«هوية مكان».. نقاش مجتمعي حول ملامح داريا العمرانية بعد الحرب

أقيمت في المركز الثقافي بمدينة داريا، فعالية حوارية مجتمعية بعنوان «هوية مكان»، الأحد، 8 شباط، بمشاركة نحو 50 شخصًا من أهالي المدينة، بينهم مهندسون وطلاب جامعات، إلى جانب أعضاء من المجلس البلدي، وذلك بهدف مناقشة ملامح الهوية العمرانية المستقبلية لداريا في مرحلة ما بعد الدمار.

وعقدت الفعالية بين الساعة الرابعة والخامسة مساءً، برعاية محافظة ريف دمشق، وبالتعاون مع إدارة المنطقة والمركز الثقافي، وبدعوة من مؤسسة بنى التنموية، ضمن جلسة تعريفية وتشاورية مفتوحة أمام جميع الأهالي، ركزت على استعادة الذاكرة العمرانية للمدينة، وربط التخطيط المستقبلي بالسياق الاجتماعي والمكاني.

الأهالي يستحضرون الذاكرة الغائبة

قالت عتاب دقو، من سكان داريا، إن مشاركتها في الفعالية أتاحت لها الاطلاع على وجهات نظر أصحاب الاختصاص، ولا سيما المهندسين، معتبرة أن النقاش “أعاد إحياء الذاكرة العمرانية للمدينة، وذكّر بأماكن ومعالم غابت عن الذاكرة بفعل الحرب والدمار”.

من جهتها، أوضحت كندة سعدية، معلمة في مدرسة ابتدائية، أن الفعالية أعادت استحضار تفاصيل عمرانية لم تناقش منذ أكثر من 15 عامًا، مشيرة إلى أن الحوار فتح المجال لتصور أولي لشكل داريا في المستقبل، معربة عن أملها بأن يكون للمدينة “طابع عمراني خاص ومميز، لا يشبه المدن الأخرى”.

التخطيط يبدأ من المجتمع

وأوضح عمار السليم، مؤسس مؤسسة بنى التنموية، لعنب بلدي أن الهدف من الفعالية يتمثل في “رسم مؤشرات تصميم عمراني لمدينة داريا من خلال مشاركة المجتمع المحلي”، مؤكدًا أن المؤسسة تعمل على بناء ما وصفه بـ“قاعدة اجتماعية معمارية” يمكن تقديمها لاحقًا إلى الجهات المعنية وصنّاع القرار.

وأضاف السليم أن إشراك الأهالي في النقاش حول مستقبل مدينتهم العمراني يعد خطوة أساسية لفهم الاحتياجات الفعلية للسكان، وربط التخطيط العمراني بذاكرة المكان وسياقه الاجتماعي، بدل الاكتفاء برؤى تقنية معزولة عن الواقع المحلي.

أفكار تصطدم بواقع التنفيذ

وصف المهندس مازن شربجي الفعالية بأنها “ممتازة”، كونها أتاحت مساحة لتلاقي مختلف أطياف المجتمع، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة وجود “قرار واضح ودعم فعلي” من الجهات المعنية، لتحويل هذه النقاشات إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ.

بدوره، قال المهندس محمد خير الإمام إن داريا كانت تضم معالم وآثارًا بارزة قبل الحرب، مشيرًا إلى أن “عددًا كبيرًا من هذه المعالم أزيل بالكامل”، ما يطرح تحديات إضافية عند الحديث عن استعادة الهوية العمرانية، ويستدعي مقاربة واقعية تجمع بين الرمزية التاريخية وإمكانات الحاضر.

رمزية المكان نقطة انطلاق

وأكدت تالة كو، متطوعة وطالبة هندسة معمارية، أهمية أن تكون الهوية العمرانية الجديدة مستوحاة من الرمزية التاريخية للمدينة، مع إعادة النظر في مداخل داريا الأربعة بوصفها نقاطًا بصرية ومعنوية، يمكن أن تشكّل مدخلًا لإعادة تعريف صورة المدينة.

من جهتها، أوضحت إسراء عليان، طالبة هندسة معمارية ومتطوعة، أن المشاركة في الفعالية تهدف إلى “مشاركة الأفكار المتعلقة بالعملية التنظيمية مع المجتمع المحلي”، في حين رأت تالة كو أن الهدف الأوسع يتمثل في “الوصول إلى المجتمع المحلي ومتطلباته والتشاور معه بشكل مباشر”.

وأشار مشاركون إلى أن المقترحات الأولية تركز على مداخل داريا، إلى جانب مشاريع صغيرة قابلة للتنفيذ، مثل المدارس والحدائق، إلا أن هذه الأفكار تحتاج إلى جلسات تشاورية إضافية مع البلدية والجهات المعنية قبل الانتقال إلى أي مرحلة تطبيقية.

واقعية الطرح وصعوبات المرحلة

وحضر الفعالية رئيس بلدية داريا، رائد عبيد، إلى جانب عدد من أعضاء المجلس المحلي ومدير المنطقة، حيث أكد الحاجة إلى بناء هوية بصرية عمرانية جديدة للمدينة، لكنه ربط ذلك بواقع الدمار الواسع وصعوبة التطبيق في المرحلة الحالية.

وأشار عبيد إلى ضرورة إعداد مخطط تنظيمي يشمل كامل مدينة داريا، مع إمكانية تغيير الصفة التنظيمية للمناطق المدمرة، في ظل تحديات قائمة تتعلق بضيق الشوارع وارتفاع الكثافة السكانية.

كما طرح أفكارًا تتعلق بالتوسع العمراني في مناطق جديدة وبعيدة، بدل الدخول في تعقيدات التنظيم داخل المناطق العشوائية.

وتطرق عبيد إلى إعادة النظر في استخدام بعض المواقع التي ترتبط بذكريات مؤلمة لدى الأهالي، لما تتركه من أثر نفسي ومكاني، محذرًا من أن غياب التخطيط والتنظيم الشامل قد يدفع بعض السكان إلى البناء العشوائي لتأمين السكن والاستقرار.

وأكد على الحاجة إلى هيكل تنظيمي واضح وسريع، يسمح بتنفيذ مشاريع في المناطق المدمرة، ويدعم حلولًا مثل تعديل طاقة البناء ورفع الطابقية، بما يراعي حقوق أصحاب الأراضي في ظل ضعف القدرة المالية على إعادة الإعمار.

جلسات لاحقة ومسار ممتد

ورغم تباين الآراء حول آليات التنفيذ، أجمع المشاركون على أهمية فتح نقاش مجتمعي حول مستقبل داريا العمراني. وأشار منظمو الفعالية إلى أن جلسات أخرى ستعقد لاحقًا ضمن المسار نفسه، من بينها فعالية قادمة في مدينة المعضمية.

مشاركون من أهالي وفعاليات محلية خلال فعالية «هوية مكان» في المركز الثقافي بمدينة داريا – 8 شباط 2026 (عنب بلدي – أنس تقى)

وتأتي فعالية «هوية مكان» في سياق نقاشات عمرانية سابقة شهدتها مدينة داريا، من بينها ورشة عمل بعنوان «حياكة العمران» نظّمتها منظمة Together Space (ورشة مكان) بين 14 و20 أيلول الماضي في مدينة دمشق.

وجمعت الورشة خريجين جدد من كلية الهندسة المعمارية في دمشق، إلى جانب معماريين ومخططي مدن سوريين مقيمين في بلدان الاغتراب، وركزت على قضايا إعادة الإعمار والعدالة المكانية، وسعت إلى خلق مساحة للتشبيك بين المشاركين وجهات رسمية ومنظمات محلية ودولية.

وشملت الورشة جولات ميدانية في محيط دمشق، طالت مناطق متضررة مثل داريا والقابون وماروتا سيتي، حيث اطلع المشاركون على التحديات العمرانية والإنسانية، وربطوا النقاش التخطيطي بالذاكرة المحلية والبعد الإنساني للمكان.

مقالات ذات صلة

من المبادرات الصغيرة إلى العمل المنظم.. ندوة للدكتور عبد الكريم بكار في داريا

بعد نحو 40 عرضًا دوليًا.. «غاندي الصغير» يصل إلى داريا

جناح ريف دمشق في معرض دمشق الدولي.. داريا من المظاهرات إلى التهجير