لكل مدينة قصتها، لكن قلما تحمل مدينة ما مزيجًا من الأمل والألم كما حملته داريا في ذاكرة السوريين. أصبحت داريا أيقونة للثورة بما قدمته من تضحيات وبطولات، وأيقونة للمأساة بما كابدته من حصار وتدمير وتهجير. فعلى امتداد العقد الماضي، حضر اسم داريا في الأشعار والأغاني الثورية وفي الخطاب السياسي المعارض كمرادف للصمود والإباء.
يروي ناشطون من الغوطة الغربية أنه ما من ذِكر لبطولات الثورة إلا ودارت سيرة داريا كمثال مضيء، من مشهد تشييع شهدائها الحاشد في 2011، إلى صمود ثوارها سنوات تحت القصف بلا استسلام، وصولًا إلى خروج آخر مقاتليها رافعين راية الثورة رغم مرارة التهجير. هذا الزخم الرمزي جعل من داريا “جزءًا من تاريخ الثورة السورية لا يمكن لأي إنسان أن يكتبه بدونه”، كما وصفت فعالية ثقافية نظمها بعض شبان داريا في المهجر لإحياء ذكرى مدينتهم. وصار اسم داريا يرتبط في الذاكرة الجمعية السورية بقصة مدينة عنيدة واجهت الطغيان وحدها تقريبًا، فدُمرت عن بكرة أبيها لكنها لم تنكسر معنويًا.
إرث ثقافي وحضاري
لم تكن داريا رقمًا عابرًا في سجل التاريخ، فهي بلدة عريقة أسهمت في حضارة محيط دمشق عبر القرون.
أنجبت داريا عددًا من العلماء والأعلام التاريخيين، أبرزهم العارف بالله سليمان الداراني (أبو سليمان) أحد كبار الصوفية في القرن الثاني الهجري، والذي ذاع صيته في الزهد حتى خارج حدود الشام. أيضًا يُنسَب إليها أبو مسلم الخولاني، وهو تابعي جليل سكن داريا وكان مضرب المثل في الورع والتقوى في صدر الإسلام. وقد شكلت مزارات هؤلاء الأولياء عبر الزمن مراكز استقطاب روحي وثقافي، حيث كانت تقام حولها حلقات الذكر ومواسم الزيارات.
إلى جانب ذلك، عُرفت داريا قديمًا بجمال طبيعتها وطيب هوائها حتى تغنى بها الشعراء في العصور الذهبية. فقد مر بها الشاعر حسان بن ثابت والخليفة المتوكل مع شاعره البحتري وخلدوا اسمها في أبياتهم التي وصفوا فيها ليل داريا العبق بنسيم بردى ومتع الحياة فيها.
كما كانت داريا موطنًا لكروم العنب والحدائق الغناء التي اشتهرت بإنتاج العنب والزبيب. هذا الإرث الزراعي خلدته الذاكرة الشعبية، فحتى من تهجروا من أهلها ما زالوا يفاخرون بـ“عنب داريا” وطعمه، ويرونه رمزًا لعطاء أرضهم الخصبة.
رغم الكارثة التي حلت بالمدينة خلال السنوات الأخيرة، سعى أبناؤها للحفاظ على تراثهم المحلي ونقله للأجيال الجديدة. قام بعض المهجرين بإنشاء منصات إلكترونية تجمع صورًا قديمة وتروي حكايات من تاريخ داريا الاجتماعي والعمراني. وظهرت على مواقع التواصل مبادرات وصفحات تنشر تباعًا ما تيسر من صور الأعراس في داريا، وصور المدارس قبل الحرب، مع التذكير ببعض الشخصيات الاجتماعية البارزة من معلمي المدينة وأطبائها الذين رحلوا.
هذه الجهود تؤكد أن داريا لم تمت، فحضارتها وتراثها باقٍ في وجدان أهلها أينما كانوا.
عنب بلدي.. ذاكرة مكتوبة
قصة جريدة عنب بلدي تعتبر بحد ذاتها جزءًا من إرث داريا الثقافي والثوري. فقد ولدت هذه الجريدة في أحضان داريا الملتهبة أواخر عام 2011، حين أصدرها ناشطون من شبان وشابات داريا لتكون صوتًا للحقيقة في زمن التعتيم الإعلامي. ورغم استشهاد عدد من مؤسسيها وتهجير من بقي منهم إلى خارج سوريا، استمرت عنب بلدي بالصدور المنتظم وأصبحت خلال سنوات من أبرز الصحف السورية المستقلة. هي اليوم مؤسسة إعلامية متكاملة تصدر موقعًا إلكترونيًا وجريدة أسبوعية باللغتين العربية والإنجليزية، وتتناول قضايا سوريا كافة. لكن جذورها الدارانية بقيت فخرًا للعاملين فيها، إذ يذكّرون قراءهم دومًا بأن هذه المطبوعة وُلدت من رحم معاناة داريا ومن إيمان شبابها بدور الكلمة الحرة.
لقد تحولت عنب بلدي إلى سجل حي يوثق ذاكرة داريا والثورة معًا. فبالإضافة لتوثيقها للأحداث التي مرت بالمدينة ورواية حكايا شهدائها معتقليها، نبشت في كثير من ملفاتها وتقاريرها الانتهاكات التي تعرضت لها، وسلطت الضوء على مجرمي الحرب وعلى معاناة المهجرين ومساعي العدالة. وفي الوقت ذاته، احتفت صفحاتها بنجاحات أبناء داريا في الشتات، كجزء من مسؤوليتها في إبقاء شعلة الأمل متقدة بأن داريا ستنهض مجددًا بجهود أبنائها.
استمرار الرسالة
لم يدع أهالي داريا ذكرى مدينتهم تخبو رغم قسوة الظروف. ففي كل عام، يحيون يوم 25 آب (ذكرى المجزرة الكبرى عام 2012) بفعاليات تذكارية سواء عبر الإنترنت أو حيثما تواجدوا في الشتات. يحرصون فيها على قراءة الفاتحة على أرواح الشهداء وذكر أسمائهم فردًا فردًا، ونشر صورهم وذكرياتهم.
وفي 26 آب، ذكرى التهجير عام 2016، يكتب كثيرون من أبناء داريا على صفحاتهم مشاعر الشوق والحنين إلى ديارهم، في سرديات جماعية أشبه بمرثية وطنية.
كما أصدر بعض كتّاب داريا أعمالًا توثيقية تخلد تجربتهم، من ذلك كتاب “من تحت الرماد: يوميات الحصار في داريا” للكاتب الشاب محمد أبو هريرة، الذي دوّن فيه تفاصيل الحياة اليومية تحت القصف والجوع. وكذلك الكتاب الشهير “جامعو الكتب: مكتبة داريا السرية” للصحفية الفرنسية دلفين مينوي، الذي نقل للعالم حكاية أولئك الشبان الذين أنقذوا الكتب وسط الحرب. هذه الأعمال وغيرها باتت جزءًا من أدبيات الثورة السورية ومراجع للباحثين في شؤون المجتمعات إبّان الحروب.
على جانب آخر، سعى بعض ناشطي داريا إلى تخليد اسمها فنيًا. فرسم فنانون لوحات تُجسد معاناة المدينة وأيقوناتها (من ذلك لوحة بعنوان “الوردة والرصاصة” ترمز لنهج الشهيد غياث مطر في مواجهة العنف بالورود). وألف موسيقيون شباب أناشيد ثورية خاصة لداريا، أشهرها نشيد مطلعه: “داريا يا صوت الحقّ.. يا أيقونة التحرير”، والذي أصبح نشيدًا يردده أبناؤها في لقاءاتهم أينما حلّوا.
رغم كل محاولات الطمس والتغيير التي واجهتها داريا بعد سقوطها، يبقى جوهر ثقافتها وذاكرتها عصيًا على الاندثار. وفي الذاكرة الجماعية لأبنائها، يتلألأ طيف من الأسماء التي باتت رموزًا خالدة لتلك الملحمة الثورية. كغياث مطر، الشاب الذي واجه رصاص النظام بالورود وقوارير الماء قبل أن يعتقل في أيلول 2011 ويُعاد جثمانه إلى أهله وعليه آثار التعذيب بعد أيام. وإلى جانبه يسطع اسم الناشط البارز يحيى شربجي، الذي غيبته زنازين النظام لسنوات حتى أُبلغت عائلته بإعدامه في المعتقل عام 2013.
كما قدّمت داريا للثورة أرواحًا حرة شمخت في ميدان الصحافة، من أبرزهم الصحفي نبيل شربجي، أحد مؤسسي جريدة عنب بلدي، الذي اعتُقل مطلع عام 2012 وقضى تحت التعذيب في سجن صيدنايا سيئ الصيت عام 2015. وكذلك الصحفي أحمد شحادة (مدير تحرير عنب بلدي) الذي استهدفه قصف صاروخي في داريا في آذار 2013 أثناء تشييعه لجنازة شهيد. وأيضًا محمد أنور قريطم (المعروف بـ“أبو النور”) أحد مؤسسي الصحيفة، الذي أصر على البقاء في مدينته المحاصرة دعمًا لأهلها، فارتقى شهيدًا إثر غارة جوية محمّلة بالغازات السامة في تشرين الثاني 2012.
هؤلاء وغيرهم كثيرون خطوا بأسمائهم قصة داريا وأصبحوا جزءًا لا يتجزأ من إرثها الذي تتناقله الأجيال جيلاً بعد جيل.
ولم يكن غريبًا أن تظل الأرض التي أنجبت أولئك الأبطال، من دعاة السلم وحملة الأقلام والمقاتلين الأشداء، وأمهات قدمن التضحيات الجِسام، حاضرة في وجدان السوريين.
اقرأ أيضًا:
داريا الثورة.. من السلمية إلى المجزرة
داريا الحصار.. تحت النار والجوع
داريا التهجير.. رحلة المعاناة بعيدًا عن الديار
داريا العودة.. الحياة رغم الدمار
