لم يكن نادي داريا الرياضي مجرد فريق كرة قدم في ريف دمشق، بل كان لعقود جزءًا من الحياة اليومية والهوية الجماعية للمدينة.
من ملعب ترابي بسيط بلا أسوار ولا مدرجات، خرجت حكايات كبيرة عن الشغف والانتماء، وعن لاعبين وجماهير صنعوا كرة القدم بموارد شحيحة وروح لا تهدأ.
في هذه الحلقة من بودكاست “ذاكرة سورية”، التي سجلت في العام 2023، يعود الحكم وابن مدينة داريا ظافر عليان إلى ذاكرة نادي داريا، فقد عاصره لاعبًا وحكمًا وإداريًا، ويمتلك رواية حية عن واحدة من أعرق التجارب الرياضية الشعبية في ريف دمشق.
تعود جذور النادي إلى الخمسينات، حين أسس الدكتور عبد المجيد الشربجي مع مجموعة من أبناء داريا نادي فتيان داريا، في زمن كانت فيه الرياضة تُدار بالتطوع والحب الخالص.
سرعان ما أصبح النادي رقمًا صعبًا، ينافس أندية الجيش وأهلي دمشق وقاسيون وقوى الأمن، ليصل عام 1964 إلى نهائي كأس الجمهورية المتحدة، في إنجاز ما يزال حاضرًا في ذاكرة النادي.
لكن تاريخ النادي لا يختصر بالنتائج فقط، فقد كان مصنعًا حقيقيًا للمواهب، ومن ملعبه الترابي خرج لاعبون تركوا أثرهم على مستوى الكرة السورية المحلية، مثل مؤيد حمودة، وغازي لكود، ومحمد غنوم، إضافة إلى أسماء بدأت من فئة الأشبال في داريا قبل أن تصبح لاحقًا نجومًا مع أندية كبرى، مثل نزار محروس وفجر إبراهيم وعبد النبي صدقة.
يحكي ظافر عليان عن زمن كانت فيه كرة القدم تُلعب بإمكانات شبه معدومة. الأحذية تُؤمن بالتبرعات، وأجور الباصات يدفعها محبو النادي، والمدربون يعملون أحيانًا بلا مقابل. ومع ذلك، كان جمهور النادي يسافرون معه لمساندته، حتى أصبحوا في بعض المباريات أكثر عددًا من جمهور الفريق المضيف.
ولم تخل مسيرة النادي من التوتر والمنافسة الساخنة. مباريات داريا مع أندية مثل الكسوة وجرمانا والنضال تحولت أحيانًا إلى أحداث جماهيرية كبرى، فيها فرح وصخب واحتجاجات، لكنها كانت تعكس حجم التعلق الشعبي بالنادي، لا مجرد تنافس رياضي.
في التسعينات، دخل النادي مرحلة ازدهار إداري، مع بناء ملعب معشب ومنشآت واستثمارات جعلت نادي داريا واحدًا من أكثر أندية الريف تنظيمًا. لكن الحرب لاحقًا دمرت المدينة ومنشآتها، وتوقفت عجلة الرياضة كما توقفت الحياة نفسها.
في هذه الحلقة، لا يتحدث ظافر عليان عن الماضي بحنين فقط، بل بنقد صريح للحاضر، وبسؤال مفتوح عن مستقبل ناد كبير بالاسم والتاريخ، يحتاج اليوم إلى إعادة بناء حقيقية تبدأ من القواعد، كما بدأت قصته الأولى.
هذه ليست حكاية كرة قدم فحسب، بل حكاية مدينة لعبت، وخسرت، وربحت، واحتفظت بذاكرتها.