داريا التي تغيرت.. أهالٍ يتحدثون لعنب بلدي عن الجيرة واللمة والضيق

يستعيد محمد سعيد مطر، أبو وسيم، عادة قديمة في داريا، حين كان الناس يعودون من بساتينهم حاملين شيئًا من محاصيلهم، كالعنب أو الخيار، فيطرقون أبواب جيرانهم ويشاركونهم منها.

ولا يتوقف مطر عند هذه الصورة وحدها، إذ يقول إن تبادل الطعام بين الجيران كان حاضرًا أيضًا، فإذا طبخت عائلة طعامًا، حملت طبقًا أو صينية إلى بيت قريب، في عادة كانت تعكس قربًا يوميًا بين الناس.

أما اليوم، فيرى أن هذه التفاصيل تراجعت، كما تراجعت معها “لمة” الناس التي كانت أقوى قبل عشرين أو ثلاثين عامًا.

ليست شهادة مطر وحدها من تقارن بين الماضي والحاضر، فالعديد من أهالي داريا الذين التقتهم عنب بلدي تحدثوا عن تبدل في العلاقات الاجتماعية داخل المدينة بعد سنوات الحرب والنزوح واللجوء.

بعض الأهالي ربطوا تغير العلاقات بتشتت السكان في بيئات مختلفة، بينما رأى آخرون أن الضيق الاقتصادي قلل قدرة الناس على المساعدة والتواصل.

ومع عودة السكان تدريجيًا إلى داريا، لا يبدو الواقع الاجتماعي مستقرًا بعد، فبعضهم يرون أن العلاقات لم تعد كما كانت، في حين يلاحظ آخرون أن الجيرة بدأت تتشكل من جديد، وإن كان ذلك ببطء.

نزوح وتبدل في العادات

يرى عبادة الأحمر، أبو محمد، أن الحرب والنزوح واللجوء أثرت في علاقات الناس داخل المدينة، إذ عاش كثيرون في أماكن مختلفة، واكتسبوا عادات من البيئات التي أقاموا فيها.

وقال الأحمر إن الناس “ابتعدوا عن بعضهم” بعد سنوات التشتت، وإن العادات القديمة في داريا لم تعد كما كانت، مضيفًا أن كل شخص عاد ومعه شيء من عادات المكان الذي أقام فيه خلال النزوح.

ويتفق سمير زيادة مع هذا الرأي، معتبرًا أن اللجوء وتوزع الأهالي في مناطق مختلفة داخل سوريا وخارجها انعكس على الترابط الاجتماعي، وجعله أضعف مما كان عليه سابقًا.

ويرى زيادة أن أثر النزوح لا يظهر فقط في علاقات الكبار، بل أيضًا في الجيل الجديد، إذ إن كثيرًا من الشباب عادوا إلى المدينة بعد سنوات تشتت، من دون أن يعرف بعضهم بعضًا كما كان يحدث سابقًا بين أبناء الحارة أو الجيل الواحد.

أما صياح دراهم، فيرى أن انتقال الناس إلى بيئات متعددة داخل سوريا وخارجها غير “النفسيات” بشكل عام، من دون أن يعمم ذلك على الجميع، مشيرًا إلى أن جزءًا واسعًا من الناس تأثر بتجربة التهجير والتنقل بين مناطق مختلفة.

الضيق يقلل مساحة المساعدة

إلى جانب أثر النزوح، يحضر الوضع الاقتصادي في آراء الأهالي بوصفه عاملًا مؤثرًا في العلاقات اليومية.

يقول عبادة الأحمر إن الظروف الاقتصادية سابقًا كانت تسمح للناس بمساعدة بعضهم، وتزيد الألفة بينهم، بينما جعل الضيق المعيشي الحالي كثيرين أقل قدرة على تقديم ما كانوا يقدمونه سابقًا.

ويرى عبد الله الحو أن تراجع الوضع الاقتصادي كان سببًا رئيسيًا في تبدل بعض السلوكيات، معتبرًا أن الضيق المادي قد يدفع بعض الناس إلى التصرف بطريقة مؤذية، خصوصًا من لا يردعهم وازع أخلاقي أو ديني، وفق تعبيره.

ويقول سمير زيادة إن المساعدة بين الناس أصبحت أقل من السابق، لأن كثيرين لم يعودوا قادرين على مساعدة غيرهم كما كانوا يفعلون قبل سنوات، في ظل الظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد.

ومن زاوية مشابهة، يربط صياح دراهم بين الوضع المادي وقدرة الناس على الحركة والمشاركة الاجتماعية، إذ يرى أن وجود دخل أو عمل يتيح للناس زيارة بعضهم، ومساندة غيرهم، وترتيب شؤونهم اليومية بصورة أفضل.

الناس يلتمون في التعازي

تظهر بعض الفوارق، بحسب عبادة الأحمر، في المناسبات الاجتماعية.

وبحسب مشاهداته، فإن حضور الناس في الأتراح ما يزال أكبر من حضورهم في الأفراح، فالتعزية لا تحتاج غالبًا إلى دعوة، بينما تراجعت الأفراح أو ضاقت الدعوات إليها بسبب الكلفة والظروف الاقتصادية.

ويضيف أن كثيرين لم يعودوا يقيمون أفراحًا كما في السابق، أو لا يدعون إليها العدد نفسه من الناس، في حين تبقى التعازي مناسبة يذهب إليها الناس من دون دعوة مباشرة.

ويلاحظ الأحمر، في المقابل، أن اجتماع الناس في الجنائز والتعازي ما يزال من العادات الحاضرة في داريا، ويصف ذلك بأنه “ظاهرة حلوة” بقيت رغم تغير ظروف الناس.

أما صياح دراهم، فيرى أن “الفزعة” في الأفراح والأتراح ما تزال موجودة، خصوصًا في الأرياف مقارنة بالمدن، إذ يبادر الناس إلى أداء الواجب في العزاء أو الفرح، سواء كانوا على معرفة قريبة بأصحاب المناسبة أم لا.

الجيرة بين ذاكرة قديمة وواقع جديد

يرجع محمد سعيد مطر بذاكرته إلى صورة الجيرة في داريا قبل سنوات، حين كان الناس يشاركون جيرانهم من محاصيل البساتين أو مما يطبخونه في بيوتهم.

ويقول مطر إن “اللمة” قبل عشرين أو خمس وعشرين أو ثلاثين عامًا كانت أفضل بكثير، وإن الناس كانوا أقرب إلى بعضهم وأكثر عونًا، بينما أصبحت العلاقات اليوم أقل اتساعًا ودفئًا.

ويضيف أن الناس اليوم لم يعودوا جميعًا على نمط واحد في التعامل، إذ توجد فئات مختلفة، منها الجيد ومنها السيئ، وفق وصفه.

أما صياح دراهم، فيقدّر أن علاقات الجيرة عادت جزئيًا، لكنها لم تصل إلى ما كانت عليه سابقًا.

ويرى أن الجيل الذي أسس علاقات الحارة القديمة غاب جزء كبير منه، بينما نشأ جيل جديد يحتاج إلى وقت حتى يعيد بناء روابطه الاجتماعية.

الاحترام داخل الحارة

بالنسبة إلى صياح دراهم، لا يقتصر التغير على المساعدة أو تبادل الزيارات، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة داخل الحارة.

يقول دراهم إن الاحترام بين الصغير والكبير كان أوضح سابقًا، وإن بعض رجال الحارة كانوا قادرين على التأثير في محيطهم من باب الاحترام الاجتماعي، لا من باب السلطة أو القوة.

ويربط دراهم ذلك بتغير دور المدرسة والبيت والمسجد في التربية عما كان عليه قبل سنوات، معتبرًا أن هذا الدور لم يعد حاضرًا بالقوة نفسها، لكنه يرى في المقابل أن هناك محاولات لتحسن العلاقات وعودتها تدريجيًا.

ويشير عدنان صريم، أبو عماد، إلى أن الناس في الماضي كانوا أقرب إلى بعضهم، وكانت بينهم محبة وثقة أكبر، وكانوا “يدًا واحدة وقلبًا واحدًا”، بحسب تعبيره.

ويرى صريم أن التفرق الذي عاشه السكان خلال سنوات الحرب والنزوح أضعف الثقة بينهم، لكنه لا يعتبر التغير نهائيًا، إذ يقول إن الجيرة بدأت تتكون من جديد مع عودة الأهالي إلى المدينة، وإن الناس بدأت “تلتئم” تدريجيًا.

عزلة مرتبطة بالفقد

إلى جانب تغير العلاقات اليومية، يلفت صياح دراهم إلى أن بعض الناس باتوا يميلون إلى العزلة، مرجعًا ذلك إلى أسباب متعددة، بينها الفقر، وفقدان أشخاص قريبين خلال سنوات الحرب، وما تركته هذه التجارب من أثر نفسي على بعض العائلات.

ولا يعتبر دراهم هذه العزلة سمة عامة لدى سكان داريا، بل أحد المظاهر التي يلاحظها بعد العودة، إلى جانب مظاهر أخرى تشير إلى تحسن بطيء في العلاقات والتعاملات اليومية.

وبحسب رأيه، فإن التحسن موجود، لكنه لا يظهر بسرعة، ويحتاج إلى انتباه ومتابعة في تفاصيل التعامل والأخلاق والتربية والعلاقات المادية بين الناس.

عودة لا تعيد الماضي كما كان

تظهر آراء الأهالي الذين التقتهم عنب بلدي أن المقارنة بين داريا قبل الحرب وبعدها لا تقوم على سبب واحد.

فالنزوح واللجوء بدلا بيئات كثير من السكان، والضيق الاقتصادي قلل قدرة الناس على المساعدة، وعودة الأهالي لا تعني بالضرورة عودة العلاقات إلى شكلها السابق فورًا.

لكن الآراء نفسها لا تقول إن الروابط الاجتماعية انقطعت بالكامل، فبعض الأهالي يلاحظون أن الجيرة بدأت تعود، وأن وجود الناس في أحيائهم من جديد يفتح مجالًا لتشكيل علاقات يومية بعد سنوات من التفرق.

مقالات ذات صلة

على الصاج نفسه.. أم فواز تخبز في داريا منذ خمسين عامًا

داريا.. تزفيت الكورنيش يحسن الطريق ويثير شكاوى من سرعة الدراجات النارية

أطفال بلا تسجيل مدني في داريا.. حضور الصفوف لا يضمن وثيقة مدرسية