تقع مدينة داريا في ريف دمشق إلى الجنوب الغربي من العاصمة، على بعد نحو 7 إلى 8 كيلومترات منها. ترتفع داريا حوالي 650–720 مترًا عن سطح البحر ضمن سهل خصيب ترويه فروع من نهري بردى والأعوج.
اسم “داريا” مشتق من اللغة الآرامية بمعنى «الدّور أو المساكن (جمع دار)»، وهناك روايات محلية تربط التسمية بمعنى «دار الرؤية» نسبة لتجلي رؤية المسيح للقديس بولس في هذه البقعة. وقد ظلت البلدة مأهولة عبر العصور القديمة، وذكرت في بعض المصادر الكلاسيكية المتأخرة كمقر لعدد من الأديرة المسيحية في القرن السادس الميلادي.
كانت داريا موطنًا لبعض ملوك الغساسنة العرب المتحالفين مع البيزنطيين، والذين نشروا المسيحية (على المذهب اليعقوبي) في تلك الأنحاء.
ومع ظهور الإسلام، سكنت في داريا قبائل عربية يمنية من عَنس وخَوْلان، ونزل بها عدد من الصحابة والتابعين أيضًا. لهذا تحظى المدينة بمكانة دينية، إذ تضم مقامات لعدة شخصيات إسلامية مبكرة، مثل مقام النبي حزقيل، ضريح الصحابي بلال الحبشي (أول مؤذن في الإسلام) قرب قبر أبي مسلم الخولاني، قبر أبي مسلم الخولاني نفسه (عبدالله بن ثوب، من كبار التابعين)، وكذلك قبر أبو سليمان الداراني (عبدالرحمن العنسي، من عباد الله الصالحين) الذي توفي ودفن في داريا سنة 221هـ (835م).
أدوار تاريخية عبر العصور
تشير اكتشافات أثرية حديثة إلى قِدم الاستيطان في منطقة داريا، إذ عثر قربها على تلة (تل أثري عند نبع شواقة) تحوي بقايا تعود للعصر البرونزي والحديدي، مما يدل على أن تاريخ المنطقة يمتد لآلاف السنين قبل الميلاد. كما كُشف عن عشرة مدافن أثرية في البلدة ومحيطها الجنوبي تعود للعصرين الروماني والبيزنطي.
قدمت داريا بعض اللقى الأثرية المهمة، منها تماثيل رومانية ويونانية عثر عليها في البلدة القديمة، أبرزها تمثال إيروس (إله الحب عند الإغريق)، وهو محفوظ اليوم في المتحف الوطني بدمشق، إضافة إلى تمثال رخامي لامرأة تحمل طفلها يعود للعصر الروماني. كذلك عُثر على حجر قديم يحدد تخوم الأراضي الزراعية بين داريا ومنطقة المزة المجاورة مؤرخ بالقرن الرابع الميلادي. كما ظلت بعض قنوات الري الرومانية والبيزنطية مستخدمة في داريا حتى زمن قريب (مثل قناة الإوز الواصلة من صحنايا إلى سبينة عبر داريا).
على مر العصور الإسلامية، تأثرت داريا بالأحداث السياسية والصراعات الداخلية في بلاد الشام. فخلال العصر الأموي والعباسي استقرت بها قبائل يمنية وقيسية، وشهدت نزاعات بين هذه القبائل، وتعرضت للحرق والنهب أكثر من مرة في تلك الفترات. ويذكر أن البلدة أُحرقت في إحدى الفتن عام 126هـ وكذلك عام 167هـ نتيجة صراع بين القيسية واليمانية.
في العهد العباسي، زارها الخليفة المتوكل وبرفقته الشاعر البحتري الذي تغنى بجمال ليل داريا وبرودته ممزوجًا بماء نهر بردى. لاحقًا في عهد السلاجقة والأتابكة، لم تسلم داريا من غزوات الفرنجة (الصليبيين) الذين عاثوا فيها خرابًا عام 553هـ (1158م)، ولا من غزو المغول (التتار) عام 799هـ (1397م)، حيث أصابها دمار كبير.
في التاريخ الحديث، واكبت داريا أحداث الثورة السورية الكبرى ضد الاستعمار الفرنسي. فبعد إخضاع دمشق عام 1926، لجأ بعض قادة المقاومة السورية للاختباء في داريا، منهم الأمير عادل أرسلان وآخرون، فحاصرتها القوات الفرنسية ووقعت فيها معركة داريا الكبرى في 10 كانون الأول 1926. شارك حوالي 55 مجاهدًا في صد الحملة الفرنسية، وبينهم عدد من أبناء داريا، لكن الفرنسيين ارتكبوا مجزرة وانتقموا بحرق أجزاء من البلدة حينذاك. تلك الأحداث رسخت ذكرى داريا كإحدى مناطق الريف الدمشقي المقاومة للمحتلين.
داريا قبيل ثورة 2011
خلال النصف الثاني من القرن العشرين شهدت داريا توسعًا عمرانيًا وسكانيًا كبيرًا بحكم قربها من دمشق، وصُنفت المدينة إداريًا ضمن محافظة ريف دمشق وأصبحت أكبر مدن الغوطة الغربية مساحةً وسكانًا.
وفق التعداد الرسمي لعام 2007 بلغ عدد سكان منطقة داريا حوالي 255 ألف نسمة، ما جعلها من أكثر ضواحي دمشق اكتظاظًا بالسكان.
معظم أهلها يدينون بالإسلام مع وجود أقلية مسيحية (روم أرثوذكس وكاثوليك) لها كنائسها منذ أوائل القرن العشرين.
تشتهر داريا تاريخيًا بكروم العنب ذي الطعم الحلو المميز، حتى لقبت بـ“مدينة العنب”، وكانت منتجاتها من العنب والزبيب تجذب التجار في المنطقة.
كما عُرفت المدينة بانتشار صناعات حرفية وتجارية متوسطة إلى جانب الزراعة، وخاصة ورشات تصنيع الأثاث وزراعة الخضار والفواكه في بساتينها الغنية بالمياه الجوفية.
بحلول مطلع الألفية الجديدة، بدأت داريا تبرز أيضًا بأنشطتها المدنية السلمية. ففي عام 2003 نظم شباب المدينة حملة اجتماعية ضد الفساد والرشاوى (عرفت لاحقًا باسم حملة شباب داريا 2003)، وركزوا فيها على تعزيز الأخلاق المدنية مثل رفض الرشوة ومقاطعة التبغ وتنظيف الشوارع، تحت شعار مقتبس من القرآن: “حتى يغيروا ما بأنفسهم”.
لاقت تلك التحركات تجاوبًا شعبيًا داخل داريا لكنها أثارت أجهزة الأمن السورية آنذاك، فانتهت باعتقال منظمي الحملة عام 2003.
شكلت تجربة داريا هذه نموذجًا مبكرًا للمقاومة المدنية السلمية في سوريا ما قبل 2011، وأسهمت في تكوين وعي ثوري مبكر لدى شريحة من أبنائها. هذا الإرث المدني ظهر أثره جليًا عند اندلاع الثورة السورية عام 2011، حين أصبحت داريا أحد أبرز معاقل الحراك السلمي ثم المسلح ضد نظام حكم بشار الأسد.
اقرأ أيضًا:
داريا الثورة.. من السلمية إلى المجزرة
داريا الحصار.. تحت النار والجوع
داريا التهجير.. رحلة المعاناة بعيدًا عن الديار
داريا الذاكرة والثقافة.. إرث مدينة عنيدة
داريا العودة.. الحياة رغم الدمار
