هيام السمرة.. حين كان إكمال تعليم البنات في داريا استثناءً

المعلمة هيام السمرة في مكان إقامتها بألمانيا، حيث تقيم منذ نزوحها من داريا خلال سنوات الحرب - 30 حزيران 2026 (عنب بلدي - أرشيف هيام السمرة)

حين لم يبقَ في الصف السادس سوى ست فتيات، كان الوصول إلى المرحلة الإعدادية يعني مغادرة داريا كل صباح باتجاه دمشق.

لم تكن الرحلة تختبر قدرة الفتيات على التعلم فقط، بل قدرة عائلاتهن على مواجهة مجتمع لم يعتد خروج البنات من المدينة لمتابعة الدراسة.

كانت المدرسة في داريا، في ستينيات القرن الماضي، تنتهي عند الصف السادس، أما مواصلة التعليم فكانت تتطلب التنقل يوميًا إلى العاصمة أو الإقامة فيها.

وبين صعوبة الطريق، وضغط المجتمع، والزواج المبكر، وحاجة بعض الأسر إلى عمل بناتها، لم تكن تتمكن من إكمال دراستها سوى قلة من الفتيات.

كانت هيام السمرة واحدة من تلك القلة. بدأت رحلتها من صف تقلص عدد طالباته عامًا بعد آخر، ثم واصلت تعليمها في دمشق حتى الجامعة، قبل أن تعود إلى داريا معلمة للغة الإنكليزية، وتدرّس أجيالًا من فتيات المدينة التي غادرتها طفلة بحثًا عن مدرسة.

في مقابلة مع عنب بلدي، تستعيد المعلمة المتقاعدة تفاصيل تلك الرحلة، والأدوار التي لعبتها أسرتها في حمايتها من الانقطاع عن التعليم، والتحولات التي شهدتها داريا منذ مرحلة كان بلوغ الفتاة الصف السابع فيها أمرًا استثنائيًا، حتى أصبح دخول بنات المدينة إلى الجامعات ومختلف المهن جزءًا مألوفًا من حياتها.

ست فتيات فقط

لم تكن مدرسة البنات في داريا، خلال طفولة هيام، تضم سوى المرحلة الابتدائية، وكان عدد الطالبات يتناقص مع الانتقال من صف إلى آخر.

تتذكر أن الصفوف الأولى كانت تضم عشرات الطالبات، ووصل عددهن في بعض السنوات إلى نحو 30 طالبة في الفصل الواحد، لكن الأعداد كانت تبدأ بالتراجع منذ الصف الثالث، حين كانت عائلات كثيرة توقف تعليم بناتها.

ومع بلوغ الصف السادس، لم يبق في صفها سوى ست طالبات.

وأدى تراجع الأعداد إلى جمع أكثر من صف داخل غرفة واحدة، فكان الصف الرابع يُدمج مع الخامس، ثم يُجمع الخامس مع السادس.

بعد ذلك، تقدمت هيام لامتحان الشهادة الابتدائية، أي الصف السادس، الذي كان يمثل نهاية التعليم المتاح للفتيات داخل داريا، لعدم وجود مدرسة إعدادية في المدينة.

لم يكن توقف معظم الفتيات مرتبطًا بقدراتهن أو رغبتهن في التعلم، بل بعوامل اجتماعية واقتصادية حكمت حياة كثير من الأسر آنذاك.

فإلى جانب غياب المدرسة الإعدادية، كانت صعوبة المواصلات إلى دمشق وتكاليفها، والزواج المبكر، والحاجة إلى عمل البنات داخل المنزل أو في الأراضي الزراعية، تجعل مواصلة التعليم خيارًا نادرًا.

وكانت بعض العائلات ترى أن الفتاة بعد الصف الثالث أو السادس أصبحت كبيرة بما يكفي للبقاء في المنزل أو الاستعداد للزواج، بينما كانت أخريات يرسلن للعمل مع أسرهن في الأرض أو لتعلم الخياطة.

“كانوا يقولوا خلص.. البنت كبرت، تتزوج وتقعد ببيتها. وفي بنات بطلوهن من المدرسة حتى يشتغلوا مع أهلهم بالأرض”.

كانت والدة هيام، إنعام الديراني، تعمل في الخياطة، وكانت عائلات ترسل بناتها إليها لتعلم المهنة، في حين كانت فتيات أخريات يعملن مع أسرهن في الأراضي الزراعية.

وتستحضر هيام هنا قصة ابنة عمها وصال السمرة، التي كانت من الطالبات المتفوقات، لكنها توقفت عند الصف السادس لأن أسرتها لم تستطع إرسالها إلى دمشق، فاتجهت لاحقًا إلى تعلم الخياطة وأصبحت معروفة بها.

“بنت تنزل عالشام!”

بعد نجاحها في الصف السادس، اصطدمت هيام وشقيقتها سهام بواقع جديد، فلم يكن أمامهما لمتابعة الدراسة سوى التسجيل في مدرسة إعدادية بدمشق.

كانت سهام تكبرها بعام واحد، وبدأت الشقيقتان الرحلة إلى العاصمة برفقة طالبة ثالثة من داريا هي نجاح فارة.

سجلت الفتيات الثلاث في الإعدادية الثامنة بمنطقة القنوات، لقربها من موقف حافلات داريا في دمشق.

لم يكن التحدي مقتصرًا على مغادرة المدينة والوصول إلى المدرسة، بل شمل أيضًا مواجهة نظرة مجتمع لم يعتد رؤية فتيات يغادرن داريا كل صباح للدراسة في العاصمة.

“بهداك الوقت.. بنت تنزل عالشام! أعوذ بالله! شو هالحكي؟ كان هالشي مستغرب كتير، وما كان في غيري أنا وأختي سهام، ومعنا بنت اسمها نجاح فارة”.

منذ الأسبوع الأول، بدأت الضغوط تصل إلى والدهما، عبد المجيد السمرة، الذي كان يعمل سائقًا على خط داريا- دمشق.

كان يقضي يومه بين الركاب، ويسمع تعليقات تنتقد قراره بالسماح لابنتيه بمتابعة الدراسة خارج المدينة، من قبيل: “بناتك بدهن يصيروا طبيبات؟ بناتك بدهن يصيروا مهندسات؟”.

وبقيت تلك العبارات عالقة في ذاكرة هيام بعد عقود من سماعها.

عام من الطين والباصات

سبقت إقامة الشقيقتين في دمشق سنة كاملة من التنقل اليومي بين المدينتين، في ظروف جعلت الوصول إلى المدرسة رحلة شاقة بحد ذاتها.

في الستينيات، لم تكن الطرق معبدة كما أصبحت لاحقًا، وكانت المنطقة الممتدة بين داريا ومطار المزة أراضي مفتوحة.

وخلال الشتاء، كانت السيول القادمة من جهة المعضمية تغمر شوارع المدينة وتحولها إلى مساحات من الوحل، بينما كانت الحافلات تعمل بعدد محدود من الرحلات اليومية.

كانت هيام وشقيقتها تغادران المنزل سيرًا باتجاه منطقة المهايني، حيث تنتظران الحافلة المتجهة إلى دمشق، بعد اجتياز طرق طينية يصعب السير فيها شتاءً.

“كنا نلبس الجزمات لأن الحارة كلها طين، ولما نوصل عند محل عمي نشلحها ونلبس الكندرة حتى نركب الباص على الشام. نمشي بالمطر والبرد والشوب، ونضل ناطرين الباص لأنه ما كان يطلع إلا ثلاث مرات باليوم”.

اقتصرت الرحلات على الصباح والظهر وبعد العصر، من دون وجود رحلة مسائية، ما زاد صعوبة التنقل بين داريا ودمشق.

وتصف هيام تلك السنة بأنها الأصعب في رحلتها التعليمية، قبل أن تنتقل وشقيقتها إلى الإقامة في منزل جدهما بدمشق.

ولم تتمكن جميع الفتيات اللواتي بدأن الرحلة من الاستمرار، فقد تركت رفيقتهما نجاح فارة المدرسة في الصف الثامن بعد خطوبتها.

أما هيام وسهام، فواصلتا تعليمهما حتى الجامعة، وأصبحتا، بحسب شهادة هيام، أول فتاتين من داريا تكملان التعليم الجامعي، قبل أن تعودا لاحقًا إلى التدريس في المدينة التي غادرتاها يومًا بحثًا عن مدرسة.

“بدك بناتك يصيرو مهندسات!”

لم يكن تردد عبد المجيد السمرة نابعًا من رفضه تعليم ابنتيه، بل من الضغط الذي كان يتعرض له يوميًا بحكم عمله على خط داريا- دمشق.

كان يقود الحافلة التي تقل الركاب بين المدينتين، ويسمع بنفسه الانتقادات المتكررة، ثم يعود مساءً مثقلًا بما سمعه، حتى بدأ يفكر جديًا في إيقاف تعليم ابنتيه، رغم اقتناعه بقدرتهما على مواصلة الدراسة.

“كان يرجع لعند أمي يقول: هيك سمعت اليوم.. الناس عم تقول بناتك بدهن يصيروا دكاترة؟ بناتك بدهن يصيروا مهندسات؟ وصار يقول بدي بطلهن من المدرسة”.

لعبت إنعام الديراني دورًا أساسيًا في تهدئة الموقف، وكانت تكرر لزوجها: “بناتك شاطرات.. ما في منهن”، مؤكدة أن مستقبلهما لا ينبغي أن يضيع بسبب كلام الناس.

لكن نقطة التحول جاءت مع تدخل جدهما، الخطاط المعروف بدوي الديراني.

الجد الذي غير مسار الرحلة

قرر بدوي الديراني استضافة حفيدتيه في منزله بحي الميدان في دمشق، حتى تتمكنا من متابعة الدراسة من دون تحمل مشقة السفر اليومي أو الخضوع للضغوط التي كانت تصل إلى والدهما.

وأكد لعبد المجيد السمرة أن تفوق ابنتيه لا يجوز أن يضيع بسبب نظرة المجتمع، وأنه سيتولى رعايتهما حتى تكملا تعليمهما.

“قال لأبي: البنات بيجوا لعندي.. وأنا بحطهن بقلبي، وما بخليهن يتركوا المدرسة”.

وتختصر هيام أثر ذلك القرار بقولها: “لو ما الله يسرلنا وقعدنا عند بيت جدي، يمكن ما كنا كملنا تعليمنا”.

لم يكن دعم بدوي الديراني موقفًا عابرًا، بل امتد إلى تفاصيل حياة حفيدتيه اليومية.

كان يحرص على ألا تشغلهما الأعمال المنزلية عن الدراسة، وفي إحدى المرات، رأى هيام تساعد جدتها في تنظيف المنزل بينما كانت تستعد لامتحان شهادة الصف التاسع، فأخذ المكنسة من يدها، وأكمل تنظيف المكان بنفسه، وقال لها: “روحي ادرسي”.

انتقلت الشقيقتان إلى منزل الجد ابتداءً من الصف السابع، وبقيتا هناك حتى تخرجهما من الجامعة.

واقتصرت زياراتهما إلى داريا على نهاية الأسبوع، فكانتا تصلان مساء الخميس، وتقضيان يوم الجمعة مع العائلة، ثم تعودان إلى دمشق مساء الجمعة أو صباح السبت للحاق بالمدرسة.

أمّن قرار الجد للشقيقتين فرصة مواصلة التعليم، لكنه فرض تضحية كبيرة على والدتهما أيضًا.

فقد وافقت إنعام الديراني على أن تعيش ابنتاها الوحيدتان بعيدًا عنها منذ الصف السابع وحتى التخرج من الجامعة، معتبرة أن استمرار الدراسة يستحق هذا البعد، واستمرت طوال تلك السنوات في مساندتهما ماديًا ومعنويًا.

وحافظت الشقيقتان على تفوقهما حتى الجامعة، ما عزز تمسك الأسرة بقرار استمرار تعليمهما، وأظهر أن الرهان على دراستهما لم يكن في غير مكانه.

خطاط بلاد الشام بدوي الديراني وإلى جانبه شاهدة قبره في دمشق (ويكيبيديا)

من القنوات إلى ثانوية الميدان

تابعت هيام وشقيقتها الدراسة في الإعدادية الثامنة بحي القنوات حتى الصف التاسع، ثم تقدمتا لامتحان شهادة التعليم الإعدادي في مدرسة زكي الأرسوزي بدمشق.

وبعد النجاح، انتقلتا إلى ثانوية الميدان الأولى، التي عُرفت لاحقًا باسم ثانوية بهجت البيطار.

وكانت المدارس التي التحقت بها الشقيقتان قريبة من موقف حافلات داريا في دمشق، ما سهّل نسبيًا وصولهما إليها خلال فترة التنقل بين المدينتين.

وفي هذه المرحلة، بدأ حلم هيام المهني يتشكل منذ أول حصة للغة الإنكليزية حضرتها في الصف السابع.

حلم بدأ من أول حصة إنكليزية

تركت معلمة اللغة الإنكليزية الأولى في المرحلة الإعدادية أثرًا كبيرًا في هيام، وجعلتها تقرر منذ الحصة الأولى أن تصبح معلمة للمادة نفسها.

“من أول حصة إنكليزي قلت لماما ولخالاتي: أنا بدي أطلع مدرسة إنكليزي”، تقول هيام. ومنذ ذلك اليوم، لم تفكر في مهنة أخرى.

اختارت الفرع الأدبي في المرحلة الثانوية، رغم أن معدلها في الثانوية العامة كان يتيح لها، بحسب شهادتها، خيارات جامعية متعددة.

وكانت من بين العشرة الأوائل في شهادة البكالوريا، لكنها اختارت دراسة الأدب الإنكليزي في جامعة دمشق عن رغبة وقناعة شخصية.

وازداد شغفها باللغة في المرحلة الثانوية على يد معلمة اللغة الإنكليزية الفلسطينية صبرية القاسمية، التي بقيت من أكثر الشخصيات تأثيرًا في حياتها.

لم تكن القاسمية خريجة جامعية حينها، بحسب هيام، لكن تمكنها من اللغة وأسلوبها في التدريس تركا أثرًا كبيرًا في طالباتها.

كانت هيام تجلس في المقعد الأول وتتابع الشرح باهتمام، حتى إنها كانت تقلد حركات يدي معلمتها خلال الدرس، وتقول إنها كانت “تحلق معها” من شدة إعجابها بطريقة التدريس.

وخلال سنة البكالوريا، أصيبت صبرية القاسمية بمرض في الظهر واضطرت إلى التغيب مدة، لكنها أصرت على العودة لإكمال تدريس دفعتها حتى نهاية العام.

وخصصت لها مديرة ثانوية الميدان الأولى آنذاك، وفيقة المنجد، صفًا ثابتًا في الطابق الأرضي، حتى لا تضطر إلى صعود الدرج.

وصارت الطالبات ينتقلن إليها في كل حصة بدلًا من أن تنتقل هي بين الصفوف، في خطوة بقيت في ذاكرة هيام بوصفها تعبيرًا عن احترام المدرسة لمعلمتها وحرصها على استمرار تعليم الطالبات.

وكانت صبرية القاسمية ترتبط بعلاقة وثيقة مع خالة هيام، وداد الديراني، التي كانت تعمل أيضًا في التدريس، ما قربها أكثر من البيئة العائلية المحيطة بهيام خلال تلك المرحلة.

“أبي رفض انضمامنا إلى الحزب”

ولدت هيام السمرة عام 1951، ووصلت إلى جامعة دمشق بعد رحلة دراسية بدأت في مدرسة ابتدائية لم تكن تمنح فتياتها طريقًا واضحًا لما بعد الصف السادس.

درست الأدب الإنكليزي، وتخرجت عام 1973 بدرجة “جيد جدًا” ومن الدورة الأولى، من دون أن تحمل أي مادة خلال سنوات الجامعة.

وتُظهر هذه النتيجة استمرارية تفوقها، لكنها كانت بالنسبة إليها أيضًا تحقيقًا للحلم المهني الذي بدأ منذ الصف السابع.

وخلال سنوات الدراسة الجامعية، حاول الأستاذ في كلية التربية جريوس فنونة، الذي كان ناشطًا في حزب البعث، إقناع والدها بالسماح لها ولشقيقتها سهام بالانضمام إلى اتحاد الطلبة، ثم إلى حزب البعث.

وبحسب ما تستذكره، كان فنونة يرى أن الانضمام قد يسهّل بعض الأمور الدراسية ويساعدهما في الحصول على علامات.

لكن عبد المجيد السمرة رفض الفكرة بصورة قاطعة، وكان يقول: “إذا بناتي رح ياخدوا علامات من ورا هالتجمعات، أنا ما بدي ياها”.

والتزمت الشقيقتان بموقف والدهما، ولم تنضما إلى حزب البعث أو اتحاد الطلبة طوال سنوات الدراسة.

أول صف إعدادي داخل داريا

في العام نفسه الذي تخرجت فيه هيام من الجامعة، افتُتح أول صف إعدادي داخل داريا عام 1973، في تحول أساسي في تاريخ تعليم البنات في المدينة.

افتُتح صف سابع واحد داخل المبنى الذي كان يضم المرحلة الابتدائية، وأسند تدريس اللغة الإنكليزية فيه إلى شقيقتها سهام السمرة، التي كانت قد تخرجت من الجامعة قبلها بعام.

وبذلك، أصبحت سهام أول معلمة تدرّس أول صف إعدادي في تاريخ داريا.

كان الصف السابع هو الصف الإعدادي الوحيد في المدينة آنذاك، ثم أضيف الصف الثامن في العام التالي مع انتقال الدفعة الأولى إليه، وبعده الصف التاسع، قبل أن تتوسع المدرسة تدريجيًا لتضم المرحلة الثانوية أيضًا.

غير وجود المدرسة داخل داريا قرارات كثير من الأسر، بعدما زالت واحدة من أبرز العقبات أمام تعليم بناتهن.

فقد كانت العائلات تجد صعوبة في إرسال طفلة أنهت الصف السادس يوميًا إلى دمشق، داخل حافلات يغلب عليها الرجال، وفي مجتمع محافظ لم يكن معتادًا على ذلك، بينما أصبح استمرار الفتاة في الدراسة أكثر قبولًا عندما باتت المدرسة داخل المدينة.

التعليم يصبح أكثر قبولًا

لم يكن افتتاح المدرسة العامل الوحيد في تغير واقع تعليم البنات، لكنه كان خطوة حاسمة.

وساعد تحسن المواصلات، وظهور نماذج لفتيات أكملن تعليمهن، والتحاق أخريات بالجامعة، على تبدل النظرة الاجتماعية تدريجيًا.

كما أسهم افتتاح الاتحاد النسائي في داريا في توسيع مشاركة النساء في الحياة العامة، من خلال دورات الخياطة والتمريض، وشجع مزيدًا من العائلات على تقبل خروج الفتيات للتعلم والعمل.

وفي تلك السنوات، لم يكن هناك إلزام قانوني يمنع الأهالي من إخراج بناتهم من المدرسة، لذلك بقي قرار استمرار تعليم الفتاة أو توقفه بيد الأسرة.

ومن الأسماء التي لحقت بجيل هيام، سميرة كشكة، التي تابعت دراسة التاريخ في جامعة دمشق، ونور الهدى أبو حلمي، التي درست من الصف السابع حتى البكالوريا في المدارس نفسها التي التحقت بها هيام وشقيقتها، لقربها من موقف حافلات داريا في دمشق.

وبعد البكالوريا، اختارت نور الهدى أبو حلمي دار المعلمين، أو ما كان يعرف بـ”الصف الخاص”، بدل الالتحاق بالجامعة.

وتستحضر هيام أيضًا سحر زعاويط، معتبرة أن اتساع دائرة الفتيات اللواتي أكملن تعليمهن ساعد على كسر الصورة التقليدية التي كانت تحصر دور المرأة في المنزل.

ومن خلال الأسماء التي تتذكرها، تلاحظ أن عددًا من الفتيات اللواتي واصلن تعليمهن كن من عائلات دمشقية من جهة الأم، مثلها هي وشقيقتها سهام، ثم سميرة كشكة وسحر زعاويط.

وترى أن الارتباط ببيئة أكثر اعتيادًا على تعليم البنات ساعد بعض الأسر على تقبل الفكرة، من دون أن يكون العامل الوحيد في استمرار التعليم.

إلى جسر الشغور

قبل صدور نتائج التخرج، تقدمت هيام إلى مسابقة وزارة التربية، وقُبلت بصورة شرطية، على أن تستكمل أوراقها بعد إعلان النتائج، وهو ما فعلته فور تخرجها.

وفي عام 1973، عُينت في جسر الشغور بمحافظة إدلب، بوصفها الأولى على دفعتها، بينما وُزع عدد من زميلاتها على محافظات أخرى، مثل الحسكة ودير الزور.

وكان النظام آنذاك يفرض على الخريجين الأوائل الخدمة خارج محافظة دمشق.

أمضت عامًا دراسيًا واحدًا في جسر الشغور، وكانت قد خُطبت خلال تلك الفترة.

وفي عام 1974، تزوجت من الأستاذ أحمد شربجي، وكان يؤدي خدمته العسكرية في اللاذقية، فانتقلت للتدريس هناك، وأمضت عامين في مدارس المدينة بين عامي 1974 و1976.

سبع سنوات في السعودية

بعد قبول زوجها للعمل في المملكة العربية السعودية، أمضت هيام فترة قصيرة في داريا عام 1976.

ولم تجد شاغرًا في ثانوية بنات داريا، فعملت عامًا واحدًا في ثانوية الغوطة الغربية للذكور.

بعد ذلك، تقدمت بطلب استيداع، ثم بطلب إعارة للحاق بزوجها، ووافقت وزارة التربية على إعارتها.

سافرت إلى السعودية عام 1977، وعملت هناك في التدريس سبع سنوات.

ولاحقًا، رفضت وزارة التربية تمديد إعارتها بسبب حاجة المدارس السورية إلى مدرسات للغة الإنكليزية، كما رفضت طلب استقالتها، ما اضطرها إلى العودة إلى سوريا عام 1984.

عودة مؤجلة إلى داريا

بعد عودتها، لم تجد شاغرًا في مدارس داريا، فعملت عامًا في السبينة، قبل أن يتوفر شاغر في ثانوية بنات داريا.

كانت معلمة اللغة الإنكليزية في المدرسة آنذاك ناريمان الخطيب، وكان مفتش المادة قد أخبرها في البداية بعدم وجود شاغر، قبل أن تتمكن لاحقًا من الانتقال إلى المدرسة نفسها.

مثّل انتقالها إلى ثانوية بنات داريا المحطة الأخيرة في حياتها المهنية، إذ بقيت فيها حتى تقاعدها عام 2011، بعد خدمة بلغت 37 عامًا وثمانية أشهر في التدريس.

لم تكن العودة إلى داريا مجرد انتقال إلى مكان عمل جديد، بل عودة إلى مدينة تغيرت كثيرًا منذ غادرتها هيام طفلة.

عندما خرجت منها في ستينيات القرن الماضي، لم تكن تضم سوى مدرسة ابتدائية، وكان الوصول إلى الصف السابع يتطلب الانتقال إلى دمشق.

أما حين عادت إليها معلمة، فكانت المدينة قد شهدت تحولًا تدريجيًا، بعد افتتاح أول صف إعدادي عام 1973، ثم إضافة الصفوف تباعًا، حتى أصبحت المدرسة تضم المرحلتين الإعدادية والثانوية.

وتصف سنوات عملها في ثانوية بنات داريا بأنها من أجمل سنوات حياتها المهنية، لا بسبب طول مدة الخدمة فقط، بل بسبب العلاقة التي بنتها مع طالباتها داخل الصف وخارجه.

“كنت للصغيرة أم، وللكبيرة أخت. كنت أحب أفهم مشاكل البنات قبل ما أعطيهن الدرس”.

كانت تحرص على الاستماع إلى الطالبات قبل بدء الحصة، وتحاول فهم مشكلاتهن والتعامل معهن كأنهن جزء من عائلتها، ما جعل علاقتها بكثيرات منهن تستمر بعد التخرج.

وتحتفظ في ذاكرتها بأسماء طالبات بينهن الطبيبة ملاك بيرقدار، إلى جانب طالبات كثيرات من عائلات العبار والشربجي والخولاني.

وكانت رؤية طالباتها يدخلن الجامعات ويعملن في مختلف المهن امتدادًا للحلم الذي بدأ عندما كانت طفلة تبحث عن مدرسة تتابع فيها تعليمها.

“ليش البنت تدرس؟” لم يعد مطروحًا

لم ينتج اتساع تعليم البنات في داريا عن قرار واحد أو سنة واحدة، بل عن تراكمات امتدت سنوات.

بدأت التحولات بافتتاح أول صف إعدادي، ثم توسع المدارس تدريجيًا، وتحسن المواصلات، وازدياد عدد الأسر التي اقتنعت بأهمية تعليم البنات.

كما لعبت النماذج الأولى من الفتيات اللواتي أكملن تعليمهن وعدن إلى العمل في المدينة دورًا في تغيير نظرة العائلات.

“اليوم لما بشوف بنات داريا بالجامعات وبكل المهن، بنبسط كتير.. المجتمع هو اللي تغير قبل أي شيء، ولو ما تغير المجتمع، ما كانت البنات قدروا يتغيروا”.

وترى هيام أن السؤال الذي لازم جيلها، “ليش البنت تدرس؟”، لم يعد مطروحًا، بعدما أصبح إرسال البنات إلى المدارس والجامعات أمرًا طبيعيًا لدى معظم العائلات.

وبدلًا من مناقشة حق الفتاة في مواصلة التعليم، أصبحت الفتيات يناقشن الاختصاص الجامعي أو المهنة التي يرغبن في العمل بها.

رحلة امتدت إلى بناتها

لم يقتصر أثر قناعة هيام بالتعليم على حياتها المهنية، بل امتد إلى أسرتها أيضًا.

حرصت على متابعة دراسة أبنائها وبناتها، وشجعتهم بالطريقة نفسها التي شجعها بها والداها وجدها.

اختارت ابنتها الكبرى كنانة دراسة معهد هندسي، بينما درست بناتها جمانة وآلاء وولاء وهديل وحنين الأدب الإنكليزي في الجامعة.

وكانت البنات يرددن منذ الصغر: “بدنا نطلع متل ماما”.

وترى هيام في خياراتهن التعليمية امتدادًا طبيعيًا لرحلة بدأت قبل أكثر من نصف قرن، عندما كانت واحدة من ست فتيات فقط بقين في الصف السادس بداريا.

ذاكرة بقيت وصور ضاعت

بعد أكثر من ستة عقود على رحلتها الأولى إلى دمشق، تنظر هيام إلى المشهد من زاوية مختلفة.

فالفتيات اللواتي كان خروجهن من داريا للدراسة يثير الاستغراب أصبحن يدرسن في الجامعات ويعملن في الطب والهندسة والتعليم وسائر المهن، بعد أن تبدلت نظرة المجتمع تدريجيًا إلى تعليم المرأة.

لكن، رغم احتفاظها بتفاصيل رحلتها وأسماء من رافقوها، لم يبق بين يديها ما يوثق معظم تلك المراحل بالصور.

فقد أضاعت سنوات الحرب أرشيفًا كاملًا من الذكريات، ضم صور طفولتها ودراستها في داريا ودمشق، وسنوات الجامعة والعمل في السعودية، وصور أطفالها وأعراس بناتها.

تقيم هيام اليوم في ألمانيا، بعد نزوحها من منزلها في داريا، بينما بقيت الصور في البيت الذي تعرض لاحقًا للاقتحام والتخريب.

ومع تصاعد الأحداث والخشية من دخول المنزل، أخفت العائلة ألبومات الصور وأقراصها داخل المدفأة، ظنًا منها أن ذلك المكان سيكون أكثر أمانًا.

لكن حين تمكن زوج ابنتها من دخول المنزل بعد سنوات، وجده خاليًا من محتوياته، ولم يعثر على الصور.

وعادت ابنتها لاحقًا برفقة زوجها، وكان مكان إخفاء الأرشيف أول ما بحثا عنه، لكنهما لم يجدا سوى بضع صور ممزقة ومشوهة، من دون ملامح يمكن تمييزها.

أما الصورة الوحيدة التي بقيت لها تقريبًا، فهي صورة التقطتها مع بناتها في لبنان، بينما صور طفولتها ودراستها وأسرتها وبيتها في داريا، فلم يبقَ منها شيء.

“سرقوا حياتنا وذكرياتنا كلها.. ابنتي حنين بتقلي: مشتهية شوف صورة إلي وأنا صغيرة، وما عندي ولا صورة فرجيها ياها”.

ضاعت الصور، لكن الذاكرة احتفظت بتفاصيل رحلة بدأت بست فتيات في الصف السادس، وبأب واجه ضغط الناس، وأم قبلت ابتعاد ابنتيها عنها، وجد حمل المكنسة من يد حفيدته وقال لها: “روحي ادرسي”.

غرفة محروقة من منزل أحمد شربجي وهيام السمرة في داريا خلال سنوات الحرب – حزيران 2026 (عنب بلدي)

ما تبقى من منزل أحمد شربجي وهيام السمرة في داريا بعد تعرضه للحرق والتعفيش خلال سنوات الحرب – حزيران 2026 (عنب بلدي)

بقايا حديقة منزل أحمد شربجي وهيام السمرة في داريا بعد تعرضه للتدمير خلال سنوات الحرب – حزيران 2026 (عنب بلدي)

أشجار باقية في حديقةمنزل أحمد شربجي وهيام السمرة في داريا – حزيران 2026 (عنب بلدي)

مقالات ذات صلة

بين «الكُتّاب» وثانوية الغوطة الغربية.. محطات من ذاكرة عبد العزيز الون

علي الشربجي.. من تحقيق الكتب في دمشق إلى البحث الشرعي في الكويت

علي الشربجي.. من داريا إلى دمشق وبدايات مسيرته العلمية والتعليمية