من الأزقة إلى القاعات.. كيف بدأت صالات الأفراح في داريا

لم يكن أهل داريا يحتاجون إلى السؤال عن مكان إقامة العرس، فالنساء يجتمعن في باحة «البيت العربي»، بينما تمتد كراسي الرجال إلى الزقاق أو الحارة، وتتحول المساحة المحيطة بالمنزل إلى مكان مفتوح لاستقبال الأقارب والجيران.

ظل هذا المشهد حاضرًا لعقود في الأعراس وحفلات الخطبة ومجالس العزاء، قبل أن تبدأ القاعات المغلقة، منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي، بمنافسة البيوت والأزقة على استضافة المناسبات الاجتماعية.

ولم يكن ظهور صالات الأفراح مجرد مشروع تجاري جديد، بل جاء انعكاسًا لتحولات عمرانية واجتماعية ومهنية شهدتها داريا، وغيرت شكل المنازل ودرجة الخصوصية التي توفرها، وقدرتها على استقبال أعداد كبيرة من الضيوف.

لم يعد البيت يتسع

وفرت العمارة التقليدية في داريا قدرًا مرتفعًا من الخصوصية، فمعظم المنازل القديمة بنيت على نمط «البيت العربي» ذي الفناء الداخلي المفتوح على السماء، والمحاط بالغرف من جهاته المختلفة، وكانت مساحة كثير من هذه البيوت تقارب 400 متر مربع.

أتاحت الباحات الداخلية للنساء الحركة واستقبال الضيفات وإقامة المناسبات بعيدًا عن أعين الرجال والغرباء، فيما استخدمت الأزقة والساحات القريبة لاستقبال الرجال في الأعراس والعزاءات الكبيرة.

لكن ملامح المدينة بدأت تتغير تدريجيًا مع مطلع تسعينيات القرن الماضي، فقد توسع البناء الطابقي، وانتقلت عائلات جديدة من دمشق إلى داريا بالتزامن مع نموها السكاني والعمراني، وبدأت الشقق المرتفعة تكشف باحات البيوت القديمة التي ظلت لسنوات معزولة عن الأنظار.

وتزامن ذلك مع تحول في اقتصاد المدينة، إذ انتقل جزء من الأهالي من الزراعة إلى التجارة وصناعة الموبيليا ومهن أخرى، بينما قُسمت بيوت واسعة بين الورثة، أو هُدمت واستُبدلت بها أبنية تضم شققًا أصغر مساحة.

ومع تقلص مساحة المنازل وتراجع الخصوصية، أصبحت إقامة مناسبة كبيرة داخل البيت أكثر صعوبة، وبدأت الحاجة إلى مكان يجمع الضيوف ويحفظ خصوصية النساء ويخفف أعباء تجهيز المنزل وتنظيفه قبل المناسبة وبعدها.

في هذا التقرير، تستعيد عنب بلدي أبرز صالات الأفراح التي عرفتها داريا قبل عام 2011، مستندة في جمع المعلومات إلى شهادات ومصادر أهلية متفرقة، بهدف توثيق جانب من الذاكرة الاجتماعية والعمرانية للمدينة.

عرس بيت شهاب عام 1999 – تسجيل منشور على يوتيوب

«الأمير».. بداية مترددة

شهدت حارة المسيحيين المحطة الأولى لظهور صالات الأفراح في داريا.

ففي نهاية التسعينيات افتتح فريد اللحام أول صالة في المدينة، وعرفت باسم «صالة الأمير»، قبل أن يبدأ نشاطها الفعلي عام 2000.

استقبلت الصالة حجوزات لعائلات مسلمة ومسيحية، لكنها واجهت في سنواتها الأولى قدرًا من الاستهجان داخل مجتمع اعتاد إقامة حفلات الرجال في الأزقة والساحات، والنساء في باحات المنازل.

اقتصرت الحجوزات في البداية على عائلات ميسورة، أو راغبة في مواكبة النمط الجديد، بينما بقي معظم الأهالي متمسكين بالطريقة التقليدية في إقامة الأعراس.

ومع دخول الألفية الثالثة، بدأ الموقف من الصالات يتغير تدريجيًا، ولا سيما بين النساء اللواتي وجدن فيها بديلًا يخفف عنهن مشقة إعداد المنزل وترتيبه وتنظيفه، ويوفر لهن مساحة مغلقة لا تطل عليها نوافذ الأبنية الطابقية المحيطة.

رافق انتشار الصالات تداول شائعات عن وجود تصوير خفي داخل بعض القاعات، وهو ما زاد التحفظ تجاهها في البداية، إلا أن هذه المخاوف تراجعت مع اتساع الاستخدام وتكرر إقامة المناسبات فيها.

وظهر تحفظ آخر لدى بعض رجال المدينة الذين رفضوا حضور زوجاتهم حفلات الزفاف المقامة في الصالات، مفضلين أن يزرن أهل العريس خلال أيام «المباركة»، وهي زيارات كانت تمتد أسبوعًا كاملًا في منزل العائلة بعد انتهاء الزفاف.

لكن هذا الرفض فقد حضوره تدريجيًا، وتحولت القاعات خلال سنوات قليلة من خيار استثنائي إلى جزء مألوف من الحياة الاجتماعية في داريا.

جولة في ذاكرة صالات داريا

بين أواخر التسعينيات وعام 2011، عرفت داريا خمس صالات رئيسة داخل المدينة، إلى جانب صالتين في أطرافها.

واختلفت القاعات في مساحاتها وتصميمها ومستوى الخدمات التي تقدمها، ما منح كل واحدة منها موقعًا خاصًا في ذاكرة الأهالي.

صالة الثانوية الشرعية.. المساحة الأكبر

مثلت صالة الثانوية الشرعية أكبر مساحة متاحة للمناسبات داخل المدينة، إذ بلغت مساحتها نحو 600 متر مربع، وزودت بـ«سدة» علوية لاستيعاب الأعداد الإضافية من الضيوف.

ولأنها بقيت من دون إكساء داخلي، خُصصت بصورة أساسية لأعراس الرجال والمناسبات الكبيرة.

وفي فصل الصيف، كان بعض الأهالي يفضلون استئجار باحة مدرسة الثانوية الشرعية وإقامة الحفلات في الهواء الطلق.

أعيد افتتاح الصالة عام 2024 بعد إكسائها بالكامل، وحملت اسم «قصر الحبيب».

عرس في باحة الثانوية الشرعية قبل عام 2011 – تسجيل منشور على يوتيوب

صالة المجد.. للمناسبات الأقل عددًا

افتتح ياسين رجب «صالة المجد» مطلع الألفية الثالثة مقابل مخفر داريا، وبلغت مساحتها نحو 250 مترًا مربعًا.

لم يكن البناء مصممًا في الأصل ليكون قاعة أفراح، لذلك قسمت الأعمدة والزوايا مساحته الداخلية وحدّت من وضوح الرؤية، واقتصر استخدامه غالبًا على حفلات الخطبة وأعراس النساء، أو المناسبات التي لا يتجاوز حضورها نحو 250 شخصًا.

صالة الخولاني.. رؤية مفتوحة

في عام 2005، أنشأ أبناء الحاج أبي سليمان خولاني صالتهم في شارع الكورنيش، عند تقاطع جامع الخولاني مع طريق البساتين.

تميزت القاعة باتساعها وخلوها من الأعمدة والزوايا التي تعيق الرؤية، واستوعبت نحو 400 شخص. كما قدمت خدمات ضيافة شملت الماء والقهوة عبر فريق مخصص.

أغلقت الصالة بسبب ظروف الحرب، ولم تعد إلى العمل حتى اليوم.

صالة دانا.. كسوة أكثر حداثة

افتتحت «صالة دانا» عام 2006 عند بداية شارع الثانوية الشرعية، لصاحبها سعيد الزعاويط، وبإدارة شريكه محمد كامل.

أقيمت على مساحة مستطيلة تقارب 250 مترًا مربعًا، وتميزت بكسوتها الحديثة والأنيقة مقارنة ببعض القاعات التي سبقتها. ورغم وجود أعمدة إنشائية داخلها، فإن توزيعها المتوازي خفف من حجب الرؤية خلال الحفل.

المزة والأثرية.. خيارات خارج مركز المدينة

استقطبت صالتان في أطراف داريا عائلات كانت تبحث عن مستوى أعلى من الفخامة أو مساحة مختلفة عن القاعات التقليدية.

وقعت «صالة المزة» عند مدخل المدينة من جهة دمشق، وتميزت بمستوى خدمات مرتفع، وقُسمت إلى ثلاثة أقسام اختلفت في الكسوة والخدمة، بما أتاح خيارات متفاوتة للحجوزات.

أما «الصالة الأثرية»، الواقعة بين داريا والمعضمية، فتميزت بطابع مفتوح يشبه المنتزه الطبيعي، مع الأشجار وديكورات الفلل ومنصة كبيرة للحفلات، وكانت قادرة على استقبال أعداد كبيرة.

ومن أبرز المناسبات التي استضافتها العرس الجماعي الذي نظمته الجمعية الخيرية عام 2009.

عرس جماعي في داريا عام 2009 (يوتيوب)

من قاعة فارغة إلى خدمات متكاملة

في بداياتها، لم تكن الصالة تقدم أكثر من مكان نظيف وإضاءة مناسبة وعدد من الكراسي والطاولات، بينما تتولى العائلة معظم تفاصيل الحفل بنفسها.

ومع اتساع الإقبال وازدياد المنافسة، دخلت أنظمة التكييف وأجهزة الصوت الحديثة، وتحولت الخدمات إلى باقات اختيارية تشمل فرق الضيافة التي تقدم الماء والقهوة والمشروبات، إلى جانب فرق العراضة ومجموعات الإنشاد الديني.

وأصبح بإمكان العائلة تنظيم جزء كبير من تفاصيل المناسبة من خلال الصالة نفسها، بدل توزيع المهام على الأقارب والجيران كما كان يحدث في الأعراس المنزلية.

الأزقة بقيت حاضرة

على الرغم من انتشار القاعات، لم تختف الأعراس التقليدية من داريا. فحتى عام 2011، حافظ جزء كبير من الأهالي على إقامة حفلات الرجال في الحارات والأزقة، ولا سيما في المناسبات الكبيرة.

ولم يكن ذلك نابعًا من التمسك بالعادات وحده، إذ تراوح عدد المدعوين في بعض الأعراس بين 400 و1000 شخص، وقد يتجاوز الألف عندما يكون أهل العريس من وجهاء المدينة أو من العائلات الكبيرة، وهي أعداد لم تستطع معظم القاعات استيعابها.

لذلك عاشت الصالات والأزقة إلى جانب بعضها سنوات طويلة، وكانت العائلة تختار المكان وفق عدد الضيوف وطبيعة المناسبة وإمكاناتها المادية.

أكثر من صالة أفراح

مع مرور الوقت، لم تعد القاعات مخصصة لحفلات الزفاف الكبرى فقط، بل أصبحت تستضيف حفلات الخطبة الصغيرة، التي كانت تقام سابقًا داخل المنازل، وانتقل إليها جزء من مجالس العزاء بعد أن ضاقت البيوت الحديثة عن استقبال أعداد كبيرة من المعزين.

وبعد عودة الحياة تدريجيًا إلى داريا، اتسعت وظيفة الصالات مرة أخرى.

فمنذ عام 2024، أصبحت بعض القاعات تستقبل اجتماعات رسمية، وورشات عمل لمنظمات المجتمع المدني، ودورات تدريبية، وبعض الاستقبالات والفعاليات الحكومية.

وهكذا انتقلت الصالة من مكان أنشئ أساسًا للزفاف إلى مساحة عامة تستضيف أفراح المدينة وأتراحها واجتماعاتها وحواراتها المحلية.

تحول في المكان والحياة

لم يكن قبول صالات الأفراح في داريا نتيجة تحول مفاجئ، بل جاء بالتوازي مع تغيرات متراكمة في شكل المدينة وحياة أهلها.

فالبيوت العربية التي كانت تتسع للأعراس والعزاءات قُسم كثير منها أو استُبدل بأبنية طابقية، وتراجعت الخصوصية التي وفرتها الباحات الداخلية، فيما أصبحت الحياة اليومية أكثر ارتباطًا بخدمات جاهزة توفر الوقت والجهد.

ولم تلغِ الصالات التقاليد التي سبقتها دفعة واحدة، إذ استمرت الأعراس المنزلية وحفلات الأزقة إلى جانبها، قبل أن تصبح القاعات تدريجيًا الخيار الأكثر حضورًا في المناسبات الاجتماعية.

وبين الأزقة التي كانت تضاء ليلة العرس، وباحات البيوت التي تجمع النساء، والقاعات التي استقبلت لاحقًا مئات الضيوف، تختصر صالات الأفراح جانبًا من التحولات التي شهدتها داريا في عمرانها وعلاقات أهلها وطريقتهم في تنظيم حياتهم الاجتماعية.

مقالات ذات صلة

من أرض حزايا إلى الشاميات.. ما علاقة مطعم الفلافل؟

كتاتيب داريا.. شهادات من تاريخ التعليم غير الرسمي

من شواقة إلى الدحاديل.. كيف واصل أطفال داريا تعليمهم أثناء النزوح