رغم عودة آلاف السكان إلى مدينة داريا بعد سقوط النظام، ما تزال أزمة السكن تؤجل عودة عائلات أخرى، في ظل ارتفاع تكاليف ترميم المنازل المتضررة، واستمرار الدمار في بعض الأحياء، وقلة المساكن الجاهزة، وارتفاع الإيجارات.
وتواجه العائلات الراغبة بالعودة خيارات محدودة، فبعضها يمتلك منزلًا يحتاج إلى ترميم أو إكساء لا يستطيع تحمل تكلفته، وبعضها فقد منزله بالكامل، بينما تبحث عائلات أخرى عن مساكن مستأجرة في سوق تقل فيه الشقق الجاهزة ويشترط فيه عدد من المالكين دفع بدل الإيجار لأشهر مقدمًا.
وتأتي هذه الصعوبات بالتزامن مع عودة الحركة إلى المدينة وتحسن تدريجي في بعض الخدمات وافتتاح محال واستئناف أعمال البناء، إلا أن البنية التحتية والخدمات لم تواكبا بعد وتيرة العودة السكانية والعمرانية، بحسب ما رصدته عنب بلدي في تقارير سابقة.
منازل متضررة تؤجل العودة
تشكل حالة المنازل العقبة الأولى أمام كثير من العائلات، إذ تتفاوت الأضرار بين منازل تحتاج إلى إصلاحات محدودة، وأخرى لم تكتمل أعمال إكسائها، وأبنية لا يمكن السكن فيها قبل هدمها وإعادة بنائها.
تقول خلود أم محمد، المقيمة حاليًا في شواقة (غرب داريا) إن منزلها في منطقة جامع العباس، والمؤلف من غرفة ومنافع، يحتاج إلى نحو أربعة آلاف دولار أمريكي ليصبح صالحًا للسكن.
وتوضح أنها أرملة وتعيل أبناءها، لذلك لا تستطيع توفير تكاليف الترميم أو تحمل إيجار منزل بديل داخل المدينة، رغم أن عائلتها كانت تنوي العودة منذ مدة.
وبالنسبة لخلود، لا يتعلق قرار العودة بالرغبة وحدها، بل بتأمين مبلغ يسمح بإصلاح الحد الأدنى من المنزل، في وقت يجتمع فيه عبء الترميم مع تكاليف المعيشة اليومية.
أما منار الكحيل، المقيمة حاليًا في الجديدة (غرب داريا)، فتمتلك منزلًا على الهيكل في حي الغزي، يحتاج إلى نحو 200 مليون ليرة سورية لاستكمال أعمال إكسائه.
وتقول إن المبلغ يتجاوز قدرة أسرتها، خصوصًا بعد توقف زوجها عن العمل، مضيفة أنها ستعود إلى داريا فور تمكنها من تجهيز المنزل للسكن.
وتتقاطع تقديرات منار مع ما ذكره عاملون في السوق العقارية لعنب بلدي سابقًا، إذ قدروا كلفة إكساء بعض الشقق بنحو 150 إلى 200 مليون ليرة سورية، وهو ما يدفع مالكين إلى تأجيل أعمال الإكساء أو تنفيذها على مراحل.
وفي حالات أخرى، لا تكفي أعمال الترميم أو الإكساء، لأن الأضرار تشمل البناء بأكمله.
وتقول بدور العبار، المقيمة في مصر، إن عائلتها كانت تخطط للعودة إلى داريا منذ سقوط النظام، لكن البناء الذي يضم منزلها يحتاج إلى الهدم وإعادة الإعمار.
وتوضح أن مالكي الشقق ما زالوا يتفاوضون مع متعهد بشأن إعادة البناء وتقاسم التكاليف، من دون التوصل إلى اتفاق حتى الآن، ما يجعل موعد عودتها غير محدد.
ولا ترتبط مثل هذه الحالات بمنزل واحد فقط، إذ ما تزال أجزاء من داريا تضم أبنية متضررة لا يمكن استخدامها كاملة، بينما عادت بعض العائلات إلى غرف محدودة داخل أبنية لم يكتمل ترميمها.
ووثقت عنب بلدي لجوء سكان إلى تجهيز غرفة واحدة، أو إغلاق النوافذ والفتحات بوسائل مؤقتة، بسبب عدم قدرتهم على ترميم المنزل كاملًا أو استئجار مسكن بديل.
قلة المنازل الجاهزة ترفع الإيجارات
محمد كامل، صاحب مكتب المرجان العقاري في داريا، قال لعنب بلدي، إن الطلب على المنازل ارتفع بصورة ملحوظة بعد سقوط النظام، في وقت بقي فيه عدد الشقق الجاهزة للسكن محدودًا.
وأوضح أن عودة أصحاب منازل للإقامة فيها بعد سنوات من الغياب دفعت مستأجرين إلى إخلائها والبحث عن بدائل، ما أضاف طلبًا جديدًا إلى السوق، بالتزامن مع وصول عائلات ترغب بالعودة إلى المدينة ولا تستطيع السكن في منازلها المتضررة.
وأضاف أن إيجار شقة صغيرة مؤلفة من غرفتين، من دون صالون أو شرفة، قد يصل إلى نحو 200 دولار شهريًا، بينما تتجاوز أجرة الشقق الأكبر 300 دولار، مع اشتراط عدد من المالكين دفع بدل الإيجار لستة أشهر أو سنة مقدمًا.
ولا تقتصر المشكلة، بحسب كامل، على قيمة الإيجار، بل تشمل قلة الخيارات، إذ تضطر العائلة أحيانًا إلى قبول منزل لا يتناسب من حيث المساحة أو التجهيز مع حاجتها، لعدم وجود بديل ضمن قدرتها المادية.
وأشار إلى أن بعض أصحاب المنازل المتضررة باتوا يكتفون بترميم الأجزاء الأساسية منها لتصبح قابلة للسكن، حتى لو لم تكتمل أعمال الإكساء، بهدف التخلص من عبء الإيجار.
ورصدت عنب بلدي في آذار الماضي استمرار ارتفاع إيجارات المنازل والمحال في المدينة، وربطت ذلك بنقص الأبنية القابلة للسكن، وارتفاع الطلب، واتساع الفجوة بين الإيجارات ودخل العائلات، إلى جانب استمرار تعثر إعادة الإعمار ومشكلات العقارات والملكية.
وتراوحت الإيجارات التي رصدتها عنب بلدي لبعض المنازل بين 120 و235 دولارًا شهريًا، ووصلت في حالات أخرى إلى أسعار أعلى، مع تكرار اشتراط الدفع بالدولار ولعدة أشهر مقدمًا.
السكن خارج داريا حل مؤقت
لا تقتصر أزمة السكن على أصحاب المنازل المتضررة، إذ تواجه حتى بعض العائلات القادرة على دفع الإيجار صعوبة في إيجاد منزل داخل داريا بالسعر والمواصفات المناسبين.
وتقول آيات أبو بكر إنها عادت من لبنان مباشرة بعد سقوط النظام، وأقامت مع أسرتها ثمانية أشهر في داريا، قبل أن تضطر إلى استئجار منزل في أشرفية صحنايا بمليون ليرة سورية شهريًا.
وتوضح أنها بحثت داخل داريا، لكنها لم تجد سوى منازل تتراوح إيجاراتها بين 150 و200 دولار، مع اشتراط دفع ستة أشهر أو سنة مقدمًا.
وعرض عليها، بحسب قولها، منزل بإيجار سنوي بلغ أربعة آلاف دولار، وآخر مقابل 100 دولار شهريًا، لكنه كان بلا سقف، ما دفعها إلى البحث في منطقة مجاورة.
ولا تنظر آيات إلى سكنها في أشرفية صحنايا بوصفه استقرارًا دائمًا، إذ تؤكد أنها ستعود إلى داريا فور العثور على منزل يناسب قدرتها المادية.
ويواجه أحد الأهالي العائدين إلى المدينة وضعًا مشابهًا، إذ يقيم حاليًا في منزل العائلة، لكنه يحتاج إلى مسكن مستقل.
ويقول إنه بحث لأكثر من شهرين عن منزل للإيجار، ولم يجد سوى شقق تتراوح أجورها بين 200 و300 دولار شهريًا، إضافة إلى اشتراط الدفع مقدمًا، وهو مبلغ لا تستطيع أسرته توفيره دفعة واحدة.
وتؤدي هذه الشروط إلى إبقاء بعض العائلات في مساكن مؤقتة أو مشتركة، أو دفعها إلى الإقامة في مناطق قريبة من داريا، رغم أن قرارها الأساسي كان العودة إلى المدينة.
النساء المعيلات أمام أعباء مضاعفة
تزداد صعوبة العودة لدى الأسر التي تعتمد على معيل واحد، وخصوصًا النساء اللواتي يتحملن مسؤولية تأمين دخل الأسرة والسكن في الوقت نفسه.
وتقول فاطمة شحادة، المقيمة في تركيا، إنها ترغب بالعودة إلى داريا، إلا أن منزلها تهدم بالكامل، ولا تملك القدرة على إعادة بنائه.
كما أن أسعار الإيجارات داخل المدينة تتجاوز إمكاناتها، في وقت تعيل فيه ثلاث بنات، ما يجعل عودتها مرتبطة بالعثور على عمل أو مصدر دخل ثابت يمكنها من دفع الإيجار وتغطية بقية النفقات.
ويشبه وضع فاطمة حالة خلود أم محمد، إذ لا تملك أي منهما منزلًا جاهزًا أو دخلًا يسمح باستئجار بديل، ما يجعل قرار العودة مرتبطًا بالدعم المالي أو توفر فرصة عمل، لا بانتهاء أسباب النزوح وحده.
العودة مشروطة بالسكن
بحسب الأهالي، فإن عودة الحركة إلى داريا وتحسن بعض الخدمات لا يعنيان أن جميع العائلات أصبحت قادرة على الاستقرار فيها.
فالمدينة شهدت افتتاح محال واستئناف أعمال بناء وترميم، لكن كثيرًا من العائدين ما زالوا منشغلين بإصلاح منازلهم وتأمين مصادر دخلهم، بينما بقيت مشكلات الطرق والصرف الصحي والمياه والخدمات العامة حاضرة في حياة السكان.
وترتبط مشكلتا الترميم والإيجار في سوق السكن ببعضهما، فارتفاع كلفة الإكساء يقلل عدد المنازل التي يطرحها أصحابها للإيجار، وقلة المعروض ترفع الأسعار، ما يدفع بعض الأسر إلى السكن في أبنية متضررة أو الانتقال إلى مناطق مجاورة.
وبالنسبة إلى العائلات التي تحدثت إليها عنب بلدي، لا تزال العودة مؤجلة إلى حين ترميم المنزل، أو الاتفاق على إعادة بناء العقار، أو العثور على مسكن بإيجار يمكن تحمله.