بعد انهيار حكم نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024، ورثت داريا بنية تحتية شبه معدومة بعد سنوات من الحصار والقصف. تشير التقديرات إلى أن نحو 65% من أبنية المدينة دمرت بالكامل، وتضرر حوالي 14% منها بشكل جسيم، ولم يبق صالحًا للسكن إلا ما يقارب 21% من الأبنية مع حاجة ماسة للترميم.
انعكس هذا الدمار الواسع على الخدمات الأساسية بشكل كارثي. انقطاع الكهرباء والمياه عن معظم الأحياء أصبح واقعًا يوميًا، وفقط ربع آبار المياه باتت تعمل في المدينة. شبكات الصرف الصحي بدورها مهترئة، فمياه المجاري طفحت في الشوارع نتيجة تضرر الشبكة، ما يهدد الصحة العامة ويعوق عودة الحياة الطبيعية. كما أن غياب خدمات الاتصالات عن بعض المناطق زاد من عزلة السكان.
هذه المشكلات الخدمية جعلت عودة النازحين تحديًا حقيقيًا في البداية، إذ قُدّر أن حوالي 90% من البنية التحتية للمدينة كانت خارج الخدمة مطلع 2025، بما في ذلك شبكات الكهرباء المنظمة التي غابت تمامًا.
على أرض الواقع، اعتمد الأهالي على حلول إسعافية، كاستخدام المولدات الكهربائية الخاصة والصهاريج لنقل المياه، بينما كانت الشوارع تغرق بالأنقاض والنفايات بلا قدرة كافية للبلدية الناشئة على رفعها.
رغم هذه الصورة القاتمة، بدأ العمل على تحسين الخدمات تدريجيًا. في بعض الأحياء الأقل تضررًا، ظهرت ورشات عمل أهلية أشبه بخلايا النحل، عمال يصعدون الأسطح لترميم ما تبقى من أسقف البيوت، وآخرون يعيدون بناء واجهات مبان أو يصلحون مضخات مياه لتعزيز وصول المياه للأحياء.
هذه المبادرات المحلية وفرت حلولًا جزئية، لكنها تبقى محدودة أمام ضخامة الاحتياجات.
السلطات المحلية الجديدة في داريا أطلقت نداءات للمساعدة، وتعول على دعم دولي للمباشرة بإعادة إعمار حقيقية، إلا أن الموارد المتاحة حاليًا لا تزال متواضعة. ومع ذلك، اعتُبر مجرد بقاء بعض سكان داريا على قيد الحياة في مدينتهم المدمرة، وعودة آخرين إليها، انتصارًا صغيرًا، خاصة مع بدء مشاريع لإزالة الأنقاض وفتح الطرقات كخطوة أولى لإعادة الخدمات تدريجيًا.
محاولات للنهوض بقطاعي التعليم والصحة
قطاعا التعليم والصحة في داريا كانا من الأكثر تضررًا أثناء الحرب. خرجت جميع مستشفيات داريا الأربعة عن الخدمة بسبب القصف الممنهج. مستشفى داريا الوطني، الذي كان بسعة 200 سرير ويخدم آلاف المرضى، لم يعد اليوم سوى هيكل خرساني فارغ، بعد أن دمّر في 2016 وتعرضت محتوياته للنهب من تجهيزات طبية وكهربائية.
حاليًا، لا توجد أي غرفة عمليات جراحية أو قسم إسعاف فعال في المدينة، وتقتصر الرعاية الطبية على مركز صحي وحيد تديره منظمة أطباء بلا حدود ويقدم خدمات أساسية بشكل مؤقت. هذه المحدودية في الخدمات الصحية تدفع كثيرين إلى التردد في العودة أو إلى قطع مسافات نحو العاصمة للحصول على العلاج. على الرغم من ذلك، بدأ بعض الأطباء من أبناء داريا بالعودة والعمل وسط الظروف الصعبة.
أما بالنسبة للتعليم، فداريا التي عُرفت بنشاطها الثقافي قبل الثورة تجد اليوم صعوبة في استيعاب الجيل الجديد العائد. فقد فُقدت 7 مدارس من أصل 24 كانت موجودة قبل 2011 بسبب التدمير، وتمكنت السلطات المحلية من إعادة تشغيل 17 مدرسة فقط حتى مطلع 2025. هذه المدارس تستقبل يوميًا نحو 14 ألف طالب وطالبة يسلكون طريقهم إليها بين أبنية مهدمة وأنقاض متناثرة.
ويشكل نقص الكادر التعليمي والتجهيزات هاجسًا كبيرًا حاليًا، فالكثير من المعلمين إما قتلوا أو هجروا خلال سنوات الحرب. يضاف إلى ذلك تحد فريد من نوعه، فمئات من التلاميذ عادوا مع عائلاتهم من دول اللجوء، ولدوا وتربوا خارج سوريا وتعلموا بلغات أجنبية. ورغم كل الصعوبات، فإن المشهد اليومي أمام المدارس يوحي بالأمل: حقائب جديدة تلامس عتبات قديمة، وضحكات الأطفال تسمع مجددًا في ساحات كانت بالأمس ساحات حرب.
ومع عودة أكثر من مليون سوري إلى بلادهم منذ سقوط حكم الأسد، قسم كبير منهم عادوا من تركيا، لا تواجه داريا هذه التحديات التعليمية منفردة، بل تشاركها فيها كثير من المناطق السورية المحررة.
مجالس محلية بخطوات متعثرة
في ظل الفراغ الذي أحدثه انهيار مؤسسات النظام، سارع أبناء داريا إلى تنظيم إدارة محلية لمدينتهم. تشكّلت الإدارة المدنية في داريا ككيان يقود جهود إعادة تسيير الحياة اليومية، بما في ذلك مجلس مدينة (بلدية) ولجان تخصصية للمبادرات الخدمية والتنموية. هذه الإدارة الناشئة تعمل بإمكانات بسيطة لكنها تحاول سد الفراغ الإداري وتقديم ما أمكن من خدمات للأهالي العائدين.
على الصعيد الخدمي، بدأ جزء من مؤسسات الخدمة العامة بالعودة تدريجيًا. فعلى الرغم من شُح المعدات، تمكنت فرق الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) التابعة لوزارة الطوارئ في الحكومة المؤقتة من تفعيل حضورها في داريا ومحيطها. هذه الفرق تتولى مهام إطفاء الحرائق والإنقاذ وإزالة المخلفات الخطرة، إلى جانب حملة كبرى لإزالة الأنقاض من الشوارع والأحياء لتعجيل عودة المدنيين. كما استؤنفت خدمات أساسية أخرى بشكل محدود، مثل فتح بعض المكاتب الحكومية ومحطة صغيرة لتوليد الكهرباء تغذي أجزاء من المدينة بشكل مؤقت.
وفي سياق الحكم المحلي الأوسع، انخرط نشطاء داريا الذين خبروا العمل التنظيمي منذ سنوات الثورة في السلطات الانتقالية الجديدة على مستوى ريف دمشق. فقد جاءت هذه السلطات المحلية كأحد مكتسبات مرحلة ما بعد الأسد، محاولة تقديم نموذج مغاير يعتمد على اللامركزية والمشاركة الشعبية.
ورغم أن الطريق طويل أمامها لتحقيق الإدارة الفعالة، فإن مجرد عودة مجلس داريا المحلي للعمل ورفع شعار “خدمة المواطن” يمثل تحولًا جذريًا عن عقود من الإهمال والتهميش الحكومي.
حياة يومية بين الركام
بين الأبنية المتصدعة والشوارع المليئة بالحفر، تنبض الحياة في داريا من جديد رغم كل شيء. في الأحياء التي عاد إليها السكان، يمكن رؤية مشاهد تجمع بين الألم والأمل: عائلات تسكن منازل بلا سقوف مكتملة، علقوا أقمشة وقطع نايلون مكان النوافذ والجدران المهدمة لاتقاء البرد والغبار. بل إن البعض آثر الرجوع إلى بيته حتى لو بقي بلا جدران خارجية، مفضّلًا العيش بين أنقاض ذكرياته على البقاء مهجرًا.
على مقربة من تلك المنازل، تنشط ورش البناء الصغيرة. ورغم مشهد الدمار الطاغي، تسمع بين الفينة والأخرى أصوات ضحكات وصياح أطفال يلعبون كرة القدم في ساحة ترابية بجانب ركام مبنى مدمر، وقد وضعوا حجارة كعلامات مرمى لملعبهم المرتجل.
كما عادت الأسواق الشعبية لتنعقد شيئًا فشيئًا في شوارع داريا الرئيسية، على الرغم من تواضع المعروض وضعف القدرة الشرائية لدى الأهالي.
في رمضان الأول بعد التحرير، أشرقت شمس مختلفة على المدينة، وامتلأت الأرصفة ببسطات تبيع المعجنات والحلويات الرمضانية، وازدحم سوق الخضار بالمتسوقين إلى حد ما. اللافت أن بعض الأسعار انخفضت هذا العام بدلًا من أن ترتفع كما جرت العادة في المواسم، فقد توفرت سلع أكثر مع تحسن خطوط الإمداد، إذ يرجع الباعة ذلك إلى زيادة المعروض مع انتعاش الزراعة في الأراضي المحررة ومساهمة المغتربين في دعم الأسواق. في المساء، تعلو أصوات المآذن معلنة بدء فترة الإفطار والتراويح، من مساجد تم تنظيفها وإصلاح جزء من مرافقها، في مشهد تاق له أهالي داريا طويلًا بعدما حُرموا طقوسهم الرمضانية سنوات تحت الحصار.
وللمدينة أيضًا طابعها الروحي الخاص، فهي معروفة بتديّن أهلها وانخراطهم في العمل الاجتماعي، وقد أعادوا افتتاح العديد من المساجد الصغيرة التي نجت من التدمير لإقامة الصلوات والخطب، وعادت حلقات تحفيظ القرآن للشباب في بعض الزوايا دون خوف كما كان الحال زمن النظام.
المناسبات الاجتماعية والوطنية عادت إلى الواجهة هي الأخرى. فبعد أشهر قليلة من التحرير، شهدت داريا أول احتفال علني بذكرى الثورة السورية في مارس 2025، حيث تجمع المئات في ساحة الشهداء رافعين أعلام الثورة ولافتات تخلّد ذكرى من رحلوا. هذه الفعالية التي نُظمت على مستوى ريف دمشق في داريا كانت رمزية للغاية، وكأن المدينة التي دفعت أغلى الأثمان تقدم رسالة بأنها ما زالت على العهد وأن التضحيات لم تذهب سدى.
وعلى الصعيد الاجتماعي، بدأت الأعراس تعود بخجل إلى صالات بسيطة أُقيمت بين الأنقاض، وعادت روائح الخبز تنبعث من أفران أعيد تأهيلها بجهود محلية. كذلك استعادت داريا جزءًا من شهرتها السابقة في مجال صناعة الأثاث، فقد عادت ورش النجارة للعمل في معظم الأحياء التي يقطنها الناس تقريبًا. صوت المناشير الكهربائية عاد يصدح من بعض المحال، معلنًا أن «مهنة المفروشات» التي عُرفت بها المدينة ما زالت حية. هذه الورش تؤمن فرص عمل لعشرات الشباب العاطلين، وتساعد في تأثيث البيوت المرممة بأبسط التكاليف.
لكن وسط مشاهد الحياة هذه، تظل ندوب الحرب حاضرة بقوة في داريا. فبالإضافة إلى الأبنية المهدمة التي تذكر بكل زاوية بما جرى، هناك المقابر الجماعية وذكريات المجازر.
في مقبرة الشهداء التي استُحدثت خلال فترة الحصار، يرقد رفات 421 شهيدًا معروف الهوية قتلوا بين 2012 و2016. وقد عمل مقاتلو ونشطاء داريا قبيل تهجيرهم عام 2016 على دفن الشهداء بشكل لائق. صوروا شواهد القبور ثم أزالوها وطمسوها بالتراب خوفًا من انتقام قوات النظام السابقة بتدنيسها. وعندما عاد هؤلاء النشطاء إلى مدينتهم بعد التحرير، كانت أولى مبادراتهم إعادة تنظيم المقبرة ووضع شواهد جديدة مستندة إلى الصور التي احتفظوا بها طوال تلك السنوات.
مبادرات على طريق التعافي
لم تكن داريا لتقف على قدميها مجددًا لولا تكاتف جهود أهلها ودعم أصدقائها. فمن رحم المعاناة، برزت عشرات المبادرات المحلية التي قادها متطوعون شبان وكبار، هدفها ترميم ما يمكن ترميمه وتخفيف وطأة الحياة على السكان.
الكثير من أبناء داريا المغتربين أسهموا بإرسال أموال وخبرات، فبعضهم عاد بنفسه حاملًا معه مهارات جديدة اكتسبها في بلاد المهجر للمساعدة في إعادة الإعمار، وآخرون جمعوا تبرعات في مجتمعات اللجوء لدعم مدينتهم. كما استفادت المدينة من دروس من جربوا الحياة الديمقراطية في الخارج، فعاد ناشطون وحقوقيون شاركوا في منظمات مدنية بدول اللجوء إلى داريا حالمين بغرس قيم الحرية والمشاركة في مجتمعهم الذي لم يعرفها طويلًا.
على صعيد الدعم الخارجي، بدأت منظمات دولية وعربية مد يد العون لداريا ومدن ريف دمشق المحررة الأخرى. من أبرز تلك المشاريع إطلاق حملة كبرى لإزالة الأنقاض في داريا ودوما المجاورة أواخر 2025، بالتعاون مع الدفاع المدني السوري ووزارة الطوارئ.
يهدف هذا المشروع إلى ترحيل ما لا يقل عن 39 ألف متر مكعب من أنقاض مباني داريا خلال عام واحد، مع إعادة تدوير حوالي 30 ألف متر مكعب منها واستخدامها في تصنيع مواد بناء. وقد بدأت الجرافات والشاحنات تعمل فعليًا في شوارع داريا الرئيسية لرفع الركام الذي كان يسد الطرقات والأزقة منذ سنوات، وسط فرحة السكان برؤية شوارعهم تتنفس مجددًا.
المشروع لا يقتصر على فتح الطرق، بل يضع أولوية أيضًا لإزالة الأنقاض من المنشآت التعليمية والطبية تمهيدًا لإصلاحها وإعادتها للخدمة. هذا الدعم أسهم بشكل مباشر في تحسين الحياة اليومية.
لا شك أن الطريق ما يزال طويلًا أمام داريا لتعود كما كانت. فالدعم الحالي، على أهميته، لا يرقى لحجم المأساة التي حلت بمدينة كان يقطنها قبل الحرب حوالي 250 ألف نسمة. ورغم وصول عدد السكان حاليًا إلى قرابة 150 ألف نسمة بفضل عودة عشرات الآلاف بعد التحرير، إلا أن معظم العائدين يعيشون في أجزاء من أحيائهم القديمة تفتقر إلى الكثير من مقومات الحياة الحديثة.
مع ذلك، تسير داريا بثبات على درب التعافي. إرادة أهلها في الصمود والبناء من جديد كانت ولا تزال محركًا أساسيًا جعل المجتمع الدولي يلتفت لدعمهم. ولعل تجربة داريا تُقدّم اليوم نموذجًا ملهمًا لباقي المدن السورية، فبرغم أنها دُمرت وشُرد أهلها بالكامل قبل أقل من عقد، ها هي تنهض رويدًا رويدًا بجهود أبنائها وإصرارهم على الحياة. وكما قاومت داريا سابقًا براميل النظام ودباباته، فهي تقاوم اليوم ركام الحرب بالإعمار والعمل، وتُثبت أن شعلة الأمل يمكن أن تضيء حتى أكثر الأماكن ظلمة.
اقرأ أيضًا:
داريا الثورة.. من السلمية إلى المجزرة
داريا الحصار.. تحت النار والجوع
داريا التهجير.. رحلة المعاناة بعيدًا عن الديار
داريا الذاكرة والثقافة.. إرث مدينة عنيدة
