نظمت مؤسسة عنب بلدي مع منظمة الدعم الإعلامي الدولي الدنماركية (IMS)، ورشة تدريبية في “أساليب السرد الصحفي”، استهدفت محررين ومراسلين في غرفة أخبار عنب بلدي، واستمرت ثلاثة أيام، في 17 و18 و19 من أيار، داخل مكتب المؤسسة بمدينة داريا.
وركزت الورشة على تطوير أدوات السرد الصحفي، وتحديد زوايا التناول وأساليب المعالجة، واختيار القوالب المناسبة للتقارير والقصص الصحفية، إلى جانب تطبيقات عملية على نماذج صحفية وتجارب أوروبية في عرض المعلومات وبناء القصة.
وتأتي الورشة ضمن شراكة قائمة بين IMS وعنب بلدي منذ عام 2015، تركز على الدعم والتدريب والتطوير وبناء المهارات الصحفية، خصوصًا مع عودة العمل المباشر داخل سوريا وافتتاح مكتب عنب بلدي منذ مطلع عام 2025.
تحديد الزاوية قبل بناء المادة
غنى جبر، محررة أخبار في عنب بلدي، قالت إن الورشة ساعدت المشاركين على فهم أهمية تحديد زاوية المادة الصحفية بدقة، بدل التعامل مع الموضوع الواحد من زوايا متعددة داخل مادة واحدة.
وأوضحت أن تحديد الزاوية ينعكس على بناء المادة كاملة، من تقسيماتها الداخلية إلى اختيار التصريحات والشخصيات المناسبة لها.
وبحسب جبر، يصبح بإمكان الصحفي، بعد تحديد زاوية المادة، اختيار واحدة من عدة هيكليات أو قوالب سردية، بحيث تناسب كل هيكلية طبيعة موضوع معين، سواء كان اقتصاديًا أو إنسانيًا أو غير ذلك.
ورأت أن تحديد الزاوية كان من أكثر النقاط الإشكالية في العمل اليومي، لأن بعض الموضوعات تكون عامة أو تحتمل أكثر من زاوية، وكان يجري أحيانًا دمج أكثر من زاوية في مادة واحدة.
وأضافت أن ما تعلمته من الورشة هو أن الموضوع الواحد قد ينتج أكثر من مادة، تعالج كل واحدة زاوية محددة، مع اختيار الشخصيات والمصادر المناسبة لكل زاوية.
أساليب سردية أقرب إلى القارئ
قال أمير حقوق، محرر أخبار في عنب بلدي، إن البيئة الصحفية في سوريا تفتقد إلى أساليب السرد القصصي الصحفي الحديثة، إذ ما تزال مواد كثيرة تعتمد على طرق سرد تقليدية مستخدمة منذ سنوات.
وأضاف أن الورشة عرّفت المشاركين إلى أساليب سرد جديدة تساعد على جذب القارئ والمتابع، خصوصًا في ظل تراجع اهتمام جزء من الجمهور بالمواد المكتوبة الطويلة، وتزايد الميل إلى القصص المصورة أو الأشكال البصرية.
وبرأي حقوق، يحتاج الصحفي اليوم إلى التفكير في كيفية شد القارئ إلى مادته، لا الاكتفاء بعرض الفكرة العامة أو معالجة الموضوع بصورة واسعة.
وأشار إلى أن الورشة أبرزت أهمية التركيز على زاوية محددة من الموضوع الأساسي، بما يساعد على إيصال الفكرة بوضوح أكبر، ويمنع تشتت القارئ داخل المادة.
نماذج من تجارب أوروبية
وصف وسيم العدوي، محرر أخبار في عنب بلدي، الورشة بأنها “متميزة جدًا”، مشيرًا إلى أن التطبيقات العملية كانت من أبرز عناصرها، خصوصًا من خلال عرض نماذج من التجارب الأوروبية في التعامل مع التقرير الصحفي.
وقال العدوي إن الورشة تضمنت عرض تحقيق استقصائي دنماركي عن غرينلاند، كان لافتًا من حيث طريقة بناء القصة، وترتيب المعلومات، وتقديم المادة للقارئ.
وأضاف أن أكثر ما استفاد منه هو التعرف إلى أساليب السرد الصحفي، معتبرًا أن وسائل الإعلام في سوريا تفتقر إلى مثل هذه الأدوات، رغم وجود تجارب مهمة في الصحافة الأوروبية والغربية يمكن الاستفادة منها.
وأشار العدوي إلى أن الجزء العملي من التدريب كان مهمًا أيضًا، إذ عملت فرق داخل الجريدة على نماذج تطبيقية للقوالب الخبرية والتقريرية التي تناولتها الورشة، بما سمح بتحويل الأفكار النظرية إلى تمارين مرتبطة بعمل المؤسسة اليومي.
شراكة قديمة وتبادل خبرات
قالت ليلاس حتاحت، المدربة من منظمة IMS، إن المنظمة شريك قديم لمؤسسة عنب بلدي منذ بدايات عملها، وإن هناك متابعة مستمرة للتدريب والتطوير وبناء المهارات، خصوصًا لدى الشباب العاملين في المؤسسة.
وأضافت أن القدرة على دخول سوريا وافتتاح مكتب عنب بلدي في دمشق ثم في مدينة داريا أتاحا فرصة للقاء الصحفيين الموجودين داخل البلاد والعمل معهم بشكل مباشر.
وترى حتاحت أن الصحفيين داخل سوريا يمتلكون ميزة مهمة، تتمثل في معرفتهم بجمهورهم وتفاصيل بيئتهم، إلى جانب قدرتهم على الوصول إلى المصادر والوثائق والحصول على معلومات قد يصعب على الصحفيين في الخارج الوصول إليها.
لكنها أشارت في المقابل إلى أن حالة العزلة التي كانت مفروضة على الصحفيين في الداخل، إضافة إلى مشكلات الإنترنت، قد تكون أثرت في امتلاك بعض الأدوات والمهارات المرتبطة بالكتابة الصحفية، والقوالب، والأشكال، وتحديد الزوايا.
وبحسب حتاحت، فإن هذه الأدوات، إذا امتلكها الصحفيون، يمكن أن ترفع مستوى العمل الصحفي في الداخل، خاصة أن المحتوى الموجود لديهم مهم.
وأضافت أن الورشة كانت فرصة للجمع بين المهارات التي اكتسبها إعلاميون من خلال السفر والتدريب الخارجي، وبين المحتوى والإمكانات التي يمتلكها الصحفيون في الداخل.
واعتبرت أن تبادل الخبرات بين الطرفين، في ظل الشراكة القائمة مع عنب بلدي، كان من أسباب نجاح الورشة.
من التدريب إلى غرفة التحرير
لم تقتصر ورشة “أساليب السرد الصحفي” على تقديم مفاهيم نظرية، بل ركزت على تطبيقها داخل غرفة التحرير، من خلال نقاش مواد قائمة، وتجريب قوالب مختلفة، وإعادة التفكير في طريقة اختيار الزاوية وبناء القصة.
وبحسب المشاركين، كان تحديد الزاوية، واختيار الهيكلية المناسبة، وتقديم المعلومات بطريقة تشد القارئ، من أبرز النقاط التي خرج بها المحررون والمراسلون من التدريب.
وتفتح الورشة مسارًا لتطوير شكل المواد الصحفية داخل عنب بلدي، من خلال إدخال أدوات سرد أكثر تنوعًا، تساعد على التعامل مع الموضوعات الاقتصادية والإنسانية والاستقصائية بطريقة أوضح وأكثر قربًا من الجمهور.
منظمة الدعم الإعلامي الدولي (International Media Support – IMS) مؤسسة غير ربحية مقرها الدنمارك، تعمل على تعزيز قدرات وسائل الإعلام للحد من النزاعات وتقوية الديمقراطية وتسهيل الحوار، كما تدعم المنظمة الصحافة المهنية، وتعمل على سلامة الصحفيين، ومساندة الإعلام المستقل.