لا يذكر نهر الأعوج في داريا بوصفه مجرى مائيًا عابرًا، بل كجزء من سيرة المدينة نفسها.
فالمزارعون الذين اعتادوا متابعة منسوب مياهه في الشتاء، كانوا يرون فيه مؤشر الموسم: إن جرى، جرت الحياة في الحقول، وإن انحسر، انحسرت معه مساحات الخضرة.
على امتداد عقود، شكل الأعوج مصدر ري رئيسًا لحقول الغوطة الغربية، وأسهم في بناء اقتصاد محلي قائم على الزراعة، لكن التحولات المناخية، واستنزاف المياه الجوفية، وتداعيات سنوات الحرب والحصار، جعلت ملف المياه في داريا أكثر تعقيدًا، وأبعد من حدود مجرى نهر واحد.
يعتمد هذا التقرير على تقارير محلية عن داريا، ودراسات حول حوض بردى-الأعوج، وتحليلات منصة Fanack Water المتخصصة في شؤون المياه في الشرق الأوسط، إضافة إلى تقرير صادر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان حول انقطاع المياه خلال سنوات الحصار.
داريا.. زراعة بالري لا بالمطر
تقع داريا جنوب غربي دمشق، ضمن الغوطة الغربية، على ارتفاع يقارب 689 مترًا عن سطح البحر.
ورغم الطابع الزراعي الذي يطوقها، فإنها تقع في منطقة شبه قاحلة، يتراوح متوسط الهطول المطري السنوي فيها بين 200 و250 ميليمترًا، وفق بيانات منشورة في تقارير محلية عن جغرافية المدينة.
بهذا المعدل المحدود من الأمطار، لا يمكن الاعتماد على الزراعة المطرية. لذلك قامت حياة داريا الزراعية على الري المنظم.
وتشير المعلومات التاريخية إلى أن أراضي داريا كانت تروى من مصدرين رئيسيين: نهر بردى عبر فرعه المحلي المعروف بـ“الديراني”، ونهر الأعوج، إضافة إلى شبكة من الأقنية التقليدية الرومانية والحديثة.
وكانت هذه القنوات تنقل المياه من مجرى الأعوج والينابيع إلى الحقول، وتوزعها وفق نظام ري متوارث، يشرف عليه وجهاء ومزارعون يعرفون حصص كل أرض.
بفضل هذا النظام، ازدهرت زراعة الخضار والأشجار المثمرة، وكانت مساحات واسعة من الأراضي الغربية للمدينة تروى مباشرة من مياه الأعوج وفروعه.
نهر الأعوج.. من جبل الشيخ إلى سبخة الهيجانة
ينبع نهر الأعوج من السفوح الشرقية لجبل الشيخ (الحرمون) قرب قرية عرنة شمال غربي دمشق، ثم يتجه شرقًا بطول يقارب 70 كيلومترًا قبل أن ينتهي في سبخة الهيجانة جنوب خزان العتيبة، وفق تقارير جغرافية محلية.
اسمه يعكس طبيعته، فهو يتعرج عبر الغوطة الغربية، ويتفرع إلى 11 قناة ري فرعية، تغذي نحو 745 هكتارًا من الأراضي الزراعية في مناطق مثل سعسع وعرنة وداريا.
وتستفيد داريا تاريخيًا من نحو ثلثي مياه الأعوج الإجمالية، إذ تروى كامل أراضيها الغربية من مجراه وفروعه، في مناطق مثل الداشور، والنجاصة، والوادي، والسيوطي وغيرها.
يتغذى الأعوج على أمطار الشتاء وذوبان الثلوج في جبل الشيخ، ما يجعله نهرًا موسميًا بطبيعته. وفي سنوات الجفاف، ينخفض منسوبه بشكل ملحوظ، وتصبح القنوات التي كانت تضج بالمياه مجرد مجارٍ ترابية جافة.

نهر الأعوج في ممره ببلدة المقيلبية بريف دمشق – 12 شباط 2026 (صفحة المقيلبية بلدنا – فيسبوك)

نهر الأعوج في ممره ببلدة المقيلبية بريف دمشق – 12 شباط 2026 (صفحة المقيلبية بلدنا – فيسبوك)

نهر الأعوج في ممره ببلدة المقيلبية بريف دمشق – 12 شباط 2026 (صفحة المقيلبية بلدنا – فيسبوك)
حوض بردى-الأعوج.. أرقام تكشف الاختلال
الأعوج ليس نهرًا معزولًا، بل جزء من حوض بردى-الأعوج، الحوض المائي الرئيس لدمشق وريفها.
وبحسب دليل متخصص نشرته منصة Fanack Water، تبلغ كمية الأمطار السنوية في هذا الحوض نحو 2.297 مليار متر مكعب، بينما لا تتجاوز الموارد المائية المتجددة المتاحة للاستخدام 881 مليون متر مكعب.
هذا الفرق بين الهطول والموارد القابلة للاستثمار يعكس فجوة مائية واضحة. وتشير تحليلات Fanack إلى أن الموارد المتجددة في الحوض تتراجع بفعل التغيرات المناخية في شرق المتوسط، إضافة إلى الإفراط في استثمار المياه السطحية واستنزاف الخزانات الجوفية.
وتوضح الدراسات أن جريان الأعوج يسهم في إعادة تغذية الخزان الجوفي المحلي في الغوطة الغربية، ما يفسر ارتفاع منسوب بعض الآبار في مواسم الجريان الجيد، لكن هذه التغذية تبقى محدودة قياسًا بحجم السحب.
من الأقنية إلى الآبار.. تحول فرضته الأزمة
مع تراجع الجريان السطحي، تراجعت فعالية القنوات التقليدية في داريا، ومنها الواز ومسعودة والنباعات والشقيف وحجازي وغيرها، التي كانت تمثل عصب الري الزراعي.
جفاف هذه الأقنية، إلى جانب تضرر أجزاء من بنيتها خلال سنوات النزاع، دفع المزارعين إلى الاعتماد أكثر على الآبار.
ووفق تقرير محلي عن واقع المياه في المدينة، تضم داريا 32 بئرًا بلديًا، جف منها سبعة، فيما تتراوح إنتاجية الآبار العاملة بين 2 و12 مترًا مكعبًا في الساعة.
غير أن مياه هذه الآبار غالبًا ما تكون غير صالحة للشرب بسبب ارتفاع نسبة الأملاح والمعادن، ما يدفع السكان إلى شراء مياه الشرب أو انتظار استكمال مشروع استجرار المياه من قطنا، الذي تشير تقارير محلية إلى أنه قيد التنفيذ.
بين عامي 2012 و2015، انقطعت خطوط المياه الرئيسة عن داريا خلال الحصار.
وقد وثقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في تقرير صدر عام 2013 توقف ضخ المياه إلى المدينة، مشيرة إلى أن حرمان السكان من الخدمات الأساسية، ومنها المياه، شكل ضغطًا مباشرًا على المدنيين.
اضطر الأهالي حينها للاعتماد على آبار محلية غالبًا ما كانت ملوثة، في ظل انهيار واسع للبنية التحتية، ما ترك أثرًا طويل الأمد على واقع المياه في المدينة.
عودة جزئية.. تفاؤل لا يخلو من الحذر
في شتاء 2024–2025، شهدت المنطقة أمطارًا غزيرة أدت إلى عودة جزئية لجريان نهر الأعوج، بحسب تقارير ميدانية محلية.
عادت المياه لتملأ بعض القنوات القديمة، وارتفع منسوب عدد من الآبار، ما أعاد الأمل بإحياء مساحات خضراء تراجعت خلال سنوات الجفاف.
لكن الدراسات المنشورة حول إدارة حوض بردى-الأعوج تحذر من أن هذه التحسينات موسمية، وأن استمرار الضخ الجوفي المرتفع قد يعيد الأزمة سريعًا.
إرث الماء وتحدي الإدارة
كان نهر الأعوج، ومعه القنوات الزراعية، جزءًا من مشهد يومي في داريا.
اليوم، لم تعد المياه مسألة نهر يجري أو قناة تمتلئ، بل معادلة معقدة بين موارد محدودة واستهلاك مرتفع.
تشير الدراسات إلى أن مستقبل المياه في داريا مرتبط بإدارة متكاملة لحوض بردى-الأعوج، تشمل تنظيم الضخ الجوفي، وتحديث شبكات الري، وتسريع مشاريع استجرار المياه من قطنا، إضافة إلى تقنيات حصاد مياه الأمطار وإعادة استخدام المياه المعالجة.
في مدينة اعتادت أن تقيس مواسمها بصوت الماء في القنوات، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تعود مياه الأعوج وقنواته إلى دورها الطبيعي شريانًا للحياة، أم تبقى رهينة تقلب المناخ وثقل الإدارة؟

نهر الأعوج في ممره بمدينة الكسوة بريف دمشق – 12 شباط 2026 (صفحة الكسوة الغربية المنصورة – فيسبوك)

نهر الأعوج في ممره بمدينة الكسوة بريف دمشق – 12 شباط 2026 (صفحة الكسوة الغربية المنصورة – فيسبوك)

نهر الأعوج في ممره بمدينة الكسوة بريف دمشق – 12 شباط 2026 (صفحة الكسوة الغربية المنصورة – فيسبوك)
