على الصاج نفسه.. أم فواز تخبز في داريا منذ خمسين عامًا

رويدة عبد المجيد النكاش تعد خبز الصاج في داريا - 21 أيلول 2026 (عنب بلدي - سعيد خشفة)

بعد صلاة الفجر، تبدأ رويدة عبد المجيد النكاش، المعروفة في داريا بـ«أم فواز»، يوم الخَبز. تقسم العجين إلى أقراص، وترق كل واحد منها بيديها، ثم تفرده بحركة متتابعة بين كفيها قبل أن تضعه على الصاج.

تعلمت أم فواز هذه المهنة وهي في الثانية عشرة من عمرها، حين احتاجت أسرتها إلى مصدر دخل، واستمرت بها لنحو نصف قرن.

خبزت لإعالة أسرتها بعد زواجها، وأعدت مئات الأرغفة يوميًا خلال حصار داريا، ولا تزال اليوم تستقبل طلبات محدودة من زبائن اعتادوا خبزها.

لكن ما تغير خلال هذه السنوات لا يقتصر على كمية الخبز أو عدد الزبائن، فالصاج الذي كان جزءًا من عمل تجتمع حوله نساء العائلة والجارات، تجلس أمامه أم فواز اليوم وحدها.

بدأت في الثانية عشرة

دفعت وفاة شقيق أم فواز، إلى جانب ظروف مر بها والدها، الأسرة إلى البحث عن مورد تعتاش منه. وتقول السيدة لعنب بلدي إنها كانت تعيش مع خمس أو ست أخوات، من دون معيل قادر على تأمين احتياجات المنزل.

اقترحت الفتيات على والدتهن أن يتولين إعداد الخبز في المنزل، على أن تحمله هي إلى دمشق لبيعه.

كانت رويدة في الثانية عشرة حين بدأت تراقب أختها الكبرى وهي تخبز على الصاج كل صباح، وخلال نحو أسبوع تعلمت منها خطوات العمل وبدأت الخَبز بنفسها.

كانت تعد كميات من الأرغفة تحملها والدتها إلى دمشق، فيما كان بعض الزبائن يأتون إلى المنزل لأخذ طلباتهم. وهكذا تحولت المهارة التي تعلمتها في سن مبكرة إلى مصدر دخل للأسرة.

وبعد زواجها، لم تتوقف عن العمل، ومع تراجع قدرة زوجها المادية، عادت إلى الخَبز في منزلها، وصارت تعد الأرغفة لمطاعم ترسل من يتسلمها منها.

وتقول إن دخلها من الخَبز ساعدها في تأمين احتياجات أسرتها، واستمرت في العمل حتى بعد أن كبر أولادها، وأسهم ما كانت تكسبه في مصاريف تزويجهم.

300 إلى 400 رغيف في الحصار

كانت أم فواز خارج داريا عند بدء الحصار، قبل أن يساعدها ابنها، الذي توفي لاحقًا خلال الحرب، على الدخول إلى المدينة. وبقيت فيها نحو عامين.

هناك، عاد الصاج إلى العمل، لكن في ظروف مختلفة.

تقول إن أحد الشبان طلب منها إعداد الخبز، فبدأت تخبز يوميًا ما بين 300 و400 رغيف صغير، مستخدمة الصاج نفسه الذي لا تزال تعمل عليه حتى اليوم.

لم يكن الطحين المتاح حينها كالطحين الأبيض الذي اعتادت استخدامه. كان طحين القمح أصعب في الفرد، لذلك كانت تعد منه أرغفة أصغر، ثم يأتي من يتولى أخذها وتوزيعها داخل المدينة.

ولم يقتصر عملها على الخَبز، إذ كانت تصلها أكياس من الأرز والبازلاء والفول، فتعد الطعام في أوانٍ كبيرة، بمساعدة زوجة ابنها وشقيقتيها.

استمرت أم فواز في ذلك حتى خروجها من داريا خلال التهجير القسري.

وتتذكر الخوف من الغارات الجوية، ولجوءها مع جيرانها إلى حفرة تشبه الخندق كانوا قد غطوها واستخدموها للاحتماء.

ورغم القصف والخوف وقلة المواد، تستعيد أم فواز تلك الفترة من خلال العلاقات بين من بقوا داخل المدينة ومساعدتهم بعضهم لبعض. وتقول: «لهلأ بقول سقالله أيام الحصار»، وتتذكر أنها غادرت داريا وهي تبكي.

حين كان الخَبز «لمة»

قبل أن يصبح شراء الخبز من الأفران أمرًا معتادًا، تتذكر أم فواز أن عائلات في محيطها كانت تعجن في المنزل كلما أوشكت كمية الخبز على النفاد.

لم تكن العملية عمل امرأة واحدة. كانت النساء يضعن العجين في أوعية كبيرة، ثم يقسمنه إلى أقراص ويحملنه إلى تنور إحدى الجارات.

وهناك تتوزع المهمات بين أربع أو خمس نساء، واحدة ترق العجين، وأخرى تجهز الأقراص، وثالثة تتولى الخَبز.

اجتمعت أم فواز في تلك الجلسات مع والدتها وزوجات أعمامها، ثم عاشت التجربة نفسها بعد زواجها مع حماتها ونساء من عائلة زوجها.

وكان العمل يستغرق ساعات، ترافقها الأحاديث والضحكات حتى تنتهي كمية العجين.

تفضل أم فواز خبز التنور على خبز الصاج الذي تعده اليوم، فرغيف الصاج رقيق، بينما يكون رغيف التنور أكثر سماكة، ويبقى صالحًا مدة أطول، فضلًا عن مذاقه الذي تفضله.

لكن ما تفتقده أكثر ليس شكل الرغيف أو مذاقه، بل اجتماع النساء حول إعداده. فالعمل الذي كان يتوزع على عدة نساء أصبح اليوم مهمة تؤديها بمفردها.

زبائن أقل والصاج مستمر

لم تعد أم فواز تخبز يوميًا كما فعلت في مراحل سابقة من حياتها. تتلقى حاليًا طلبات مرة أو مرتين في الأسبوع من عدد محدود من الزبائن الذين اعتادوا خبزها.

تشتري الطحين المطلوب، ثم تتقاضى ثمنه إلى جانب أجرة عملها.

وترى أن شراء الخبز الجاهز أصبح الخيار الأسهل لكثير من العائلات، بسبب الوقت والجهد اللذين يحتاج إليهما الخَبز في المنزل، بينما بقي زبائن يفضلون الخبز المعد يدويًا ويواصلون الطلب منها.

ولا تبدأ أم فواز عملها بوضع العجين على الصاج مباشرة. تفحص الطحين أولًا وتنخله عند الحاجة، ثم تضيف الملح وكمية قليلة من الخميرة، إذ تقول إن زيادتها تؤثر في رائحة العجين وطعمه.

وبعد العجن، تعيد عجنه مرتين قبل أن تتركه، ثم تبدأ في الصباح بتقسيمه إلى أقراص ورقّه.

أما المرحلة التي لا تتركها لغيرها فهي رق الأقراص وفرد الرغيف، وتقول إن اختلاف سماكة العجين يجبرها على إعادة العمل، لذلك تحرص على أن تتولى هذه المهمة بنفسها.

تحرك الرغيف بين يديها وتديره باستمرار حتى تتوزع سماكته بالتساوي، فلا يصبح طرف منه رقيقًا وآخر سميكًا.

راقبتها نساء وحاولن تعلم الحركة منها، لكن إتقانها يحتاج، بحسب أم فواز، إلى الممارسة والخبرة التي راكمتها منذ طفولتها.

وبعد نحو نصف قرن من اليوم الذي وقفت فيه إلى جانب أختها تراقبها أمام الصاج، لا تزال أم فواز تستخدم يديها بالطريقة نفسها.

وتقول: «هي مهنة.. أنا تعلمت من أختي، لكنني صرت أشطر منها».

مقالات ذات صلة

أطفال بلا تسجيل مدني في داريا.. حضور الصفوف لا يضمن وثيقة مدرسية

قرب وخدمات وعلاقات.. لماذا يستقر بعض أهالي كفرسوسة في داريا؟

ألبومات تحت الأنقاض وصور على الهاتف.. أهالٍ في داريا يروون حكاية صورهم