يتصاعد في داريا التذمر وتتكرر الشكاوى من واقع النظافة في الأحياء والشوارع، لكن آراء السكان الذين استطلعت عنب بلدي آراءهم تظهر أن المسألة لا تختصر بجهة واحدة، بل ترتبط بتداخل دور البلدية مع سلوك السكان اليومي، وسط تباين في تقييم أداء الورشات الخدمية من حي إلى آخر.
وبينما يقر بعض الأهالي بأن البلدية تعمل ضمن إمكانات محدودة ولا تملك عددًا كافيًا من العمال، يرى آخرون أن التقصير ما يزال واضحًا في بعض المناطق، خصوصًا في ملفات الغبار، وترحيل الأوساخ، والاستجابة للشكاوى.
وفي المقابل، يتفق معظم من التقتهم عنب بلدي على أن نظافة المدينة لا يمكن أن تتحقق من دون تعاون السكان أنفسهم.
النظافة تبدأ من أمام البيت والمحل
يلخص المهندس عبد السلام عصفورة، وهو من سكان داريا، هذه الفكرة بقوله إن النظافة “عمل مشترك”، موضحًا أن البلدية إذا نظفت ليلًا ونهارًا من دون أن يتعاون الناس، فسيذهب كل هذا الجهد سدى.
وبالمنطق نفسه، يرى محمد العبار، من أهالي داريا، أن على كل شخص أن ينظف أمام بيته وأمام محله، لأن هذا العمل يعود بالفائدة على الناس أنفسهم، معتبرًا أن الدولة مهما قدمت لا تغني عن دور السكان.
وبحسب تقديره، فإن ظروف البلد حاليًا صعبة، وهو ما يجعل دور الناس أكبر في الحفاظ على نظافة المدينة.
ويذهب صادق حمادة، صاحب محل عطور في داريا، إلى المعنى ذاته، إذ يعتبر أن تنظيف الناس للشوارع يعكس صورة حضارية عن المدينة، وأن الطريق النظيف والمرتب والخالي من الأوساخ يمنح انطباعًا جميلًا عن البلد وأهلها.
وتشير هذه الشهادات إلى أن مسؤولية المواطن، في نظر كثير من الأهالي، لا تقف عند الامتناع عن رمي الأوساخ فقط، بل تشمل أيضًا الحفاظ على المحيط القريب من البيت أو المحل، بوصف ذلك جزءًا من السلوك اليومي في الفضاء العام.
البلدية تعمل.. لكن ضمن إمكانات محدودة
في المقابل، يلفت بعض السكان إلى أن البلدية تعمل ضمن ظروف صعبة، ولا تملك دائمًا العدد الكافي من العمال أو الإمكانات اللازمة لتغطية كل الأحياء بالوتيرة نفسها.
ويعتقد محمد العبار أن البلدية تبذل ما تستطيع من جهد، لكنها تعاني نقصًا في العمال، ومع ذلك تواصل التنظيف ومحاولة إنجاز أعمال خدمية مختلفة داخل المدينة.
كما يرى أحد السكان الذين استطلعتهم عنب بلدي أن هناك أعمالًا تقع على البلدية وحدها، وهي، بحسب رأيه، لا تقصر فيها ضمن إمكاناتها، لكن المطلوب أيضًا أن يتعاون الناس معها بدل الاكتفاء بتحميلها المسؤولية كاملة.
وتعكس هذه الآراء نوعًا من التفهم للواقع الخدمي في المدينة، خاصة في ظل محدودية الموارد، لكنها لا تلغي في الوقت نفسه وجود شكاوى مباشرة من ضعف المتابعة في بعض النقاط.
ضعف الاستجابة في بعض الأحياء
على الجهة الأخرى، يبدي بعض السكان استياءهم من واقع النظافة في أحيائهم، ويرون أن الورشات لا تستجيب دائمًا كما يجب.
فمحمد ديب حمودة، من أهالي داريا، يروي أن عمال التنظيف مروا في منطقته مؤخرًا، لكنهم أبلغوا الأهالي أنهم غير مسؤولين عن هذه البقعة، وطلبوا منهم مراجعة المراقب أو رئيس البلدية.
وبرأيه، فإن رئيس البلدية شخص متعاون ولا يقصر، لكنه لا يستطيع العمل وحده، بل يحتاج إلى عدد أكبر من المراقبين لمتابعة الورشات والعمال ميدانيًا.
ويضيف أن العمال يمرون أحيانًا من أمام الناس من دون تنفيذ عمل فعلي، ما يدفع الأهالي إلى تنظيف المكان بأنفسهم، لكن الأتربة تعود بعد فترة قصيرة.
وفي السياق نفسه، يشكو منذر حمودة، من أهالي داريا، من الغبار المتراكم في حارته، مشيرًا إلى أن البلدية مطالبة، من وجهة نظره، بتنظيف الطرقات من الأوساخ والغبار والقمامة، بينما يقع على الناس تنظيف ما أمام بيوتهم ومحالهم.
ويوضح أنهم طلبوا أكثر من مرة إرسال “بوك” أو كانسة لتنظيف الحي، لكن ذلك لم يحدث، ما اضطرهم إلى رش المياه يوميًا أمام المحال للتخفيف من الغبار.
وبرأي حمودة، فإن تنظيفًا بسيطًا ومنتظمًا كان كفيلًا بإحداث فرق واضح في شكل الحي وراحة السكان، خاصة أن المدينة دخلت، كما يقول، منذ نحو عام في مرحلة أكثر استقرارًا.
الرمي العشوائي للأوساخ
من بين المشكلات التي برزت في إفادات السكان أيضًا، مسألة الرمي العشوائي للقمامة، بوصفها أحد الأسباب المباشرة لتراجع النظافة في بعض المواقع.
ويرفض عمران خناق، من أهالي داريا، تبرير بعض الناس رمي الأوساخ في مكان معين بحجة أنه متسخ أصلًا، معتبرًا أن هذا السلوك غير مقبول.
ويشدد على أنه لا يجوز تحويل أرض فارغة أو منزل مهجور أو زاوية مهملة إلى مكب نفايات لمجرد غياب الحاوية أو تأخر الترحيل.
ومن وجهة نظره، يفترض أن تكون هناك أماكن مخصصة وواضحة للقمامة، وأخرى لمخلفات البناء والردميات، لأن غياب هذا التنظيم يفتح الباب أمام اتساع الفوضى بدل الحد منها.
النظافة ليست جمع قمامة فقط
ولا يحصر بعض السكان مفهوم النظافة بجمع النفايات وحده، بل يربطونه أيضًا بشكل الشوارع والبنية الخدمية اليومية فيها.
فالمهندس عبد السلام عصفورة يرى أن الأمر أبعد من كنس الطرقات وترحيل الأوساخ، موضحًا أن البلدية، حتى لو لم تكن قادرة على التزفيت الكامل بسبب ضعف الميزانية، تستطيع على الأقل إغلاق الحفر في الطرقات بوسائل بسيطة وبتكلفة أقل، ما قد يخفف كثيرًا من الأعباء عن السكان.
ولا تميل آراء غالبية من قابلتهم عنب بلدي في داريا إلى تحميل طرف واحد المسؤولية.
فهناك من يشدد على أن البلدية لا تستطيع وحدها إنجاز المهمة، وهناك من يرى أن الورشات لا تقوم دائمًا بما يكفي، لكن القاسم المشترك بين معظم الآراء هو أن نظافة المدينة تحتاج إلى التزام مزدوج، من البلدية في الخدمة والمتابعة، ومن الناس في التعاون والحفاظ على المكان العام.