كل دفعة تفتح طابورًا جديدًا.. أزمة البنزين تتجدد في داريا

تعبئة مركبات بالبنزين في أحد كازيات مدينة داريا - 11 آب 2026 (عنب بلدي - نداء كناكرية)

تصل إمدادات البنزين إلى محطة الناموس في مدينة داريا مرة كل يومين أو ثلاثة، لكن من دون موعد محدد خلال يوم الوصول، ما يدفع أعدادًا من أصحاب المركبات إلى التوجه نحو المحطة فور انتشار خبر توفر المادة.

ومع تجمع الطلب خلال ساعات محدودة، وعدم وجود آلية واضحة تمنع بعض المركبات من العودة إلى الطابور والتعبئة أكثر من مرة، يستمر الانتظار حتى عند وصول البنزين، وفق عامل في المحطة وسائقين تحدثوا إلى عنب بلدي.

وتدفع صعوبة الحصول على المادة بعض أصحاب المركبات إلى البحث عنها خارج داريا أو شرائها من السوق الحرة، حيث تراوح سعر الليتر، بحسب إفادات حصلت عليها عنب بلدي، بين 20 و25 ألف ليرة سورية بالعملة القديمة، ووصل في بعض الحالات إلى نحو 30 ألفًا.

ويبلغ السعر الرسمي لليتر بنزين أوكتان 90، منذ قرار وزارة الطاقة في 27 من حزيران، 125 ليرة سورية بالعملة الجديدة، أي ما يعادل 12500 ليرة بالعملة القديمة.

أما بنزين أوكتان 95 فحدد سعره بـ130 ليرة جديدة لليتر، أي ما يعادل 13000 ليرة بالعملة القديمة.

ولا تقتصر اضطرابات توفر البنزين على داريا، فمنذ نهاية حزيران، شهدت محطات في دمشق ومحيطها ازدحامًا، قالت الشركة السورية للبترول إنه تزامن مع ارتفاع مفاجئ في الطلب والشائعات المتعلقة بأسعار المشتقات، بينما وصفت وزارة الطاقة ما حدث حينها بأنه “اختناق مؤقت” في عمليات التزويد، مؤكدة استمرار عمليات التوريد.

وفي 11 من تموز، قدم وزير الطاقة محمد البشير تفسيرًا إضافيًا للأزمة، وقال إن شحنة بنزين استُبعدت لعدم مطابقتها للمواصفات ولم تطرح في السوق، بالتزامن مع خفض بعض المحطات كميات استجرارها قبل تعديل الأسعار، وانتظار مستهلكين التخفيض قبل التعبئة.

وأعلنت الوزارة في اليوم نفسه توجيه نحو 9.8 ملايين ليتر من البنزين إلى محطات في المحافظات ضمن 407 طلبيات.

إمدادات كل يومين أو ثلاثة بلا موعد

قال عمار تبلو، أحد المسؤولين عن تعبئة البنزين في محطة الناموس بداريا، لعنب بلدي، إن الإمدادات تصل إلى المحطة كل يومين أو ثلاثة، لكن من دون توقيت محدد، ولذلك لا يعرف العاملون مسبقًا الساعة التي ستصل فيها الكميات الجديدة.

وبمجرد وصول البنزين، تستقبل المحطة السيارات التي تتوجه إليها، وسط ازدحام يجعل من الصعب التحقق مما إذا كانت بعض المركبات قد عبأت سابقًا ثم عادت إلى الطابور مرة أخرى، وفق تبلو.

وأضاف أن تكرار التعبئة من بعض أصحاب المركبات يزيد الضغط ويطيل انتظار الآخرين، في حين لا يملك العاملون آلية تمنع المركبة من التعبئة أكثر من مرة.

ويتحدث سائق سيارة الأجرة أحمد جمعة عن أثر آخر لعدم انتظام توفر المادة، إذ يدفع الخوف من نفادها أصحاب السيارات إلى التوجه نحو المحطة فور انتشار خبر وصولها.

وقال جمعة لعنب بلدي إن البنزين لا يتوفر بصورة مستقرة في داريا، وإن بعض المركبات تعود إلى الطابور للتعبئة مجددًا، ما يزيد الازدحام ويؤخر بقية المنتظرين.

وسبق أن رصدت عنب بلدي داريا استمرار المشكلة في تموز الماضي، حين لم يؤد تحسن وصول صهاريج البنزين إلى انتهاء الطوابير.

وتحدث سكان وسائقون حينها عن تخزين المادة وإعادة بيعها خارج المحطات، إلى جانب الخوف من عودة النقص، بوصفها عوامل تبقي الطلب مرتفعًا عند وصول الإمدادات.

أزمة أوسع في دمشق ومحيطها

تزامنت أزمة داريا مع ازدحام شهدته محطات الوقود في دمشق ومحيطها خلال الفترة نفسها.

وفي 30 من حزيران الماضي، قالت الشركة السورية للبترول إن الضغط على المحطات في عدد من المحافظات، ولا سيما دمشق ومحيطها، جاء مع ارتفاع الطلب بصورة مفاجئة بعد تداول معلومات عن احتمال انخفاض كبير في أسعار المشتقات النفطية.

وفي اليوم نفسه، قالت وزارة الطاقة إن ما يحدث يمثل اختناقًا مؤقتًا في عمليات التزويد وليس نفادًا للمادة، وإن المخزون وعمليات النقل والتوريد مستمرة.

وبعد أربعة أيام، أعلنت الوزارة إرسال شحنات إضافية من البنزين إلى دمشق وحمص، وقالت إن الوضع يتجه نحو الاستقرار مع استمرار الإمدادات.

لكن الازدحام عاد ليكون محور توضيح رسمي في 11 من تموز، حين قال وزير الطاقة إن عدة عوامل اجتمعت في الفترة السابقة، بينها استبعاد شحنة بنزين غير مطابقة للمواصفات، وتخفيض محطات استجرارها قبل صدور الأسعار الجديدة، وارتفاع الطلب بعد انتظار مستهلكين خفض الأسعار.

البحث عن البنزين خارج داريا

قبل أن يبدأ أحمد جمعة عمله بسيارة الأجرة، يحتاج إلى معرفة المكان الذي يستطيع الحصول منه على البنزين، فالمادة بالنسبة إليه ليست مرتبطة بالتنقل الشخصي فقط، بل باستمرار مصدر دخله.

ويضطر أحيانًا إلى مغادرة داريا بدل قضاء ساعات في انتظار دوره أمام المحطات المحلية. وفي إحدى المرات، توجه إلى الكسوة وتمكن من تعبئة سيارته من دون انتظار مماثل لما يواجهه في المدينة.

ويلجأ أصحاب مركبات آخرون إلى شراء البنزين من السوق الحرة عندما لا يستطيعون الانتظار أو البحث عنه في مناطق أخرى.

وبحسب جمعة، تراوح سعر الليتر في هذه السوق خلال الأزمة بين 20 و25 ألف ليرة سورية بالعملة القديمة، ووصل أحيانًا إلى نحو 30 ألفًا، في حين يبلغ السعر الرسمي 12500 ليرة قديمة لبنزين أوكتان 90.

الانتظار يقتطع من عمل سائقي الأجرة

يحاول عبد الكريم يونس، وهو سائق سيارة أجرة، تأمين نحو 15 ليترًا من البنزين يوميًا لمواصلة عمله، لكنه يجد صعوبة في الحصول على الكمية خلال فترات نقص المادة.

ويرتبط دخل يونس بعدد الرحلات التي يستطيع تنفيذها، ولذلك تعني الساعات التي يقضيها أمام محطة الوقود وقتًا أقل للعمل.

ولا يستطيع، بحسب قوله، تعويض ارتفاع تكلفة الوقود برفع أجرة النقل في كل مرة، لأن الركاب يبحثون بدورهم عن الأجرة الأقل.

وعندما ينتظر أمام المحطة يخسر جزءًا من ساعات عمله، بينما يؤدي شراء البنزين من السوق الحرة إلى رفع تكلفة تشغيل السيارة.

وكانت عنب بلدي رصدت أثر المشكلة في أصحاب الأعمال والسائقين خلال الأزمة التي بدأت في 30 من حزيران.

وبحسب تقرير نشرته في 5 من تموز فإن صعوبة الحصول على البنزين امتدت إلى سيارات الأجرة ومحال الخضروات وأعمال أخرى تعتمد على الحركة اليومية، بعدما أصبحت ساعات الانتظار أمام المحطات جزءًا من يوم العمل.

الوقود جزء من كلفة العمل

لا يقتصر أثر توفر البنزين وأسعاره على سائقي سيارات الأجرة.

يعتمد أبو عمر، صاحب ورشة بلاط، على دراجته النارية للتنقل بين داريا والمعضمية وصحنايا، ونقل العمال إلى مواقع العمل، لعدم امتلاكه وسيلة أخرى تناسب طبيعة عمله.

ويحتاج أحيانًا إلى نحو خمسة ليترات من البنزين يوميًا. وعند شراء الليتر من السوق الحرة بسعر 20 ألف ليرة سورية، تبلغ تكلفة الوقود اليومية نحو 100 ألف ليرة.

وتتراوح يومية أبو عمر، بحسب قوله، بين 100 و200 ألف ليرة، ما يجعل ما يدفعه للبنزين يعادل نصف اليومية أو كاملها، قبل احتساب أجور العمال وبقية مصاريف العمل.

ويعيل أبو عمر أربعة أطفال، ويسكن في منزل مستأجر في المعضمية يدفع لقاءه مليونًا ونصف مليون ليرة سورية شهريًا.

وقال إن إنفاق 100 ألف ليرة يوميًا على البنزين يؤثر في قدرته على تغطية مصاريف أسرته والإيجار، مختصرًا أولوياته بالقول: “ولادي وبيتي أولى”.

ويظهر أثر أسعار المحروقات في تفاصيل العمل والحياة في داريا، إذ تتغير عادات التنقل وطرق إنفاق أصحاب المهن مع ارتفاع أسعار الوقود، خصوصًا لدى من يمثل البنزين أو المازوت جزءًا من كلفة العمل والإنتاج.

تحسن التوريدات لم ينه الطوابير

بدأت أزمة البنزين الأخيرة التي رصدتها عنب بلدي في داريا في 30 من حزيران، وتجلت في صعوبة الحصول على المادة والازدحام وسرعة نفاد الكميات، من دون أن يعني ذلك انقطاع البنزين بصورة كاملة.

وبحلول 9 من تموز، كانت صهاريج البنزين تصل إلى محطات المدينة بوتيرة أفضل، لكن الطوابير بقيت قائمة، مع استمرار التخزين وإعادة البيع والخوف من تجدد النقص، بحسب سكان وسائقين تحدثوا إلى عنب بلدي حينها.

وتظهر الإفادات الحالية من محطة الناموس استمرار جانب من المشكلة المرتبط بآلية الوصول إلى المادة، فالإمدادات تصل كل يومين أو ثلاثة، لكن من دون ساعة محددة مسبقًا، ولا توجد، وفق مسؤول التعبئة في المحطة، آلية واضحة لضبط عودة المركبة إلى الطابور والتعبئة مرة أخرى.

وبالنسبة إلى جمعة ويونس وأبو عمر، لا تقتصر كلفة الحصول على البنزين على سعر الليتر، بل تشمل أيضًا الوقت الذي يقضونه في الانتظار أو البحث عنه خارج داريا، وفارق السعر عندما يضطرون إلى شرائه من السوق الحرة لمواصلة أعمالهم.

مقالات ذات صلة

بلدية داريا تبدأ بإزالة إشغالات لتوسعة شارع الدحاديل.. وخلاف على مهلة الإخلاء

مياه الصرف تغمر أقبية في الشاميات بداريا.. التسليك مؤقت والحل يحتاج إلى حفر

داريا.. تزفيت الكورنيش يحسن الطريق ويثير شكاوى من سرعة الدراجات النارية