تتراجع المساحات الخضراء في داريا تدريجيًا، بعدما فقدت المدينة جزءًا من بساتينها وعرائش العنب التي ارتبطت باسمها لعقود، بين آثار الحرب، وشح المياه، وارتفاع تكاليف الزراعة، ولجوء عائلات إلى البناء داخل أراضٍ زراعية بعد تضرر منازلها.
ورصدت عنب بلدي في عدد من أحياء المدينة أراضي جافة، وبقايا منازل مدمرة تتجاور مع أبنية حديثة وأخرى قيد الإنشاء، بينما لا تزال أشجار قليلة قائمة وسط تمدد عمراني غيّر ملامح مناطق كانت جزءًا من الهوية الزراعية لداريا.
وفي استطلاع أجرته عنب بلدي مع عدد من أهالي داريا ومصادر محلية، تكررت أسباب مرتبطة بالحرب وأزمة السكن وارتفاع كلفة الزراعة وقلة المياه، بوصفها عوامل دفعت الغطاء الأخضر إلى التراجع خلال السنوات الماضية.
وعرفت داريا تاريخيًا بارتباطها بالزراعة، قبل أن تتبدل ملامح مساحات واسعة منها بفعل الحرب والتحولات العمرانية والمعيشية.
الحرب تقلص بساتين داريا
يربط فايز أبو الهوى تراجع الغطاء الأخضر في داريا بعوامل أساسية، أبرزها الحرب، وقلة المياه، والتوسع العمراني العشوائي.
وخلال السنوات الماضية، فقدت المدينة، بحسب أبو الهوى، مساحات زراعية كانت مزروعة بالأشجار وعرائش العنب، نتيجة الدمار الذي أصاب الأراضي والبنية التحتية.
أما بشار زعاويط، عضو مجلس الإدارة في الجمعية الفلاحية في داريا، فيرى أن خلو المدينة من الأهالي لأكثر من سبع سنوات خلال الحرب ترك أثرًا مباشرًا على الأراضي الزراعية، إذ قطعت أشجار، وحولت أراضٍ إلى سواتر ترابية وخنادق، وردمت آبار بعد سرقة محتوياتها.
ومع عودة الأهالي إلى المدينة عام 2019، بدأ بعض الفلاحين باستصلاح أراضيهم من جديد، لكن العمل لم يكن سهلًا، وفق زعاويط، بسبب عقبات من بينها وجود ألغام في بعض الأراضي وصعوبة الكشف عنها.
وتعد وفاء اقتلاع الأشجار المثمرة وعرائش العنب ودمار الأراضي الزراعية خلال الحرب من أبرز أسباب تراجع الخضرة في المدينة.
وتستعيد جانبًا من ظروف الحرب، حين اضطر بعض الأهالي إلى استخدام أخشاب الأشجار للتدفئة، بسبب غياب المحروقات وصعوبة تأمين بدائل.
وفي ذاكرة محمود الحو، كانت داريا “عامرة بالشجر والعنب”، قبل أن يعود كثير من الأهالي إلى أراضيهم بعد الحرب ليجدوا الأشجار مقتَلعة أو محولة إلى حطب، في مشهد غيّر شكل مناطق واسعة من المدينة.
البناء داخل الأراضي الزراعية
إلى جانب أثر الحرب، يبرز التوسع العمراني داخل الأراضي الزراعية كأحد أكثر العوامل تأثيرًا في تراجع الغطاء الأخضر في داريا.
ويصف زعاويط ما يجري بأنه “هجوم عمراني على الأراضي الزراعية”، معتبرًا أنه السبب الأساسي للتصحر في المدينة.
وبحسب الأرقام التي يوردها، بلغت المساحة المزروعة المسجلة لدى مديرية الزراعة، وفق الكشف الحسي والإحصاء الميداني، نحو 9000 دونم في عام 2023، بينما لا تتجاوز اليوم 4000 دونم.
ويحذر زعاويط من أن استمرار البناء العشوائي على الأراضي الزراعية سيخرج مساحات إضافية من الاستثمار، مضيفًا أنه إذا لم تعالج هذه المشكلة “لن يبقى غطاء نباتي ولا زراعة في داريا”.
لكن خلف هذا التوسع العمراني دوافع معيشية لا يمكن فصلها عن دمار السكن.
عبير توضح أن بعض الأهالي لجؤوا إلى أراضيهم لبناء مساكن، لأن “معظم البيوت مهدمة والناس تريد مكانًا تعيش فيه”.
ويلفت محمود العلاوي إلى أن مناطق كانت تعرف بكثافة الأشجار، بينها طريق الفصول، فقدت جزءًا من طابعها الزراعي بسبب البناء داخل المزارع.
ولا يرى العلاوي أن المشكلة مرتبطة دائمًا برغبة الأهالي في التعدي على الأراضي، بل بغياب البدائل السكنية وارتفاع تكاليف الإعمار، ما دفع بعض العائلات إلى البناء في أراضيها بدل انتظار حلول أخرى.
كما يربط مصطفى الشوا جزءًا من التوسع العمراني بانتقال عائلات من دمشق وكفرسوسة إلى داريا، نتيجة ارتفاع أسعار العقارات في دمشق، ما رفع الطلب على البناء والسكن داخل المدينة ومحيطها.
المياه والكلفة تحدان من الزراعة
لا يقف تراجع الغطاء الأخضر عند الدمار والبناء، إذ يدخل شح المياه وارتفاع تكاليف الزراعة ضمن الأسباب التي تدفع الفلاحين إلى تقليص اهتمامهم بالأرض أو تركها.
جمال حبيب يوضح لعنب بلدي أن سنوات الحرب أضعفت البنية التحتية، وجعلت الوصول إلى المياه أكثر صعوبة، في وقت ارتفعت فيه كلفة الزراعة وتراجع مردودها.
وبالنسبة للفلاح، فإن عدم القدرة على تغطية تكاليف الري والمحروقات ومستلزمات الزراعة يعني، عمليًا، عجزًا عن العناية بالأرض أو إعادة زراعتها.
ويعدد زعاويط أسبابًا أخرى قللت إقبال الفلاحين على الزراعة، بينها غلاء الآليات الزراعية والبذور والمحروقات والأدوية، وكلفة استخراج المياه من الآبار، وعدم تناسب أسعار الخضراوات مع تكاليف الإنتاج.
أما أبو عابد الخولاني، فيضع شح المياه والتوسع العمراني في المناطق الزراعية ضمن سببين مباشرين لتراجع الغطاء الأخضر، داعيًا إلى دعم الفلاحين بالمحروقات والكهرباء اللازمة لتشغيل الآبار، وتأمين مياه ري نظيفة تساعدهم على تحسين الإنتاج.
حدائق أقل وإمكانات محدودة
من جانب البلدية، يربط مسؤول قسم الصيانة والحدائق في بلدية داريا، خالد خشيني، التصحر ببقاء المدينة عدة سنوات شبه خالية من السكان بعد التهجير القسري بين عامي 2016 و2020.
وبحسب خشيني، كان الغطاء النباتي خلال فترة الحصار أفضل مما أصبح عليه بعد دخول قوات النظام السابق إلى المدينة، معتبرًا أن ممارسات النظام السابقة، إلى جانب قلة المياه وضعف الإمكانات، كانت من الأسباب الأساسية لتراجع الخضرة.
ويشير خشيني إلى أن كثيرًا من الأهالي يتجهون اليوم إلى البناء بسبب غياب المساكن وتضرر البيوت، في وقت لا تتوفر فيه مياه كافية أساسًا للشرب والاستخدام المنزلي، ما يجعل تأمين مياه للزراعة أكثر صعوبة.
حلول تبدأ من ضبط البناء ودعم الفلاحين
استعادة جزء من الغطاء الأخضر في داريا، وفق السكان والمصادر المحلية، تحتاج إلى ضبط البناء داخل الأراضي الزراعية، ودعم أصحاب الأراضي بما يساعدهم على العودة إلى الزراعة.
وترى سيدات من المدينة أن زراعة الأشجار والنباتات في كل مساحة ممكنة، داخل المنازل أو قربها أو على أطراف الطرقات، يمكن أن تحسن المشهد العام، ولو على نطاق محدود.
أما جمال حبيب، فيضع تأهيل البنية التحتية وتأمين مياه نظيفة للري في مقدمة الحلول، إلى جانب دعم الفلاحين وتشجيع تشجير الشوارع والمساحات العامة.
ويربط محمود العلاوي حماية الأراضي الزراعية بتسريع إعادة إعمار المنازل المتضررة ومساعدة أصحابها، لأن استمرار أزمة السكن يدفع مزيدًا من العائلات إلى استخدام أراضيها للبناء.
ويرى مصطفى الشوا أن الدولة مطالبة بإعادة إعمار المناطق المهدمة لتخفيف الضغط السكني، لكنه يعتقد أن عودة الزراعة في داريا إلى ما كانت عليه سابقًا باتت صعبة في ظل التوسع العمراني وقلة المياه.
وبين الحرب وأزمة السكن وكلفة الزراعة، لم تعد خسارة الغطاء الأخضر في داريا مسألة بيئية فقط، بل نتيجة مباشرة لتحولات عمرانية ومعيشية دفعت البساتين إلى التراجع أمام الحاجة إلى السكن، ودفعت الفلاحين إلى تقليص عملهم أو ترك الأرض بانتظار ماء أقل كلفة ودعم أكثر استقرارًا.