتب للخدمات، مكتب طبي، مكتب إغاثي، مكتب إعلامي، مكتب مالي، مكتب قانوني شرعي، وحتى مكتب للحراك السلمي) إلى جانب مكتب عسكري مسؤول عن تنسيق الدفاع بالتعاون مع لواء شهداء الإسلام. 

شكلت هذه التجربة نموذجًا رائدًا للإدارة المدنية الثورية آنذاك، ونجحت داريا عبر مجلسها المحلي في الحفاظ على حد مقبول من التنظيم الداخلي والتماسك المجتمعي رغم دخولها في مرحلة جديدة من الصراع المسلح والحصار.

 

اقرأ أيضًا:

داريا.. موقع واسم

داريا الحصار.. تحت النار والجوع

داريا التهجير.. رحلة المعاناة بعيدًا عن الديار

داريا الذاكرة والثقافة.. إرث مدينة عنيدة

داريا العودة.. الحياة رغم الدمار

مقالات ذات صلة

زراعة العنب في داريا.. هوية المدينة وأساس كرومها

من البساتين إلى الكتل الإسمنتية.. كيف أعادت مخططات التنظيم رسم داريا

بعدسة «أبو عبدو».. كيف تغيرت أعراس داريا في أربعة عقود