مع اقتراب رمضان.. الدجاج وجبة محسوبة في داريا

بسطة فروج داخل أحد محلات الدجاج في داريا - 6 شباط 2026 (عنب بلدي - نداء كناكرية)

جلست مريم، وهي أرملة في الخمسين من عمرها، قرب أحد محال بيع الدجاج في مدينة داريا، تحمل كيسًا صغيرًا يحتوي على قطع قليلة من الدجاج. تقول إنها لم تشترِ اللحم منذ أشهر، لعدم قدرتها على تأمينه لشقيقتها المريضة غير القادرة على الحركة، والتي تعيش دون معيل.

وتوضح مريم، في حديثها إلى عنب بلدي، أنها اشترت الدجاج لإعداد وجبة من الأرز والدجاج بعد حصولها على مبلغ محدود من معاش تتقاضاه من إحدى الجمعيات، مؤكدة أن مصدر معيشتها يقتصر على مساعدات متفرقة من الجمعيات وأهل الخير وبعض الأقارب.

تعكس حالة مريم جانبًا من واقع تفاوت أسعار اللحم والدجاج في أسواق داريا، وتأثير ذلك بشكل مباشر على الخيارات الغذائية للأهالي، في ظل غياب تسعيرة رسمية واضحة وضعف الدور الرقابي، بحسب ما أفاد به مستهلكون وباعة استطلعت عنب بلدي آراءهم في المدينة.

مستهلكون تحت ضغط الأسعار

يقف ملهم، عامل عتالة، يوميًا في الساحة بانتظار من يطلبه للعمل. يقول لعنب بلدي إن دخله اليومي يعادل ثمن 2 كيلو من الدجاج، لكنه يكتفي بالشراء مرة واحدة في الأسبوع، ليحفظ ما يتبقى لديه للخبز أو المازوت.

ويلجأ ملهم إلى البيض كبديل غذائي، مشيرًا إلى أن البندورة، التي كانت تُعد من غذاء الفقراء، أصبحت مرتفعة السعر، موضحًا أن الغلاء أثر مباشرة على نظامه الغذائي، ما يضطره أحيانًا للاستغناء عن اللحم أو الدجاج.

ويعرب ملهم عن تخوفه من شهر رمضان، الذي تقل فيه ساعات العمل ويتراجع فيه دخله، مقابل توقعات بارتفاع جديد في الأسعار. ورغم تأكيده أن الرقابة على الأسعار شبه غائبة في المدينة، وأن كل بائع يحدد السعر وفق تقديره، يرى أن سعر الدجاج في داريا ما يزال “مقبولًا” مقارنة بجودته.

رجل آخر، يعيل عائلة من أربعة أشخاص، التقته عنب بلدي في محل لبيع الدجاج قرب ساحة العلم (مفرق التربة)، تساءل عن سبب تفاوت السعر بين محل وآخر بفارق يقارب ألفي ليرة، لكنه أتم عملية الشراء رغم استغرابه.

وأوضح أن الباعة يبررون تفاوت الأسعار بتكاليف الكهرباء والأمبيرات وأسعار المسالخ ونوعية الدجاج، مشيرًا إلى أن سعر الدجاج البلدي يتراوح بين 43 و45 ألف ليرة، بحسب ما إذا كان البيع بالجملة أو المفرق.

وأضاف أن استهلاك عائلته يبلغ نحو كيلوغرام ونصف من الدجاج أسبوعيًا، في حين لا يتجاوز استهلاك اللحمة كيلوغرامًا واحدًا شهريًا، ومع ارتفاع الأسعار يلجأ إلى بدائل غذائية كالخضار والسبانخ، رغم ارتفاع أسعارها أيضًا.

الدخل يحدد الطعام

يشتري حمزة، وهو عامل في الثلاثينات من عمره، الدجاج مرة واحدة أسبوعيًا لعائلته المؤلفة من أربعة أشخاص، بينما تكاد اللحمة تكون غائبة عن نظامه الغذائي. ويقول إن دخله هو العامل الأساسي في تحديد المواد التي يشتريها، ما يدفعه للاعتماد على الأرخص ثمنًا.

ويشير إلى أن الباعة يبررون تفاوت الأسعار باختلاف التجار الذين يشترون منهم، لافتًا إلى أنه يلجأ أحيانًا إلى البطاطا والبندورة كبدائل غذائية، مؤكدًا أن دخله لا يتناسب مع الأسعار، وأن الجودة لا توازي السعر المدفوع، مع تخوفه من ارتفاع جديد في شهر رمضان.

بدوره، يقول بديع، أب لطفلين، في الأربعينات من عمره ويعمل في محل ألبسة، إن الأسعار ارتفعت مقارنة بالفترات السابقة، لكنها كانت أعلى بكثير في العام الماضي. ويوضح أن شراء “كيلو صفيحة” من الدجاج يكلفه نحو 100 ألف ليرة، بينما كان سيكلفه نحو 500 ألف ليرة لو كان لحمًا، ما دفعه للاكتفاء بالدجاج فقط.

وأشار إلى أنه قد يضطر إلى الاستغناء عن الدجاج أيضًا إذا ارتفع سعره أكثر، في ظل محدودية الدخل وارتفاع مصاريف التدفئة والمدارس.

أما عبد الرزاق، وهو عامل كبير في السن، فيقول إنه نادرًا ما يشتري اللحم بسبب ارتفاع أسعاره مقارنة بدخله، وإن غيابه يؤثر على النظام الغذائي لعائلته المؤلفة من ثمانية أشخاص، معربًا عن تخوفه من تدهور الوضع أكثر خلال شهر رمضان.

باعة الدجاج: السوق هو من يحدد

في المقابل، قدّم باعة الدجاج تفسيراتهم لتفاوت الأسعار. وقال عبادة، صاحب محل في مركز المدينة، إن اختلاف السعر يعود إلى نوعية الدجاج ومصدره، بين دجاج حموي وآخر تركي، موضحًا أن “السوق” هو من يحدد السعر، ولا علاقة مباشرة لسعر الدولار بالتسعيرة.

وأشار إلى أن ارتفاع أسعار الأعلاف يرفع بدوره سعر الفروج الحي لدى المزارعين، إضافة إلى تكاليف النقل والتدفئة، مع غياب تسعيرة رسمية، ما يؤدي إلى تغير الأسعار بشكل شبه يومي.

وأوضح أن الطلب تراجع بشكل كبير، إذ انخفضت مبيعاته من نحو طن يوميًا سابقًا إلى قرابة 200 كيلوغرام حاليًا، بهامش ربح لا يتجاوز ألف ليرة في الكيلوغرام.

بدوره، قال معاذ، صاحب محل دجاج في داريا، إن عدد الزبائن انخفض بنحو 50%، وإن الربح “شبه معدوم” بسبب تكاليف الأمبير وأجور العمال، وقد يضطر أحيانًا للبيع بسعر التكلفة.

وقال قتادة، صاحب محل مستأجر، إن ارتفاع الأسعار يعود إلى زيادة التكلفة على المزارعين وارتفاع الطلب، موضحًا أن سعر كيلو شرحات الدجاج ارتفع خلال أسبوع من 42 ألفًا إلى 50 ألف ليرة. وأكد أن الأعلاف غير مدعومة من الدولة، وأن هامش الربح لا يتجاوز 1 إلى 2%، وهي نسبة لا تغطي أجور المحال وفواتير الأمبير.

من جهته، قال صاحب محل آخر يُدعى أحمد، إن الفارق في الأسعار يعود لاختلاف النوع، وقد يصل إلى خمسة آلاف ليرة في بعض الحالات، بينما لا يتجاوز الفارق في الدجاج البلدي ألفًا إلى ألفي ليرة. موضحًا أن الإقبال على محله لم يتغير، وأن السعر يرتفع يومي الخميس والجمعة بسبب زيادة الطلب.

 

سوق اللحم.. غلاء بلا تسعير

في سوق اللحم، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. قال إياد، صاحب ملحمة بخبرة طويلة، إن كل بائع يحدد السعر وفق تقديره، وإن المسالخ هي من ترفع الأسعار المرتبطة بسعر الدولار. وأوضح أنه كان يشتري كيلو الخاروف الواقف بـ55 ألف ليرة قبل شهر، بينما وصل اليوم إلى 64 ألف ليرة، مع تراجع حركة البيع.

بدوره، قال أبو سيف، وهو أيضًا صاحب ملحمة، إن “الضمير” هو العامل الأساسي في تفاوت الأسعار، مشيرًا إلى أنه يبيع بسعر أقل من غيره، وأن الطلب انخفض بشكل واضح، إذ كان يبيع خاروفًا يوميًا، بينما يحتاج اليوم إلى يومين لبيع الخاروف.

أما وليد، صاحب ملحمة آخر، فقال إنه يشتري اللحم مقطعًا ومختومًا من مسلخ الزبلطاني، موضحًا أن سعر الكيلو ارتفع من 170 ألف ليرة قبل شهر إلى 220 ألف ليرة حاليًا، مع انخفاض الطلب بنسبة 50%، في ظل غياب تسعيرة رسمية ووجود اتفاقات غير معلنة بين بعض اللحامين.

أسعار معلنة متقاربة

ورغم شكاوى الأهالي من تفاوت أسعار الدجاج بين محل وآخر، أظهرت مقارنة أجرتها عنب بلدي لأسعار الدجاج في ثلاثة محال مختلفة بمدينة داريا، بتاريخ 8 شباط، تقاربًا نسبيًا في التسعير المعلن، مع فروقات محدودة تراوحت في معظم الأصناف بين ألف وألفي ليرة سورية.

وشملت المقارنة أسعار شرحات الدجاج، وفخذ الوردة، والجوانح، والفخذ (الدبوس)، والكستا، وسودة الدجاج، حيث بدت الأسعار متقاربة عمومًا، ولا سيما في الأصناف الأكثر طلبًا. ويشير ذلك إلى أن التفاوت الذي يلاحظه المستهلكون غالبًا ما يرتبط بنوعية الدجاج ومصدره، أو بطريقة البيع (مفرق أو جملة)، أكثر من كونه فروقات حادة أو عشوائية بين المحال، في ظل غياب تسعيرة رسمية ملزمة.

وبحسب المقارنة، تراوح سعر كيلو شرحات الدجاج بين 48 و50 ألف ليرة، فيما بلغ سعر فخذ الوردة بين 30 و32 ألف ليرة، وسجلت الكستا سعرًا موحدًا بلغ 35 ألف ليرة في المحال الثلاثة. كما تراوح سعر سودة الدجاج بين 35 و38 ألف ليرة، مع فروقات طفيفة في بعض الأصناف الأخرى.

مقارنة أسعار ثلاثة محلات في داريا بتاريخ 8 شباط 2026

المادة المحل الأول المحل الثاني المحل الثالث
شرحات الدجاج 50.000 48.000 49.000
فخذ وردة 32.000 30.000 30.000
جوانح الدجاج 20.000   20.000
فخذ دبوس   26.000 25.000
كستا 35.000 35.000 35.000
سودة دجاج 38.000 35.000 35.000

لوائح تسعير لمادة الدجاج في ثلاثة محلات بداريا – 8 شباط 2026 (عنب بلدي – نداء كناكرية)

البلدية: وعود بتفعيل الرقابة

وعند سؤال عنب بلدي رئيس بلدية داريا، رائد عبيد، عن الدور الرقابي للأسعار، قال إن مكاتب كانت موجودة سابقًا لكنها غير مفعّلة، مؤكدًا أنه سيتم خلال أسبوع تفعيل المكاتب التنفيذية مع توزيع الاختصاصات، كقطاع التموين والصحة والنقل، وتشكيل لجان مختصة لكل قطاع.

وأوضح عبيد أنه بعد تشكيل المكتب، وخلال نحو شهر، سيكون هناك تواصل مع الأهالي بالتنسيق مع الأوقاف، عبر الجوامع عقب الصلوات، لسماع شكاوى الناس بشكل مباشر. وأضاف أن الأشخاص المتفاعلين سيتم انتقاء الأكفاء منهم لتشكيل لجان أحياء، وبالتعاون معها يمكن الوصول إلى حلول.

واعتبر رئيس البلدية أن الموضوع “يحتاج إلى تعاون وتكاتف”، مشددًا على أن “يدًا واحدة لا تصفق”، وأن غياب التشاركية سيؤدي إلى فشل أي عمل.

واقع واحد وأسئلة مفتوحة

بين كيس مريم الذي احتوى على قطع قليلة من الدجاج، وشكاوى المستهلكين من تفاوت الأسعار، وتبريرات الباعة المرتبطة بالتكلفة وسعر السوق، يظهر واقع واحد في أسواق داريا يتمثل بغياب تسعيرة رسمية واضحة وضعف الدور الرقابي. ومع اقتراب شهر رمضان، يبقى المستهلك أمام خيارات غذائية محدودة، تتحدد وفق الدخل والقدرة على الشراء، في ظل تفاوت مستمر في أسعار اللحم والدجاج بين المحال، وقلق متزايد من ارتفاع جديد لا يملك كثيرون هامش تحمّله.

 

مقالات ذات صلة

بعد أشهر من حذف الصفرين.. الناس في داريا يسعرون بالليرة القديمة ويدفعون بالجديدة

المكدوس أغلى هذا الموسم.. أسر في داريا تقلل الكميات وتستبدل بعض المكونات

أجرة واحدة لمسافات مختلفة.. ركاب في داريا يطالبون بتجزئة التعرفة