تحتفظ أم أحمد الصباغ، التي تجاوزت السبعين من عمرها، بأمثال شعبية كانت تسمعها في مجالس النساء وأحاديث الأهالي في داريا، وتستعيد معها مواقف من الحياة اليومية، حين كانت العبارات القصيرة تستخدم للتعليق على تصرفات الناس، أو تقديم النصيحة، أو التعبير عن الرضا والانتقاد.
وتستعيد أم أحمد الأمثال واحدًا تلو الآخر، فلا تكتفي بترديد كلماتها، بل تشرح معانيها والظروف التي كانت تقال فيها، مستحضرة تفاصيل من العلاقات العائلية والعمل الزراعي والعادات الاجتماعية التي عرفتها المدينة.
بعض هذه الأمثال كان يستخدم لانتقاد البخل والتكبر، وبعضها لوصف العلاقات داخل الأسرة، فيما ارتبطت أمثال وتعابير أخرى بطبيعة الحياة في داريا وأسماء أشخاص وأماكن عرفها سكانها.
وتروي السيدتان لعنب بلدي مجموعة من الأمثال والتعابير التي بقيت في ذاكرتهما، وتشرحان معانيها وسياقات استخدامها، بما يوثق جانبًا من التراث الشفهي والحياة الاجتماعية في المدينة.
من المجالس اليومية إلى الذاكرة
تقول أم أحمد إن الأمثال كانت حاضرة في أحاديث الأهالي ومجالسهم، ولم تكن مجرد عبارات تردد للتسلية، بل وسيلة للتعبير عن المواقف ونقل التجارب والخبرات.
وتوضح أن كثيرًا من الأمثال ارتبط بمواقف من الحياة اليومية، ثم أصبح متداولًا بين الناس، حتى إن المستمع كان يفهم المقصود من المثل بمجرد سماعه، دون الحاجة إلى شرح طويل.
ومن الأمثال التي تتذكرها، مثل كان يقال عندما يعلق شخص آماله على الابن بعد خيبة أمله من الأب، ثم يكتشف أن الابن يسلك النهج نفسه:
«من فرحي بالكمون لأتمرمغ بتبنو، وإن سرني الأب ليسرني ابنو».
وتشرح أم أحمد أن المثل يعبر عن خيبة الأمل عندما تتكرر لدى الابن تصرفات أو صفات كان الشخص يأمل ألا يجدها فيه، بعدما عرفها في الأب.
وتشير إلى أن مثل هذه العبارات كانت تختصر مواقف وتجارب اجتماعية بكلمات قليلة، وتتيح للأهالي التعبير عن آرائهم دون الحاجة إلى سرد تفاصيل الموقف في كل مرة.
البخل والتكبر في الأمثال الشعبية
لم تقتصر الأمثال على تقديم النصيحة، بل استخدمها الأهالي أيضًا لانتقاد سلوكيات اجتماعية، مثل البخل والتكبر ونسيان الظروف السابقة.
وتستعيد أم أحمد مثلًا كان يقال لمن تتحسن أحواله فيتعالى على الآخرين: «كبرت البيتنجانة وتدندلت جراصها، ونسيت قفة الهم يلي كانت فوق راسها».
وتوضح أن المثل يصف شخصًا تغيرت أحواله وأصبح يتكبر على الناس، متناسيًا ما مر به من ظروف صعبة، أو المكانة التي كان يشغلها قبل تحسن وضعه.
أما عند الحديث عن البخل، فتذكر: «يا طالب الدبس من كرم النمس، كفاك الله شر العسل».
وتقول إن الأهالي كانوا يرددون هذا المثل عندما يطلب أحدهم شيئًا من شخص معروف ببخله، في إشارة إلى أن من يبخل بالقليل لا يُنتظر منه أن يقدم الكثير.
وتوضح أم أحمد أن استخدام الأمثال في مثل هذه المواقف كان يتيح للناس انتقاد تصرفات معينة بعبارات مألوفة، يفهمها من يسمعها دون الحاجة إلى توجيه الانتقاد بصورة مباشرة.
المرأة والأسرة في الأمثال الشعبية
حملت بعض الأمثال أحكامًا اجتماعية تتعلق بالعلاقات داخل الأسرة، ولا سيما بين الحماوات والكنائن، وعكست توقعات كانت سائدة بشأن دور المرأة ومسؤولياتها المنزلية.
وتتذكر أم أحمد أن النساء كن يستخدمن عبارة: «غطوتها ورا الباب يا بعدي».
وتوضح أن العبارة كانت تقال لوصف المرأة التي تكثر من الخروج من منزلها، مشيرة إلى أن بعض الحماوات كن يستخدمنها في انتقاد كنائنهن عندما لا يمكثن طويلًا في البيت، أو لا يهتممن بأعماله على النحو المتوقع منهن آنذاك.
وتشير رواية أم أحمد إلى أن هذه العبارات كانت جزءًا من أحاديث النساء، وتستخدم للتعليق على سلوك أفراد الأسرة والعلاقات بينهم.
كما يعكس المثل جانبًا من النظرة الاجتماعية إلى المرأة المتزوجة، وما كان يُنتظر منها من اهتمام بالمنزل والبقاء فيه، وهي توقعات ارتبطت بالظروف والعادات السائدة في تلك المرحلة.
أمثال ارتبطت بأهل داريا
ارتبطت بعض الأمثال التي تتذكرها أم أحمد بطبيعة الحياة الزراعية في داريا، ولا سيما زراعة العنب التي اشتهرت بها المدينة.
ومن هذه الأمثال: «الديراني لحق الدبور على سهل كوكب».
ورغم أن هذا المثل يستخدمه كثيرون للتندر على أهالي داريا ووصفهم بالبخل، إلا أن أم أحمد تربطه بحرصهم الشديد على كروم العنب ومحاصيلهم، إذ يصور صاحب الكرم وهو يلاحق دبورًا حتى سهل كوكب، خشية أن يأكل من ثماره.
وتوضح أن المثل يعكس صورة متداولة عن اهتمام أهل داريا بزراعتهم وحرصهم على محاصيلهم، وإن كان يستخدم أحيانًا للسخرية من شدة هذا الحرص.
وإلى جانب الأمثال المرتبطة بالحياة الزراعية، تستعيد أم أحمد قولًا شعبيًا يصف التحولات التي عاشتها المدينة خلال سنوات الحرب: «كنا نصيد الصيد بواسع الفلا.. صرنا نصيد اليو جوا الخرايب. كنا نأوي الضيف إذا إجا لمحلينا.. اليوم صرنا نقول آه يا مين يآوي الغرايب».
وتقول إن الكلمات تقارن بين حياة الأهالي قبل الحرب، حين كانوا يستقبلون الضيوف ويؤوونهم، وما آلت إليه أحوالهم خلال الحرب، عندما أصبح كثيرون منهم بحاجة إلى من يؤويهم.
ويختلف هذا القول في بنيته عن الأمثال القصيرة التي ترويها أم أحمد، لكنه يعبر، بحسب تفسيرها، عن التغير الذي طرأ على حياة سكان داريا، من الاستقرار واستقبال الضيوف إلى النزوح والحاجة إلى المأوى.
أمثال ودعوات من الحارة القبلية
تحتفظ أم وسيم بدورها بمجموعة من الأمثال والتعابير الشعبية التي تعلمتها بعد زواجها وانتقالها إلى الحارة القبلية في داريا.
وتقول إنها تعرفت إلى كثير من هذه العبارات من خلال أحاديث الأهالي، وظلت تتذكرها مع المواقف التي كانت تستخدم فيها.
ومن الأمثال التي بقيت في ذاكرتها: «بالسخرة متل المهرة، وبشغيلي انقطع حيلي».
وتوضح أن المثل كان يقال للشخص الذي يبذل جهدًا كبيرًا في خدمة الآخرين، لكنه يتعب عندما يتعلق الأمر بأعماله الخاصة أو شؤون منزله.
وتستعيد أم وسيم مثلًا آخر يقول: «شمعة بتأضي على مدينة».
وتقول إن الأهالي كانوا يستخدمونه لوصف الإنسان الذي يتميز بأخلاقه بين أفراد عائلته، ويكون أثره الطيب ظاهرًا لمن حوله.
ولا تقتصر العبارات التي تتذكرها أم وسيم على الأمثال، بل تشمل دعوات وتعابير كانت متداولة بين الأهالي، ومنها «مخمسة ومألمسة»، التي تقول إنها كانت تردد اتقاءً للحسد.
وتذكر أيضًا عبارة: «تنامي بكور حنا».
وتروي أم وسيم أن العبارة ارتبطت بمكان لطحن القمح (كور) كان يملكه رجل يدعى حنا في الحارة القبلية، قبل أن تصبح دعوة متداولة بين أبناء الحي.
وتربط هذه الرواية إحدى العبارات الشعبية باسم شخص ومكان عرفهما سكان الحارة، وتقدم جانبًا من الذاكرة المحلية المرتبطة بأعمال الناس وحياتهم اليومية.
أمثال تحفظ تفاصيل الحياة القديمة
تتنوع الأمثال والتعابير التي تستعيدها أم أحمد وأم وسيم بين ما يرتبط بالزراعة والعمل، وما يتناول العلاقات الأسرية وصفات الأشخاص، إلى جانب عبارات ارتبطت بأماكن وشخصيات محلية.
ولا تقتصر أهمية هذه الأمثال على معانيها، بل تمتد إلى المواقف التي كانت تُستخدم فيها، وما تعكسه من عادات وتصورات اجتماعية سادت بين الأهالي في مراحل مختلفة.
ومن خلال حديث السيدتين، تبقى تفاصيل من حياة داريا القديمة حاضرة في أمثال وعبارات تناقلها السكان، بعضها ارتبط بأعمالهم اليومية، وبعضها الآخر احتفظ بأسماء أشخاص وأماكن من ذاكرة المدينة.