تتدفق المياه من خزانات علوية على أسطح أبنية سكنية في مدينة داريا، فيما تعاني أحياء أخرى من ضعف الضخ وصعوبة تعبئة الخزانات، في مشهد يعكس تفاوتًا واضحًا في توزيع المياه داخل المدينة، وسط شكاوى متزايدة من السكان بشأن تأثير المضخات المنزلية والهدر على حصص الجيران.
ورصدت عدسة عنب بلدي، خلال الأسبوع الحالي، تدفق المياه من فوهات خزانات ممتلئة على أسطح بعض الأبنية، مع استمرار تشغيل المضخات، ما يؤدي إلى فيضان المياه وانسيابها عبر الأسطح والجدران قبل أن تتجمع في الشوارع أو تتسرب إلى الطوابق السفلية.
وفي أحد الأحياء المطلة على شارع تجاري، تنحدر المياه عبر الجدران إلى “المنور”، ثم إلى محال في الطابق الأرضي، وفق ما وثقته الكاميرا.
أضرار يتحملها أصحاب المحال
يقول سامي العزب، صاحب محل ألمنيوم ومطابخ وخشب، إن المشكلة تتكرر مع كل دورة ضخ تقريبًا، مضيفًا أن “الخزانات عندما تفيض لا توجد عوامات عليها، وعند التعبئة تفيض المياه وتنزل إلى محلي. الجيران يشغلون الموتورات ويملؤون خزاناتهم ولا يسألون عن بقية الجيران”.
ويشير إلى أن المياه تصل إلى مكتبه داخل المحل، ما اضطره إلى إنشاء مجرى تصريف (سيالة) على نفقته الخاصة لتخفيف الأضرار، بعد محاولات متكررة للتفاهم مع الجيران.
ويضيف أن بعض الخزانات متضررة أو تفتقر إلى عوامات إيقاف تلقائي، قائلًا: “لدي خزان مثلهم، أعبئ حاجتي وأغلق الموتور، أما البقية فيتركونه يعمل، والمياه تتسرب من كل مكان”.
في منطقة السكة.. أزمة معاكسة
على الطرف الآخر من المدينة، تبدو الصورة مختلفة.
تقول أم محمد بكري باشا، المقيمة قرب السكة في منطقة الجمعيات، إن المياه لا تصل إلى منزلها بشكل منتظم، وإن وصلت فإن ضغطها ضعيف إلى حد لا يسمح بتعبئة الخزان.
وتوضح: “نضطر إلى شراء صهريج، وأصحاب الصهاريج يتحكمون بنا، إذ تبلغ كلفة كل 10 براميل بين 70 و80 ألف ليرة”.
وتضيف أنها تملأ أوعية مباشرة من الصنبور الرئيسي عند توفر المياه، أو تنتظر جيرانًا يمتلكون غطاسًا لمساعدتها في تعبئة الخزان، مشيرة إلى أن دور الضخ في حيهم يمر أحيانًا دون أن تصل المياه إلى المنازل.
كثافة سكانية وضغط متزايد
ويرى محمد، أحد سكان داريا، أن جزءًا من المشكلة يعود إلى ارتفاع الكثافة السكانية بعد عودة الأهالي.
ويقول إن البناية التي كانت تضم شقتين مسكونتين فقط، أصبحت اليوم تضم نحو 12 شقة، ما زاد الضغط على الشبكة.
ويشير إلى تفاوت موسمي في الضخ، موضحًا أن الوضع يتحسن نسبيًا في الشتاء، بينما يضعف صيفًا مع ارتفاع الاستهلاك، لافتًا إلى أن الهدر الحالي يزيد الأزمة تعقيدًا، قائلًا: “اليوم نرى الخزانات تفيض ولا يتم إطفاء الموتورات”.
ويطالب محمد بمتابعة رسمية لضبط حالات الهدر، معتبرًا أن من يتسبب بتسرب المياه يجب أن يحاسب.


هدر مياه من أحد الأبنية في داريا نتيجة تسرب من خزان علوي – 12 شباط 2026 (عنب بلدي)
تنظيم الاستخدام وإجراءات معلنة
وبحسب معلومات غير رسمية حصلت عليها عنب بلدي من عاملين في وحدة مياه داريا، يُسمح باستخدام المضخات المنزلية قانونًا، بشرط عدم استخدام ما يعرف محليًا بـ“الموتور الحرامي”، الذي يسحب المياه مباشرة من الشبكة ويؤثر على حصة الجيران.
وأوضحت المعلومات أن هدر المياه أو تسربها يترتب عليه تنظيم ضبط عدلي في حال رصد الحالة، مع تنفيذ جولات لرصد التسربات سواء الناتجة عن الأهالي أو عن أعطال في الشبكة.
وبينت أن ضغط المياه ينخفض صيفًا بسبب قلة الموارد وزيادة الاستهلاك، بينما يتحسن في الشتاء ويصل إلى الطابق الرابع دون الحاجة إلى مضخة.
كما أشارت المعلومات إلى تسجيل حالات تسرب في مناطق مثل العباس وساحة شريدي، مع توجيه إنذارات للأهالي المعنيين، مؤكدة أن عدد الشكاوى المتعلقة بالهدر ما يزال محدودًا.
وبحسب المعلومات فإن هناك مشاريع قيد التحضير لتقوية الضغط خلال الصيف، بالتعاون مع مجلس البلدية والإدارة المدنية، تشمل تجهيز خزانات مرتفعة وحفر آبار جديدة، بدأ تنفيذ بعضها في محطة العزب ومحطة داريا الحديثة.
وفيما يتعلق بالمناطق التي تعاني انقطاعًا، علمت عنب بلدي أن هناك أحياء لا تتوفر فيها شبكة مياه أصلًا، وأخرى قُطع عنها الضخ مؤقتًا بسبب تلوث المياه واختلاطها بالصرف الصحي، مع توصية من وحدة المياه بعدم استخدام المياه في مناطق السكة والمراح وجامع الفارس إلى حين استكمال الإصلاحات.
حاولت عنب بلدي الحصول على توضيحات رسمية من إدارة وحدة المياه حول أسباب التفاوت في الضخ وآليات المعالجة وخطط الطوارئ، إلا أن إدارة الوحدة تحفظت على تقديم أي معلومات وأحالت المراسل إلى المكتب الإعلامي في الوزارة المعنية، ما يحد من وضوح الصورة أمام السكان بشأن إدارة ملف المياه في المدينة.
واقع يحتاج إدارة أوضح
بين خزانات تفيض في بعض الأحياء، وأسر تنتظر وصول المياه لتعبئة سطل في أحياء أخرى، يبرز تحدي إدارة الشبكة وتنظيم الاستخدام بوصفه عنصرًا أساسيًا لضمان توزيع عادل لهذا المورد الحيوي.
ومع ارتفاع كلفة الصهاريج، وتزايد عدد السكان، وتفاوت الضغط بين المناطق، تبقى الحاجة ملحة لضبط الهدر، وتحسين البنية التحتية، وضمان وصول المياه إلى جميع سكان داريا بشكل متوازن ومنظم.
