بعد مجزرة آب 2012 وانسحاب معظم المدنيين، أصبحت داريا شبه خالية إلا من بضع آلاف من الأهالي مع المقاتلين المحليين.
في أوائل تشرين الثاني 2012 شن النظام حملة عسكرية جديدة هي الأوسع على داريا، مستخدمًا قوات من الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة مدعومة بالدبابات والطيران. تمكنت تلك القوات من محاصرة المدينة وإطباق الخناق عليها من جميع المحاور مع نهاية 2012، لتدخل داريا بذلك مرحلة حصار خانق استمر قرابة أربع سنوات.
تفاديًا لتكرار سيناريو المجزرة، اختار الكثير من المدنيين مغادرة داريا في الأيام الأولى للهجوم (نوفمبر 2012) عبر ممرات آمنة نسبيًا، ولم يبق داخلها سوى بضع مئات من الأسر وآلاف قليلة من السكان رفضوا التهجير، إضافة إلى مجموعة من مقاتلي الجيش الحر الذين قرروا الدفاع عن مدينتهم مهما كلف الأمر.
منذ ذلك الحين، تحولت داريا إلى رمز للصمود. مدينة محاصرة بالكامل من قوات النظام وميليشياته، ومعزولة عن العالم الخارجي بلا كهرباء ولا اتصالات ولا إمدادات غذائية، لكنها رغم ذلك استعصت على الاقتحام العسكري المباشر. استخدم النظام سياسة الأرض المحروقة، فانهالت يوميًا القذائف والصواريخ وغارات الطيران على أحياء داريا الصغيرة.
على مدار سنوات الحصار، وثق ناشطو المجلس المحلي إسقاط كميات هائلة من الذخائر على المدينة. أكثر من 10,000 برميل متفجر ألقاها الطيران المروحي على داريا خلال فترة الحصار، إلى جانب عشرات الآلاف من قذائف المدفعية والصواريخ، ما أدى لتدمير ما يفوق 80% من مباني المدينة وبناها التحتية بشكل كلي أو جزئي. يُعتبر هذا الرقم مرعبًا ويجعل داريا من أكثر المناطق السورية تضررًا نسبة لمساحتها.
ورغم القصف اليومي وشح الموارد، أظهر مقاتلو داريا والمدنيون الباقون تماسكًا استثنائيًا، وساعد وجود الأراضي الزراعية ضمن وحول المدينة في التخفيف من وطأة الحصار جزئيًا، حيث اعتمد الأهالي على زراعة الخضروات والحبوب في البساتين لتأمين الغذاء. كما أتقن الثوار حفر الأنفاق لأغراض دفاعية وهجومية، فحفروا شبكة أنفاق تحت خطوط التماس مع قوات النظام للتحرك الآمن وتجنب القصف.
ومن أبرز المعارك التكتيكية التي خاضوها معركة “لهيب داريا” في آب 2015، حين تسلل الثوار عبر نفق طوله 225 مترًا إلى خلف خطوط جيش النظام وهاجموا مواقع مهمة (منها منطقة الجمعيات ومحيط مطار المزة العسكري) بهدف تخفيف الضغط عن مدينة الزبداني آنذاك.
نجحت العملية في مباغتة قوات النظام وإلحاق خسائر كبيرة بها، وصُنفت كإحدى أهم معارك داريا التي زعزعت صفوف النظام رغم الحصار الخانق وقلة الإمكانيات.
كذلك حاول مقاتلو داريا كسر الحصار من جهة الجنوب باتجاه حي القدم الدمشقي في عدة محاولات، أبرزها عملية سميت “بشّر الصابرين” مطلع 2014، استطاعوا فيها تحرير أجزاء من البساتين وإدخال بعض المواد الغذائية للمدينة. لكن النظام رد باستخدام الغازات السامة (الكيماوية) في جبهات داريا أكثر من مرة، مما أحبط محاولات فك الطوق. ورغم كل شيء، لم تنكسر داريا عسكريًا طوال سنوات الحصار الأولى، بل أصبحت أيقونة يتناقل الإعلام ذكرها كرمز للثورة والصمود في وجه أعتى القوى العسكرية.
في موازاة المقاومة المسلحة، استمرت الحياة المدنية تحت الحصار بشكل مذهل. أنشأ المجلس المحلي مدارس بديلة تحت الأرض لتعليم الأطفال القلائل الذين بقوا، وأدار مستشفى ميدانيًا وحيدًا بإمكانات شحيحة لمعالجة الجرحى والمرضى.
ولعل من أبهى صور الصمود الثقافي في داريا المحاصرة قصة “المكتبة السرية” التي أنشأها الشباب تحت الأنقاض. فقد عمد مجموعة من طلاب الجامعة والمثقفين على جمع الكتب من البيوت المدمرة في داريا منذ 2013، وأنقذوا ما أمكن إنقاذه من آلاف الكتب والروايات والمراجع الدينية والعلمية، وخزنوها في قبو آمن حولوه إلى مكتبة مفتوحة لمن بقي من السكان.
بلغ حجم المجموعة نحو 14 ألف كتاب تم ترتيبها وفهرستها، لتصبح هذه المكتبة الملجأ الروحي والثقافي لشباب داريا ينهلون منها المعرفة والأمل وسط الحصار والموت. حظيت مكتبة داريا بإشادة عالمية لاحقًا ورمزت لـ«حب الحياة» لدى أبناء المدينة رغم كل محاولات النظام لكسر إرادتهم.
نهاية الملحمة وقرار التهجير (2016)
مع مطلع عام 2016، وبعد 1375 يومًا من الحصار الكامل (منذ نوفمبر 2012)، وصلت أوضاع داريا الإنسانية والعسكرية إلى حافة الانهيار. كانت مساحة سيطرة الثوار قد انحسرت إلى بضع كيلومترات مربعة فقط من كتلة الأبنية المدمرة، ونفدت تقريبًا ذخائر المقاتلين ومخزونات الغذاء والدواء بعد أن أطبق النظام حصاره بشكل مطلق ومنع أي دخول للمساعدات (باستثناء قافلة يتيمة للصليب الأحمر دخلت في حزيران 2016). كل ذلك ترافق مع حملة قصف جوي ومدفعي هي الأعنف خلال صيف 2016 استخدم فيها جيش النظام قنابل حارقة وغازات سامة على الأحياء الأخيرة المقاومة. في تلك الأثناء خسر لواء شهداء الإسلام عددًا من أبرز قياداته الميدانيين خلال المعارك الأخيرة (منهم القائد أبو سلمو الزهر، وأبو أحمد الأحمر، وأبو عامر كفرسوسة)، مما أثر على معنويات المدافعين.
وأمام انعدام أي أفق لفك الحصار أو دعم خارجي، وجد من تبقى من أهالي داريا وثوارها أنفسهم مضطرين لاتخاذ القرار الأصعب: الموافقة على اتفاق إخلاء المدينة.
في 26 آب/أغسطس 2016 تم توقيع اتفاق بين ممثلي داريا والجانب الروسي والنظام، قضى بالتهجير القسري لجميع من بقي من سكان ومقاتلين إلى الشمال السوري. وخلال يومين، خرج آخر المقاتلين بحافلات نحو محافظة إدلب ومعهم نحو 8 آلاف من الأهالي بما فيهم كوادر المجلس المحلي والطبي والإغاثي.
“كانت هذه اللحظة من أمرّ اللحظات في تاريخ داريا… نهاية حكاية صمود وبداية رحلة تهجير مجهولة” كما وصفها أحد أبناء المدينة. وبرحيل آخر المدنيين تحولت داريا إلى مدينة أشباح، وأحكم النظام السيطرة عليها معلنًا انتصارًا بطعم الخراب.
وفق توثيقات الناشطين، بلغت حصيلة شهداء داريا خلال سنوات الحصار والمعارك حوالي 3500 شهيد من المدنيين والعسكريين. ومن المؤلم أن من بين هؤلاء قرابة 1000 معتقل قضوا تحت التعذيب في سجون النظام خلال تلك الفترة، كثير منهم كانوا قد اعتُقلوا في بدايات الحراك السلمي قبل الحصار.
كما سُجل نحو 2,900 معتقل آخر من أبناء داريا ما زالوا مغيبين في الزنازين أو غير معروف مصيرهم.
وعلى صعيد الدمار العمراني، فاقت نسبة الخراب 80% من بنى المدينة وأبنيتها، فلم تسلم أي بنية أساسية أو معلم من آثار الحرب. وبعد خروج أهلها بالكامل، دخلت قوات النظام والمليشيات الموالية أحياء داريا لتنهب ما تبقى من ممتلكات (التعفيش)، ثم أضرمت النيران في كثير من البيوت كما وثقت صور ناشطين، في مشهد قاس لخاتمة ملحمة داريا البطولية.
بذلك انتهى فصل الحصار والصمود العسكري في داريا، ليبدأ فصل جديد من المعاناة تمثل في التهجير والتشتت بعيدًا عن ديار الأجداد.
اقرأ أيضًا:
داريا الثورة.. من السلمية إلى المجزرة
داريا التهجير.. رحلة المعاناة بعيدًا عن الديار
داريا الذاكرة والثقافة.. إرث مدينة عنيدة
داريا العودة.. الحياة رغم الدمار
