لم ينعكس تراجع سعر صرف الدولار أمام الليرة السورية بصورة موحدة على الأسواق في مدينة داريا، إذ أظهر رصد أجرته عنب بلدي استمرار تفاوت أسعار السلعة نفسها بين محل وآخر، إلى جانب غياب تسعيرة واضحة على عدد من المواد الأساسية، رغم انخفاض سعر الصرف خلال الأيام الماضية.
وتراجع سعر صرف الدولار في محال الصرافة خلال ثلاثة أيام من نحو 14500 ليرة سورية إلى نحو 12600 ليرة، في حين خفضت وزارة الطاقة، اعتبارًا من 28 حزيران، أسعار البنزين والمازوت والغاز ضمن مراجعتها الدورية. ومع ذلك، قال سكان وتجار إن أثر هذه التغيرات لم يظهر بصورة متساوية في مختلف القطاعات، بينما بقيت أسعار عدد من المواد عند مستوياتها السابقة.
فروقات واضحة في أسعار المواد
خلال جولة ميدانية في أسواق داريا، رصدت عنب بلدي فروقات كبيرة في أسعار بعض المواد الغذائية بين محل وآخر.
وتراوح سعر كيلو الرز قصير الحبة بين 14 ألفًا و25 ألف ليرة سورية، فيما تراوح سعر الرز طويل الحبة بين 23 و28 ألف ليرة، وسجل البرغل بين 12 و13 ألفًا، والعدس الأحمر 13 ألف ليرة بالجملة و15 ألفًا بالمفرق في أحد المحال.
كما بلغ سعر السكر نحو 8500 ليرة، والطحين 8500 ليرة، والزيت النباتي 29 ألفًا، والسمنة 38 ألف ليرة.
وأظهر الرصد أيضًا أن بعض المحال لا تضع أسعارًا معلنة على السلع، ما يجعل معرفة السعر مرتبطة بسؤال الزبون للبائع، في ظل غياب تسعيرة واضحة أو مؤشرات ظاهرة توضح أسباب الفروقات بين المحال.
سكان: الأسعار لم تتغير بالسرعة نفسها
تقول أم رامي شربجي إنها صرفت الدولار بسعر 12900 ليرة، لكنها لم تلاحظ انخفاضًا مماثلًا في أسعار المواد الغذائية.
وتضيف أن أسعار الدجاج ما تزال ترتفع تدريجيًا، بينما بقيت أسعار مواد أخرى عند مستوياتها السابقة، مشيرة إلى أن التجار يبررون ذلك بأن بضائعهم اشتروها عندما كان الدولار أعلى.
وترى أن المشكلة لا تكمن في هذا التبرير بحد ذاته، وإنما في استمرار البيع بالأسعار القديمة بعد انخفاض سعر الصرف.
أما فادي، فيقول إنه أصلح سيارته واشترى قطع غيار احتُسبت على أساس سعر صرف بلغ 14500 ليرة، رغم أن الدولار انخفض خلال يومين إلى نحو 13 ألفًا ثم إلى 12900 ليرة.
ويعتبر أن المواد المرتبطة بالدولار يفترض أن تنخفض أسعارها عندما يتراجع سعر الصرف، كما ترتفع عندما يرتفع.
بدوره، يرى حامد فتحي أن انخفاض الدولار بنحو ألف إلى ألفي ليرة كان ينبغي أن يظهر بصورة أوضح في الأسواق.
ويشير إلى أنه دفع 185 ألف ليرة مقابل تبديل أسطوانة غاز، بينما بقيت أسعار كثير من المواد كما هي، مرجعًا ذلك إلى تفاوت التسعير بين التجار.
بين انتظار الاستقرار وربط السوق بالدولار
يرى حسن عجم، وهو تاجر ألبسة في سوق عجم، أن انخفاض الدولار قد ينعكس إيجابًا على الناس إذا استقر سعر الصرف، لأن كثيرًا من عمليات البيع والشراء ما تزال تحتسب بالدولار، كما أن بعض إيجارات المنازل تحدد أو تدفع على أساسه.
ويعتقد أن أثر الانخفاض قد يحتاج يومين أو ثلاثة حتى يظهر في الأسواق، لكنه يبدي انزعاجه من استمرار ربط معظم السلع بالدولار، معتبرًا أن تقلبات سعر الصرف واختلاف التسعير بين التجار يزيدان من حالة الارتباك لدى المستهلكين.
من جهته، يوضح إسماعيل رجب، وهو عامل في أحد المتاجر، أن انخفاض الدولار لا يؤدي تلقائيًا إلى انخفاض الأسعار، لأن صاحب المحل لا يستطيع البيع بسعر أقل قبل أن يحصل على البضائع من الموردين بأسعار جديدة.
ويضيف أن بعض التجار أوقفوا البيع مؤقتًا بانتظار استقرار سعر الصرف، معتبرًا أن انخفاض الدولار بنحو ألف ليرة لا يكفي دائمًا لإحداث فرق واضح في الأسعار، خاصة مع تأثر السوق بعوامل أخرى، بينها التطورات الإقليمية.
التجار: التأثير يختلف بين القطاعات
يقول صاحب محل مركز السلام للجملة إن أسعار المواد الغذائية ترتبط بسعر الدولار، مؤكدًا أنه بدأ البيع وفق السعر الجديد بعد انخفاض سعر الصرف، ولا يرى مشكلة في تعديل الأسعار عندما يستقر السوق.
أما صاحب محل فوكس للألبسة، فيوضح أن أسعار الملابس ترتبط عمومًا بالدولار، لكن ضعف الحركة التجارية وقلة الطلب يدفعان بعض التجار إلى البيع وفق القدرة الشرائية أكثر من ارتباطهم بسعر الصرف فقط، مشيرًا إلى أن أسعار بعض الألبسة بدأت تنخفض بالفعل.
وفي قطاع مختلف، يؤكد صاحب محل فروج الهدى أن أسعار الفروج لا ترتبط مباشرة بالدولار، باعتباره منتجًا محليًا، وإنما تتأثر أساسًا بتكاليف الإنتاج المحلية.
أما أبو هيثم، وهو بائع خضار في منطقة الترب، فيقول إن الخضراوات المحلية لا تتأثر عادة بتغيرات سعر الدولار، بينما يظهر الأثر بصورة أكبر على الفواكه المستوردة.
ويرى أن استمرار التعامل بالدولار في الأسواق المحلية يزيد من اضطراب الأسعار، مطالبًا بالاعتماد على الليرة السورية في عمليات البيع والشراء.
مواد البناء تنتظر الانخفاض
لم يقتصر الأمر على المواد الغذائية، إذ يقول معاذ سرحان، الذي بدأ شراء مواد لإكساء منزل صديقه استعدادًا للزواج، إنه لم يلاحظ انخفاضًا في أسعار الدهان ومواد الكهرباء، بل إن بعض المواد ارتفع سعرها رغم تراجع الدولار.
ويضيف أن والده يعمل في أحد المتاجر، ولم يلحظ أيضًا تغيرًا ملموسًا في أسعار المواد الغذائية حتى الآن، معتبرًا أن كثيرًا من الأسعار بقيت مستقرة أو مرتفعة.
المحروقات تنخفض.. والأثر محدود
بالتزامن مع انخفاض سعر الصرف، خفضت وزارة الطاقة أسعار البنزين والمازوت والغاز اعتبارًا من 28 حزيران، إلا أن عددًا من السكان قالوا إن هذا التخفيض لم ينعكس حتى الآن على أسعار السلع الأخرى.
كما قال عدد من أصحاب السيارات لعنب بلدي إن محطات الوقود اعتمدت الدفع بالليرة السورية فقط، ورفضت استلام الدولار، معتبرين أن المشكلة بالنسبة لبعضهم لم تكن في سعر الوقود، وإنما في خسارة جزء من قيمة الدولار عند تصريفه.
وبعد عدة أيام على انخفاض سعر الصرف، ما تزال أسواق داريا تشهد تفاوتًا في أسعار السلعة الواحدة بين محل وآخر، بينما يترقب المستهلكون أن ينعكس استقرار الدولار على الأسعار بصورة أوضح خلال الأيام المقبلة، في وقت يؤكد فيه تجار أن ذلك يبقى مرتبطًا بسرعة تعديل أسعار الموردين واستقرار السوق.