لم تعد أعطال الكهرباء في داريا مرتبطة بانقطاع التيار أو ضعف التغذية فقط، بل تحولت إلى مصدر خسائر مباشرة للأهالي، بعد تضرر أجهزة منزلية وتجارية نتيجة ارتفاع التوتر أو الاعتماد على بدائل غير مستقرة، ما فرض نفقات إصلاح واستبدال لا يقدر كثيرون على تحملها.
وتظهر شهادات سكان تحدثوا إلى عنب بلدي أن الخسائر لا تقف عند جهاز واحد، بل تمتد إلى المنظمات والبطاريات والبرادات والغسالات، في وقت تضطر فيه أسر إلى الاستدانة أو استخدام مدخرات كانت مخصصة لاحتياجات أخرى، بينما يحاول أصحاب محال تجارية تعويض الأعطال من رأس مال محدود أو من مبالغ كانت مخصصة لتجهيز أعمالهم.
فولط مرتفع يتلف الأجهزة
في حي الشاميات، قالت أم عزيز، وهي أرملة، إن ارتفاع التوتر الكهربائي أدى إلى احتراق المنظم الرئيسي في منزلها وعدد من الأجهزة، بينها الطباخ الكهربائي والمصابيح وشواحن الهواتف المحمولة.
وأضافت أن تكلفة إصلاح المنظم تجاوزت 300 ألف ليرة سورية، ما اضطرها للاستدانة من أحد أقاربها، خوفًا من تلف بقية الأجهزة، مشيرة إلى أن الكهرباء “تتغير بشكل مفاجئ بين الضعف والارتفاع”، رغم استخدام منظم أوتوماتيكي يتحكم بكمية التيار الداخلة إلى المنزل.
وبحسب أم عزيز، لم تكن الأسرة مستعدة لمثل هذا المصروف، لأن أي عطل كهربائي جديد يعني تأجيل احتياجات يومية أخرى، أو البحث عن مبلغ إضافي لإصلاح جهاز لا يمكن الاستغناء عنه داخل المنزل.
خسائر مباشرة في العمل
أبو محمد، صاحب محل تجاري بداريا، قال إن جهاز “الإنفيرتر” تعطل أثناء الشحن نتيجة سعة كهربائية، ما أدى إلى تلف الدارة الأساسية فيه واضطراره لاستبداله بالكامل بتكلفة بلغت نحو 200 دولار، بعد أن تبين أن القطعة المتضررة غير قابلة للإصلاح.
وأوضح أن المبلغ كان مخصصًا لاستكمال تجهيز محله، لكنه اضطر لإنفاقه على جهاز بديل، بسبب حاجته المستمرة إلى الكهرباء في العمل وعدم قدرته على انتظار استقرار التغذية.
وأشار إلى أنه يخصص بشكل متكرر مبالغ لاستبدال بطاريات الطاقة الشمسية، التي تتعطل في أوقات غير متوقعة، ما يجبره أحيانًا على إغلاق محله لحين تأمين المبلغ، أو شرائها بالدين في حال وافق صاحب محل البطاريات على التقسيط.
ويرى أبو محمد أن المشكلة لا تتعلق بتكلفة جهاز واحد فقط، بل بتراكم أعطال صغيرة وكبيرة خلال العام، تجعل أي خطة لتطوير العمل أو استكمال الإكساء قابلة للتأجيل عند أول عطل جديد.
بين الإصلاح والاستبدال
أم حاتم، وهي أرملة تعيل نفسها، تعرض برادها لاحتراق في المحرك، وبعد عرضه على أكثر من مصلح، تبين أنه يحتاج إلى محرك جديد، بتكلفة تقارب مليون ليرة سورية مع أجور التصليح.
ودفعها هذا المبلغ إلى التفكير بشراء براد جديد مع اقتراب الصيف، في ظل عدم قدرتها على تشغيله عبر “الأمبير” بسبب التكلفة، وخشيتها من الاعتماد اليومي على شراء الثلج دون معرفة مصدر المياه المستخدمة في تصنيعه، إضافة إلى كلفة شرائه وحمله يوميًا.
وقالت إنها استعانت بابنتها المغتربة لتأمين جزء من المبلغ، إضافة إلى مدخرات كانت تحتفظ بها “لوقت الشدة”، لشراء براد بسيط يساعدها على تدبير احتياجاتها خلال الصيف.
وتقول أم حاتم إن البراد بالنسبة لها ليس جهازًا ثانويًا، خصوصًا في فصل الصيف، إذ تحتاجه لحفظ الطعام والمياه، ولا تستطيع تحمل كلفة بدائل يومية مثل الثلج أو تشغيله لساعات طويلة على مصادر كهرباء مأجورة.
غياب الشبكة يضيف مخاطر إضافية
في منطقة السكة، تعيش فرح في منطقة لا تتوفر فيها شبكة كهربائية، وتعتمد على المولدة. وقالت إن تشغيل المولدة أثناء الغسيل تسبب باحتراق لوحة التحكم الأساسية في الغسالة.
وأضافت أن تكلفة استبدال اللوحة كانت مرتفعة، ما اضطرها إلى شراء غسالة نصف أوتوماتيكية أقل تكلفة، لأنها لا تستطيع الاستغناء عنها مع وجود أطفال وكثرة عدد أفراد الأسرة.
وأوضحت أن تعطل الغسالة ترك ضغطًا يوميًا عليها بسبب تراكم الملابس، ما اضطرها أحيانًا للغسيل اليدوي، وهو أمر مرهق، خاصة في الشتاء، حين تكون الملابس سميكة وتحتاج وقتًا أطول للغسل والعصر.
وتضيف فرح أن تراكم الغسيل ينعكس على تفاصيل يومية داخل المنزل، من حاجة الأطفال إلى ملابس محددة، إلى اضطرارها أحيانًا لشراء قطع جديدة بدل انتظار إصلاح الغسالة أو تأمين بديل مناسب.
نفقات مستمرة مع كل عطل
بحسب الشهادات، لا تقف خسائر الأهالي عند عطل واحد أو جهاز واحد، بل تتكرر مع تذبذب التغذية الكهربائية والاعتماد على بدائل مثل المولدات و”الأمبيرات”، ما يجعل إصلاح الأجهزة أو استبدالها بندًا طارئًا في ميزانية أسر تعاني أصلًا من ضغط المعيشة.
وتتحول بعض الأعطال إلى قرارات مكلفة، بين إصلاح جهاز قديم بمبلغ مرتفع أو شراء بديل جديد، بينما يضطر آخرون إلى الاستدانة أو تأجيل احتياجات أساسية لتأمين أجهزة لا يمكن الاستغناء عنها في المنزل أو العمل.
وتزداد صعوبة هذه النفقات لأنها تأتي غالبًا بشكل مفاجئ، دون قدرة على التخطيط لها، خصوصًا لدى الأسر التي تعتمد على دخل يومي أو مساعدات من الأقارب، ما يجعل كل عطل كهربائي سببًا لإعادة ترتيب الأولويات داخل البيت أو المحل.