داريا بين تسميات متعددة.. شوارع تتبدل وذاكرة تبحث عن شاخصة

لم تعد أسماء الشوارع والساحات في مدينة داريا بريف دمشق مستقرة كما كانت في ذاكرة سكانها.

فبين تسميات قديمة اعتادها الأهالي لسنوات، وأخرى جديدة برزت خلال مراحل مختلفة من تاريخ المدينة، تتشكل حالة من الالتباس، يزيدها غياب اللوحات الإرشادية إرباكًا.

في استطلاع أجرته عنب بلدي في شوارع داريا، عبر عدد من السكان عن ارتباكهم أمام تعدد الأسماء وتبدلها خلال السنوات الماضية، لا سيما من عادوا إلى المدينة بعد غياب طويل.

بعضهم أشار إلى أنه لم يعد يتعرف بسهولة على مواقع كان يحفظها سابقًا، ويضطر أحيانًا للسؤال أكثر من مرة لتحديد الاتجاه الصحيح.

بين الاسم القديم والجديد

تظهر الحيرة بوضوح عند الحديث عن الساحات والدوارات الرئيسية في المدينة.

فساحة “الشهداء”، وهو الاسم الذي أطلق مطلع عام 2025، ما تزال تعرف لدى كثيرين بدوار “الباسل”، الاسم الرسمي الذي حمله في عهد النظام السابق.

وقبل ذلك، كان ناشطون قد أطلقوا عليه عام 2012 اسم “دوار أبو صلاح”، في إشارة إلى الشهيد طالب السمرة (أبو صلاح) من حطم تمثال باسل الأسد الذي كان منصوبًا في المكان.

الأمر ذاته ينسحب على “ساحة شريدي”، التي عرفت خلال بدايات الثورة باسم “ساحة الحرية” نظرًا لاحتضانها مظاهرات مطالِبة بالحرية، ثم تداول بعض العائدين بعد سقوط النظام تسميات مثل “ساحة التحرير” أو “ميدان التحرير”.

أما “دوار الزيتونة”، فيرتبط في ذاكرة عدد من السكان باسم “مفرق التربة”، بينما يتعامل آخرون معه بتسمية أحدث هي “دوار العلم”.

هذا التعدد في التسميات، الذي تراكم عبر مراحل سياسية واجتماعية مختلفة، جعل تحديد المواقع أمرًا معقدًا، خاصة عندما يُستخدم اسم رسمي في سياق إداري أو إعلامي، بينما يتداوله الأهالي بأسماء أخرى متجذرة في الذاكرة اليومية.

ولا يزال كثير من أبناء الجيل الأكبر يستخدمون التسميات التي نشأوا عليها، مثل “الدوار” أو “مفرق التربة” أو “ساحة شريدي”، في حين تحاول الأسماء الجديدة أن تفرض حضورها تدريجيًا.

شاخصات مفقودة.. وحلول مقترحة

يرى بعض السكان أن الاعتياد على الأسماء المستحدثة يحتاج إلى وقت، إلا أنهم يؤكدون أن المشكلة لا تتعلق بالزمن فقط، بل بغياب لوحات تعريفية واضحة تثبت هذه الأسماء في الفضاء العام، وبدون شاخصات رسمية في الطرقات، تبقى الأسماء الجديدة حبيسة التداول الشفهي أو الاستخدام المحدود.

ويتفق غالبية الأهالي على أن الحل يبدأ بتركيب لوحات واضحة في الشوارع والساحات، تتضمن أسماء المواقع بشكل صريح، مع أسهم إرشادية تساعد على التنقل.

واقترح بعضهم أن تتضمن اللوحات الاسمين معًا، القديم والجديد، لتسهيل الانتقال التدريجي بين التسميات، وتجنب مزيد من الارتباك.

كما طُرحت فكرة نشر الأسماء المعتمدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب تثبيت شاخصات في المداخل الرئيسية والأحياء الداخلية، تحمل أسماء الشوارع مثل الشاميات أو الوحدة أو التحرير.

حالة الالتباس لا تقتصر على الزوار أو العائدين حديثًا، بل تمتد أحيانًا إلى سكان الأحياء أنفسهم، الذين يجدون أن أسماء الشوارع التي يعرفونها لم تعد متداولة بالصيغة ذاتها.

وبين تسميات ارتبطت بذاكرة مرحلة سياسية معينة، وأخرى ظهرت في سياق تحولات لاحقة، تعيش داريا مرحلة إعادة تعريف لهويتها المكانية.

مقالات ذات صلة

في انتظار المواليد.. خمس أفراس عشار على أطراف داريا

حدائق ومقاهٍ جديدة في داريا.. شابات يجدن متنفسًا وأخريات يفضلن دمشق

«الديراني لحق الدبور».. أمثال وحكايات من ذاكرة الجدات في داريا