أعاد ارتفاع أسعار المحروقات في داريا الضغط على قطاع النقل داخل المدينة، إذ يقول سائقون إن كلفة التشغيل لم تعد تتناسب مع التسعيرة التي يقبل بها الركاب، بينما يرى سكان أن أي زيادة على أجور السرافيس والتكاسي تنعكس مباشرة على دخل محدود لا يكفي أصلًا لتغطية المعيشة.
وتظهر شهادات سائقين وسكان تحدثوا لعنب بلدي أن أثر ارتفاع البنزين والمازوت لا يقف عند أجور النقل، بل يمتد إلى أسعار السلع والخدمات والكهرباء والعمل اليومي، باعتبار المحروقات عنصرًا يدخل في معظم تفاصيل الحياة.
تسعيرة لا تكفي
قاللؤي الكوز، وهو سائق من داريا، قال إن ارتفاع أسعار البنزين والمحروقات أثر على السائقين “كثيرًا”، بسبب تراجع الحركة وضعف العمل.
وأضاف أن الأثر لا يقتصر على السيارات التي تعمل على البنزين أو المازوت، بل يطال “كل شيء”، من السرافيس والتكاسي إلى القطاع الخاص، بحسب تعبيره.
وأوضح أن التعامل مع الركاب بات أصعب، لأن الراكب يحاول المفاصلة على الأجرة، بينما يواجه السائق ارتفاعًا في تكاليف التشغيل.
محمد خير، من سكان داريا، قال إن ارتفاع أسعار المحروقات أثّر على الناس “أكثر مما يتصورون”، خصوصًا على خط داريا، حيث يضطر الركاب أحيانًا إلى الانتظار طويلًا حتى تمتلئ الحافلة قبل انطلاقها.
وأضاف أن الركاب يطلبون من السائقين الانطلاق بعد امتلاء جزء من الحافلة، لكن بعضهم يرفض، لأنه يريد تعبئة الحافلة كاملة قبل التحرك حتى يغطي كلفة الرحلة.
وأوضح أن تعرفة السرفيس الحالية “غير مضبوطة”، وأن مبلغ أربعة آلاف ليرة لا يكفي.
وقال إن السائق كان يعاني سابقًا من عدم كفاية التسعيرة، ثم جاء ارتفاع المازوت ليزيد المشكلة، واصفًا الوضع بأنه “بيبكي”.
سائقون يعملون بخسارة
قال فادي زيدان إن ارتفاع أسعار المحروقات يؤثر على السائقين “كثيرًا”، معتبرًا أن حجم الارتفاع الحالي لا يمكن احتماله.
وأضاف أن المشكلة لا تقتصر على المازوت والبنزين، بل تشمل الغاز والطعام والشراب وباقي احتياجات الحياة اليومية، مشيرًا إلى أن المطلوب هو مراعاة وضع الناس وقدرتهم على الدفع.
وعن انعكاس ارتفاع المازوت على تعرفة الركوب، قال زيدان إن التعرفة لم ترتفع بما يكفي لتغطية الكلفة، وإن العمل بات “خسارة صافية” بالنسبة إلى السائقين.
وأوضح أنه ينفذ يوميًا نحو خمس أو ست رحلات، وتستهلك كل رحلة نحو خمسة أو ستة ليترات من المازوت تقريبًا، ما يجعل ارتفاع السعر مؤثرًا مباشرة على دخل السائق اليومي.
أما محمود اللبان، وهو سائق تكسي من داريا، فقال إن وضع العمل في البلد “سيئ جدًا”، وإن ارتفاع سعر البنزين أثر بشكل كبير على سائقي التكاسي.
وأوضح أن سعر البنزين ارتفع من نحو 12 ألف ليرة إلى أكثر من 14 ألف ليرة لليتر، ما زاد كلفة العمل على السائقين.
وعن طريقة احتساب الأجرة، قال اللبان إن بعض السائقين يحسبونها على أساس المسافة، بنحو خمسة آلاف ليرة للكيلومتر تقريبًا، لكن لا توجد تعرفة محددة وثابتة.
وأضاف أن التعامل مع الزبائن أصبح صعبًا، لأن الراكب نفسه لا يملك قدرة كافية على الدفع، في وقت ارتفعت فيه كلفة التشغيل على السائق.
وأشار اللبان إلى أن تطبيقات النقل والشركات أثرت أيضًا على عمل سائقي التكاسي، إلى جانب ارتفاع البنزين، ما جعل وضعهم أكثر صعوبة.
دخل محدود وزيادات يومية
محمد نشواتي، من سكان داريا، قال إن ارتفاع أسعار المحروقات انعكس على أجور السرافيس، إذ بات الراكب يلاحظ زيادة قدرها 500 أو ألف ليرة في بعض الحالات.
وأضاف أن السائقين كانوا يشترون ليتر المازوت بسعر، ثم أصبحوا يشترونه بسعر أعلى، ما جعل الأثر يمتد إلى السائقين والمحال والناس عمومًا.
وأشار نشواتي إلى أن المشكلة الأكبر تظهر لدى أصحاب الدخل المحدود، متحدثًا عن أشخاص لا يتجاوز دخلهم 800 ألف ليرة سورية شهريًا، وهو مبلغ لا يكفي لتغطية حاجات أساسية مثل الطعام والمواصلات والطبابة.
وقال إن المواطن قد يعود إلى منزله ويشتري “شوية جبنة ولبنة وحواضر”، ثم ينتهي جزء كبير من دخله، متسائلًا كيف يمكنه تحمل الغلاء الحالي.
وطالب نشواتي بإعادة دراسة الأسعار، ومقارنتها بدخل المواطن وقدرته على الدفع، معتبرًا أن الغلاء الحالي غير مدروس بالنسبة إلى كثير من العائلات.
وأضاف أنه موظف وصاحب عائلة، ولا يستطيع تحمل أجور نقل مرتفعة أو تكاليف طبابة ومعيشة متزايدة، معتبرًا أن استمرار الوضع على هذا الشكل سيخلق مشكلات أكبر على الناس.
“المازوت عصب الحياة”
لا ينظر بعض السكان إلى المحروقات كملف نقل فقط، بل كعامل يدخل في مختلف مفاصل السوق والخدمات.
قال عبد اللطيف أبو علاء إن ارتفاع أسعار المحروقات يؤثر على المواطن، لكنه ليس المشكلة الوحيدة، معتبرًا أن “كل شيء” بات يؤثر على معيشة الناس.
وأوضح أن أي خبر أو كلمة في السوق قد تنعكس على الأسعار، وأن المشكلة تمتد إلى الكهرباء والفواتير، لا إلى المحروقات فقط.
وأشار إلى أنه يعيش مع شخص آخر في المنزل، وكان يدفع سابقًا مبالغ صغيرة على الكهرباء، بينما وصلت إليه فاتورة كبيرة لا تتناسب، برأيه، مع الاستهلاك.
وقال عبد اللطيف إن المازوت هو “عصب الحياة”، لأنه يدخل في الكهرباء والمعامل والنقل والخدمات، وبالتالي فإن أي ارتفاع في سعره ينعكس على بقية الأسعار.
وأضاف أن المازوت مادة أساسية تدخل في تفاصيل كثيرة، من الباصات والسرافيس إلى الزراعة والصناعة، معتبرًا أن الغلاء طال البنزين والخبز والمازوت والغاز، وأرهق الأهالي.
بين الأسباب العالمية والداخلية
تباينت آراء السكان والسائقين حول أسباب ارتفاع أسعار المحروقات، بين من يربطها بعوامل عالمية وتوترات إقليمية، ومن يرى أن المشكلة داخلية وتتعلق بالتسعير وإدارة الموارد وقدرة المواطن على الدفع.
محمد نشواتي قال إن هناك عوامل عالمية قد تؤثر، بينها التوترات والحروب، لكنه رأى أن المشكلة داخل سوريا ترتبط أيضًا بقدرة المواطن المحدودة، وأن الأسعار ارتفعت بطريقة لا تراعي هذه القدرة.
أما عبد اللطيف أبو علاء، فتساءل عن مبررات ارتفاع الأسعار، معتبرًا أن الحديث عن العوامل الخارجية، مثل مضيق هرمز، لا يبدو مقنعًا له، خاصة إذا كان النفط يصل من مصادر أخرى، أو إذا لم تشهد دول مجاورة ارتفاعًا مماثلًا.
ورأى أن المشكلة داخلية بالدرجة الأولى، داعيًا إلى مقارنة الأسعار في سوريا مع دول قريبة مثل لبنان والأردن لمعرفة ما إذا كان الارتفاع عالميًا فعلًا أم مرتبطًا بالواقع المحلي.
في المقابل، قال محمود اللبان إن المشكلة قد تكون عالمية جزئيًا، لكنه يرى أن وضع سوريا كان يفترض أن يكون أفضل، وأن تخفيض سعر البنزين كان سيساعد على تنشيط الحركة وتخفيف الضغط على الناس.
معادلة صعبة بين السائق والراكب
تظهر الشهادات أن ارتفاع المحروقات وضع السائقين والركاب في معادلة صعبة، فالسائق يقول إن التعرفة لا تغطي كلفة التشغيل، والراكب يرى أن دخله لم يعد يحتمل زيادات جديدة على أجور النقل.
ولا يقف الأثر عند السرفيس أو التكسي، إذ يرى سكان أن ارتفاع المحروقات ينتقل إلى أسعار الغذاء والغاز والكهرباء والخدمات، بسبب دخول المازوت والبنزين في النقل والتشغيل والإنتاج.