من السوق العتيق إلى البلاط.. قاسم نمورة في مهنة امتدت 46 عامًا

حين ترك قاسم نمورة (أبو محمد) تجارة المواد الغذائية في السوق العتيق بدمشق عام 1980، لم يكن يتوقع أن يصبح تركيب البلاط مهنته لأكثر من أربعة عقود.

كانت تجارة المواد الغذائية تحتاج إلى رأس مال أكبر مما يستطيع تأمينه آنذاك، فاتجه إلى البلاط باعتباره عملًا مؤقتًا، قبل أن يعود إلى مهنته السابقة.

«قلت بشتغل فيها سبع سنين، عشر سنين، بعدين برجع للمصلحة اللي كنت اشتغل فيها»، يقول لعنب بلدي.

مرت السنوات العشر ولم يعد أبو محمد إلى السوق العتيق، بقي في المهنة الجديدة بعدما وجد فيها، كما يقول، «لقمة حلال»، واستمر فيها حتى أصبح ما بدأه مؤقتًا عملًا يمتد منذ 46 عامًا.

خلال هذه السنوات، لم تبق مهنة البلاط على حالها، فتغيرت أحجام القطع والأدوات وطرق التركيب التي عرفها في بداياته.

البلاطة كبرت والشغل صار أصعب

يقول أبو محمد إن قطع البلاط التي كان يعمل بها في سنواته الأولى كانت أصغر من المستخدمة اليوم. بدأت القياسات من 20 و30 سنتيمترًا، ثم وصلت إلى 40 سنتيمترًا، قبل أن تنتشر قطع السيراميك بقياسات 50×50 و60×60 سنتيمترًا، وصولًا إلى قطع كبيرة تقاس أبعادها بالأمتار.

عمل أبو محمد خلال سنواته في سوريا وخارجها، ويذكر أنه ركب في لبنان قطعًا كبيرة وصل قياس بعضها إلى مترين.

لكن كبر حجم البلاطة لم يجعل العمل أسرع أو أسهل بالضرورة، فحين كانت القطعة بقياس 25×25 سنتيمترًا، كان المعلم يستطيع حملها وتركيبها بمفرده، بينما تحتاج بعض القطع الكبيرة المستخدمة اليوم إلى عاملين أو ثلاثة، وقد يصل العدد إلى أربعة بحسب حجمها.

ويقول أبو محمد أن تبليط غرفة بمساحة خمسة أمتار في خمسة تقريبًا كان يحتاج في السابق إلى نحو خمسة أيام، حين كانت الأدوات أقل، والعمل يعتمد بدرجة أكبر على يد العامل وخبرته.

أما اليوم، فيستخدم أدوات لم تكن موجودة حين بدأ المهنة، منها الجلخ الصغير، والخلاط المستخدم في تحضير المواد، ومقصات السيراميك بأحجام مختلفة.

أحد المقصات الموجودة لديه يتعامل مع قطع يصل طولها إلى نحو 80 سنتيمترًا، بينما تستخدم أدوات أكبر للقياسات التي تتجاوز ذلك.

وتغيرت المواد التي تصل إلى الورشة أيضًا، ويقول أبو محمد إنه يتعامل اليوم مع أنواع من السيراميك المستورد من السعودية والأردن، وأحيانًا من الهند.

ومع تغير الأدوات والمواد، بقيت تفاصيل أخرى مرتبطة بخبرة العامل، منها ضبط مستوى الأرض والميل ومكان التقاء البلاط بالأبواب والمصارف.

عشرة دولارات للمعلم

يتذكر أبو محمد أيضًا أجور العاملين خلال مراحل سابقة من حياته المهنية.

ويقول إن العامل المحترف كان يحصل في التسعينيات على نحو عشرة دولارات في اليوم، أي قرابة 400 أو 450 ليرة سورية حينها، بينما كان العامل الأقل خبرة يتقاضى نحو خمسة دولارات.

تغيرت الأجور بعد ذلك مرات كثيرة، لكن أبو محمد يرى أن طريقة تعلم المهنة تغيرت أيضًا.

فالعامل، بحسب تجربته، كان يحتاج سابقًا إلى فترة طويلة من العمل والتدرج قبل أن يصبح قادرًا على تنفيذ الورشة بنفسه، بينما يرى أن بعض أعمال السيراميك اليوم يمكن لشخص قليل الخبرة تعلم أساسياتها خلال عشرة أيام أو 15 يومًا.

«ما أخدت ورشتين»

هناك طريقة في العمل لا يحبها أبو محمد، وهي أن يتولى العامل أكثر من ورشة لدى أكثر من زبون في الوقت نفسه.

يربط ذلك بطريقة الاتفاق على الأجرة، فبعض العمال يقبلون بأجر منخفض للحصول على الورشة، ثم يجدون أن الأجرة لا تكفيهم، فيبحثون عن ورشة ثانية ويقسمون وقتهم بين العملين.

«أنا لحد هلق ما أخدت ورشتين»، يقول أبو محمد، فهو يفضل الاتفاق منذ البداية على أجرة يراها مناسبة، ثم البقاء في الورشة حتى إنجازها، بدل الانتقال بين أكثر من منزل.

بالنسبة إليه، لا يتعلق الأمر بعدد الورش التي يستطيع الحصول عليها، بل بإنجاز العمل قبل الانتقال إلى غيره.

ليس كل ميل صحيحًا

بعد سنواته الطويلة في البلاط، يتوقف أبو محمد عند تفاصيل قد لا يلاحظها صاحب المنزل عندما يختار لون السيراميك أو حجمه، ومنها ميل الأرض باتجاه مصرف المياه.

يقول إن طلبات أصحاب المنازل تختلف. بعضهم يريد الأرض مستوية، بينما يطلب آخرون أن يكون المنزل كله مائلًا باتجاه «البلوعة» حتى تتحرك المياه نحوها.

بالنسبة إليه، لا يفضل إعطاء أرضية المنزل كاملة هذا الميل، لأن اختلاف الارتفاع من طرف إلى آخر قد تظهر آثاره عند الأبواب أو عند الانتقال بين الغرف، ويفضل ضبط الميل في الأماكن التي تحتاج إليه، لكن صاحب المنزل قد يتمسك أحيانًا بطريقة معينة، فينفذ العامل ما يطلبه بعد شرح رأيه.

تغير الكثير على أبو محمد مما عرفه عندما دخل المهنة، فالبلاطة التي كان يستطيع حملها بيديه أصبحت في بعض المقاسات تحتاج إلى عدة عمال، والخيط الذي كان يعتمد عليه في الضبط رافقته أدوات للقص والخلط لم تكن موجودة في ورشته الأولى.

ومع ذلك، لا يضع خبرته في الأدوات التي تراكمت حوله، بل في التفاصيل التي تعلمها من الورش نفسها، أين يبدأ، وكيف يضبط الأرض، ومتى يحتاج الميل، وأين يمكن أن يظهر الخطأ بعد انتهاء العمل.

بعد 46 عامًا، هذه التفاصيل هي ما بقي معه من مهنة يقول إنها «اختلفت ألف درجة».

مقالات ذات صلة

بعد أشهر من الأعطال.. كهرباء شريدي تتحسن ومخاوف من ضغط الشبكة

بعد توقفه منذ 2012.. المصرف الصناعي يعود إلى داريا ويختصر معاملات الأهالي

سائقو النقل في داريا يعيدون حساب التعرفة.. والركاب يتحملون جزءًا من فرق المحروقات