دخل ملف المخطط التنظيمي في مدينة داريا مرحلة دراسة الاعتراضات والمقترحات، بعد إعلان المجلس المخطط اعتبارًا من 1 نيسان الجاري واستقبال عدد كبير من اعتراضات الأهالي المتعلقة بالشوارع والاستملاك والحدائق وضوابط البناء، بالتوازي مع إعداد المجلس مقترحات تعديل تشمل شوارع ومناطق وأنظمة بناء جديدة، تمهيدًا لرفعها جميعًا إلى اللجنة الإقليمية في محافظة ريف دمشق للنظر فيها.
وقال رئيس مجلس مدينة داريا رائد عبيد، في مقابلة مع عنب بلدي، إن المخطط التنظيمي المطروح ليس مخططًا جديدًا بالكامل، بل مخطط يخضع للتعديل الدوري كل ثلاث سنوات، موضحًا أن المجلس أعلن عنه وفتح باب الاعتراضات أمام الأهالي، على أن يتقدم كل من لديه اعتراض بأوراق ملكيته لعرض ملاحظاته على البلدية.
وأضاف أن الاعتراضات تركزت على مواقع بعض الشوارع، وعقارات ملحوظة للاستملاك أو الحدائق، وعقارات لا تحقق ضابطة البناء، إلى جانب الاعتراض على توسيع بعض الشوارع وما يترتب عليه من تغيير في ضوابط البناء والانتفاع بالعقار.
وأشار إلى أن عدد الاعتراضات كان كبيرًا، وأن بعض هذه الاعتراضات “محق”، وفق تعبيره، لذلك يعمل المجلس على دراستها وفرزها قبل رفعها مع مقترحاته إلى اللجنة الإقليمية.
اعتراضات على الشوارع والحدائق وضابطة البناء
بحسب عبيد، فإن المجلس لا يتعامل مع الاعتراضات بوصفها إجراء شكليًا، بل باعتبارها فرصة متاحة للأهالي كل ثلاث سنوات لتثبيت ملاحظاتهم على المخطط.
وقال إن بعض الاعتراضات تتعلق بعقارات لا تحقق ضابطة البناء الحالية، أو بشوارع يرى أصحاب العقارات أنها غير ضرورية، أو بملحوظات قديمة لم تنفذ منذ عقود وما تزال تقيد الانتفاع بالأرض.
وأضاف أن المجلس يدرس هذه الاعتراضات إلى جانب المقترحات التي أعدها بنفسه، ثم يرفع المقبول منها في ملف واحد إلى اللجنة الإقليمية، مؤكدًا أن ما يطرحه المجلس حاليًا لا يعد قرارات نهائية، بل مقترحات قابلة للقبول أو التعديل أو الرفض من قبل المحافظة واللجنة المختصة.
وأوضح أن من بين المناطق التي طرح المجلس تعديلها منطقة قرب الحديقة العامة، وتقدر مساحتها بنحو 120 ألف متر مربع، وتضم عقارات صغيرة تعاني أصلًا من مشكلات في ضابطة البناء، إلى جانب الحاجة إلى تنظيم الحركة المرورية فيها وفتح شوارع جديدة تخفف الازدحام.
شارع الثورة مدخلًا إلزاميًا ومقترح لشارع خروج
قال رئيس المجلس إن أحد أسباب إعادة النظر في بعض المناطق التنظيمية يرتبط بالحاجة إلى معالجة الواقع المروري في المدينة، مشيرًا إلى أن شارع الثورة، الذي يبلغ عرضه 16 مترًا، يشهد حركة ذهاب وإياب وازدحامًا مع اصطفاف السيارات على الجانبين ووجود محال تجارية على امتداده.
وأضاف أن المجلس طرح جعل شارع الثورة مسار دخول إلزامي، مقابل تأمين شارع خروج قريب منه، على ألا يكون بعيدًا عن مركز الحركة داخل المدينة.
وأوضح أن هذا التصور دفع المجلس إلى دراسة مسار يمر من منطقة تتصل بشارع البلدية، وهو ما يستلزم المرور بين أملاك خاصة وإعادة تنظيم أجزاء من المنطقة بما يسمح بفتح الطريق الجديد.
وأشار إلى أن هذا التصور لا يزال ضمن المقترحات التي سترفع إلى اللجنة الإقليمية، وأن الهدف منه، وفق المجلس، هو تحسين الحركة داخل المدينة وفتح شوارع جديدة من دون إلحاق ضرر غير محسوب بالأهالي.
“التوزيع الإجباري” بدل الاستملاك الكامل
من أبرز الطروحات التي قدمها المجلس، وفق رئيسه، اعتماد نظام “التوزيع الإجباري” في بعض المناطق بدل الاستمرار في نموذج الاستملاك الكامل للعقارات.
وقال إن هذا الطرح يهدف إلى توزيع الأثر على كامل المنطقة المشمولة بالتعديل، لا على مالك واحد بعينه، بحيث تخصم المساحات المخصصة للمنافع العامة من مجموع مساحة المنطقة، ثم يعاد توزيع ما تبقى على المالكين وفق أسهمهم.
وأضاف أن المجلس طرح هذا الخيار في مناطق تتضمن ملحوظات قديمة لحدائق أو مدارس أو مراكز إدارية لم تنفذ منذ سنوات طويلة، معتبرًا أن بقاء هذه الملحوظات من دون تنفيذ فعلي أضر بأصحاب العقارات، وفي الوقت نفسه لم يحقق فائدة للجهات العامة.
وقال إن المجلس يقترح في بعض هذه المواقع صيغة تقوم على استفادة الأهالي من جزء من العقار عبر البناء أو الاستثمار، مقابل تخصيص جزء آخر للمنفعة العامة، سواء لوزارة التربية أو للبلدية أو لجهة عامة أخرى.
وذكر أن من بين المناطق التي نوقشت بهذا التصور المنطقة الممتدة من محيط المخفر وخلفه حتى مدرسة الغوطة الغربية والإطفائية، وهي منطقة كبيرة تقع وسط المدينة وكانت ملحوظة سابقًا لحدائق ومراكز إدارية ومدارس.
وأضاف أن المجلس كان قد طرح الفكرة نفسها منذ سنوات، معتبرًا أن بديلها، أي الاستملاك الكامل، يحتاج إلى وقت طويل وإجراءات معقدة.
واستشهد بملف مدرسة المحطة، قائلًا إن استملاكها استمر نحو 15 عامًا، من عام 1995 حتى 2010، من دون أن يستكمل بالسرعة المطلوبة.
الأبنية القائمة والأسهم والتعويض
قال عبيد إن المناطق التي يقترح المجلس تنظيمها لا تتعامل مع الأرض وحدها، بل تأخذ في الحسبان الأبنية القائمة أيضًا، موضحًا أن احتساب الحقوق في التوزيع الإجباري لا يقتصر على مساحة الأرض، وإنما يشمل قيمة البناء القائم، وعدد الطوابق، وعمر البناء، بحيث يحصل المالك على أسهم تعكس هذه العناصر.
وأضاف أن الأبنية القائمة والسليمة على أطراف بعض المناطق يمكن استثناؤها إذا رغب أصحابها في ذلك، بينما يعالج وضع الأبنية الواقعة ضمن المسار التنظيمي وفق التخمين والأسهم إذا دخلت في مشروع إعادة التنظيم.
أما في المناطق التي تضم أبنية مهدمة أو شبه مهدمة، فقال إن المجلس ينظر إليها بوصفها مناطق قابلة لإعادة التنظيم بشكل مختلف، مع إمكانية الاستفادة من ضوابط بناء جديدة أو معاملات استثمار مختلفة تسمح بتعويض أصحاب الأملاك بصورة أفضل، إذا أقرت هذه المقترحات لاحقًا.
طابق إضافي للشوارع دون 14 مترًا وطابقان لما فوقها
تحدث عبيد عن مقترح آخر داخل المخطط يتعلق بارتفاعات الأبنية الجديدة، موضحًا أن المجلس اقترح منح طابق إضافي واحد في الشوارع التي يقل عرضها عن 14 مترًا، وطابقين إضافيين في الشوارع التي يزيد عرضها على 14 مترًا.
وبين أن هذا المقترح يخص الأبنية الجديدة فقط، ولا يشمل الأبنية القديمة تلقائيًا، إذ يرتبط الأمر في حالة البناء الجديد بتوافر الدراسة الإنشائية والدراسة الزلزالية والشروط التي تعتمدها نقابة المهندسين والجهات المختصة.
وأضاف أن المجلس يطرح هذا التعديل انطلاقًا من واقع الدمار الذي أصاب المدينة، وصعوبة تعويض أصحاب العقارات أو الشقق ضمن مشاريع إعادة الإعمار بالصيغة التقليدية، معتبرًا أن زيادة الطوابق قد تقلل المساحة التي يخسرها المالك عند دخول متعهد أو عند تنفيذ مشروع جديد.
لكنه أشار في المقابل إلى أن هذا الطرح يحتاج إلى دراسة، لأن زيادة الارتفاعات تعني أيضًا ضغطًا إضافيًا على الشوارع والخدمات والصرف الصحي والمياه والطلب على السكن.
تعديلات في “المراح” وعلى الشوارع المساحية
وحول مناطق أخرى داخل المدينة، قال رئيس المجلس إن منطقة المراح تضم أصلًا جزءًا من تنظيم سابق، لكن المجلس اقترح تعديلات عليه ليتوافق مع الشوارع المساحية الموجودة فعليًا على الأرض.
وأوضح أن بعض الشوارع في المخطط القديم، مثل شارع الوسطاني وشارع الفصول والشارع الذي يمر بالمراح، كانت تمر داخل كتل تنظيمية، ما قد يعرقل تنفيذها لاحقًا إذا بدأ أصحاب العقارات بالبناء ضمن هذه الكتل.
وأضاف أن المجلس أعاد النظر في هذه المنطقة بهدف الاستفادة من الشوارع القائمة وتخفيف عدد الشوارع التنظيمية الجديدة، مع الإبقاء على فكرة دراسة المراح لاحقًا ضمن نظام التوزيع الإجباري بعد اعتماد المخطط.
كما أشار إلى وجود مناطق أخرى أخذها المجلس في الحسبان ضمن طروحاته، بينها منطقة عند جامع حزقيل باتجاه جامع الأنصار، ومناطق أخرى قرب جامع العباس وفرن محمد جمعة، معتبرًا أن نجاح تطبيق التنظيم في إحدى هذه المناطق قد يجعلها نموذجًا لمناطق أخرى في المدينة.
توسعة مقترحة للمخطط جنوبي المدينة ومنطقة صناعية جديدة
قال عبيد إن المجلس لا يكتفي بمراجعة المخطط المصدق فقط، بل اتخذ في المكتب التنفيذي قرارًا بالعمل على توسعة المخطط التنظيمي في داريا.
وأوضح أن من بين المناطق المطروحة للتوسعة المنطقة المقابلة للخليج، في ظل تنظيم منطقة الخليج من قبل المحافظة وفق نظام جديد، على حد قوله.
وأضاف أن المجلس يرى ضرورة تهيئة الجهة المقابلة بالمستوى التنظيمي نفسه، لأن هذه المنطقة تشكل مدخل داريا، ولا يريد المجلس، بحسب تعبيره، أن يكون مدخل المدينة بمستوى عمراني مرتفع مقابل منطقة زراعية أو منطقة مخالفات أو منطقة تعاني مشكلات تنظيمية.
وأشار أيضًا إلى طرح منطقة تمتد من طريق الشام وصولًا إلى طريق المعامل ومحطة التكرير ضمن ملف التوسعة، على أن تخصص أجزاء منها للسكن، مع احتمال اعتماد نظام التوزيع الإجباري فيها أيضًا.
وفي الجزء الممتد من طريق الدحاديل إلى طريق المعامل، قال رئيس المجلس إن الطرح يتضمن تخصيص حيز في الجهة اليمنى لمنطقة صناعية، مع إمكان إنشاء منطقة سكنية صغيرة بعد شارع الثلاثين، ثم منطقة للمصانع والحرف، بما يسمح لاحقًا بنقل بعض الورش والمصالح الصغيرة من داخل الأحياء السكنية في داريا إلى هذه المنطقة الجديدة.
وأضاف أن المجلس سبق أن عدل أيضًا المنطقة الحرفية السابقة الممتدة من قرب الفرن الآلي حتى شارع الثلاثين من منطقة حرفية إلى منطقة سكنية بنظام التوزيع الإجباري.
معالجة مشكلات الشيوع والتخاصص
لم يحصر رئيس المجلس الحلول المطروحة بالمناطق الداخلة مباشرة في المخطط، بل تحدث أيضًا عن فكرة أخرى قال إنها ما تزال قيد الدراسة، وتتعلق بالمناطق التي تعاني خلافات بين المالكين أو مشكلات شيوع وتخاصص تحول دون تنظيمها أو تخديمها بشكل كامل.
وأوضح أن المجلس يفكر في آلية تجمع ملكيات أصحاب هذه المناطق، وتعيد ترتيبها بطريقة تسمح باستفادة الجميع، بدل بقاء كل منطقة معلقة بسبب مشكلات الملكية أو الخلافات بين أصحابها. وأضاف أن هذا الطرح يحتاج إلى دراسة مع اللجنة الإقليمية أو المحافظة لوضع ضوابط مناسبة له.
الصرف الصحي من أكبر التحديات الخدمية في داريا
ربط رئيس المجلس بين ملف التنظيم وواقع الخدمات في المدينة، مشيرًا إلى أن البلدية تعاني نقصًا في الكوادر والآليات والتمويل، وهو ما ينعكس على قدرتها على تخديم المناطق المنظمة وغير المنظمة على السواء.
وقال إن شبكة المياه في عدد من المناطق الواقعة خارج التنظيم جرى تعديل معظمها، وبقي جزء بسيط فقط قيد العمل، بينما ما يزال الصرف الصحي يمثل المشكلة الأكبر.
وأضاف أن البلدية أعدت أكثر من إضبارة تتعلق بهذا القطاع، وأن لديها بحدود 4500 متر من الصرف الصحي، وهو ما قال إنه يمثل 1% من احتياج داريا، في حين إن ما يمكن تنفيذه حاليًا لا يتجاوز قرابة 2000 متر فقط.
وأشار إلى أن البلدية تركز في التنفيذ على الخطوط الرئيسية، بالتوازي مع التواصل مع عدد من المنظمات لاستكمال هذا الملف لاحقًا، مضيفًا أن المدينة ما تزال بحاجة أيضًا إلى الأرصفة والإنارة ومشاريع أخرى تتعلق بالنظافة وترحيل القمامة.
جلسات توضيحية مرتقبة عبر صفحة المجلس وفي المساجد
وختم عبيد بالقول إن التأخير في التعامل مع الملف يعود إلى حجم الاعتراضات والمقترحات التي ظهرت بعد إعلان المخطط، موضحًا أن المجلس لم يكن يتوقع هذا العدد من الملاحظات عند فتح باب الاعتراضات.
وأضاف أن المجلس سيعمل على نشر ملف المقترحات والتوضيحات عبر صفحته الرسمية، كما قد يعقد جلسات وندوات توضيحية في عدد من المساجد، إلى جانب التعاون مع وسائل الإعلام المحلية في شرح ما يطرحه للأهالي.
وأكد أن المجلس مستعد لتلقي الاستفسارات، إلى حين رفع الملف النهائي إلى اللجنة الإقليمية وصدور ما تقرره بشأن المقترحات والاعتراضات.
وستنشر عنب بلدي خلال الأيام المقبلة المقابلة الكاملة التي أجرتها مع رئيس بلدية داريا، بما تتضمنه من توضيحات وشرح لأبرز التعديلات التي شملها المخطط التنظيمي الجديد.