تواصل إيجارات المنازل والمحال التجارية في مدينة داريا ارتفاعها، وسط نقص في المساكن القابلة للسكن، وارتفاع الطلب، واتساع الفجوة بين بدلات الإيجار ومستوى دخل كثير من العائلات.
وبات العثور على منزل أو محل بإيجار مناسب تحديًا متزايدًا أمام الأهالي، في مدينة ما تزال تتعافى ببطء من آثار الحرب، وتعثر إعادة الإعمار، وتعقيدات العقارات والملكية.
ولا تنفصل أزمة الإيجارات في داريا عن واقع عمراني وخدمي أوسع، إذ ما تزال نسبة من الأبنية متضررة أو غير جاهزة للسكن، في وقت تواصل فيه عائلات العودة إلى المدينة والبحث عن استقرار سكني داخلها.
وبين محدودية العرض وارتفاع الطلب، تمضي الأسعار في اتجاه تصاعدي يضغط على السكان، ولا سيما أصحاب الدخل المحدود.
ولمتابعة هذا الملف، أجرت عنب بلدي استطلاعًا لآراء عدد من السكان والمستأجرين وأصحاب المحال، إلى جانب مكاتب عقارية في المدينة، لرصد الأسعار الحالية ومقارنتها بين الأحياء المختلفة، وسط شكاوى متزايدة من أن بدلات الإيجار لم تعد تتناسب مع مستوى الدخل ولا مع مستوى الخدمات المتاحة.
إيجارات مرتفعة ودفع سنوي مسبق
يرى صياح خناق، صاحب محل لتصليح الدراجات الهوائية والدراجات النارية في ساحة شريدي، أن الإيجارات في المدينة “مرتفعة جدًا”، مشيرًا إلى أنه يبحث حاليًا عن محل في المنطقة نفسها بعدما طُلب منه إيجار بقيمة ألف دولار سنويًا، مع اشتراط الدفع سنة مقدمًا.
وأضاف خناق أن إيجارات البيوت في ساحة شريدي وما حولها وصلت إلى نحو 200 دولار، أيضًا مع الدفع المسبق، معتبرًا أن الأسعار متقاربة في معظم أحياء داريا، لكنها تمضي في اتجاه تصاعدي مستمر.
وفي حي الشاميات، قال مالك همر، وهو مستأجر محل موبيليا، إن إيجار المنزل في المنطقة وصل إلى ما بين 3.5 و4 ملايين ليرة سورية (نحو 350 دولار)، رغم تراجع حركة العمل في مهنة الموبيليا منذ نحو شهر، ولا سيما خلال شهر رمضان، حين ترتفع النفقات المعيشية.
ورجح مالك أن ارتفاع الإيجارات في المنطقة يعود إلى مستوى الخدمات فيها وكثافة النشاط التجاري.
مقارنة تكشف حجم القفزة
وتظهر المقارنة الزمنية حجم التحول في سوق الإيجارات داخل داريا، إذ كانت بدلات الإيجار قبل نحو عامين تتراوح بين 200 و350 ألف ليرة سورية (نحو 25 دولارًا حينها)، بينما باتت اليوم في كثير من المناطق تحتسب بين 150 و350 دولارًا للمنازل غير المفروشة، وهي منازل بمتوسط مساحة يقارب 100 متر مربع، وتتألف عادة من غرفتين وصالون.
وباحتساب سعر صرف الدولار عند 11700 ليرة سورية، فإن بدل إيجار قدره 200 دولار يعادل 2.34 مليون ليرة سورية، في حين يصل إيجار 300 دولار إلى 3.5 مليون ليرة، ما يوضح الفارق الكبير بين أسعار ما قبل عامين والأسعار الحالية، كما يفسر حجم العبء الواقع على الأسر التي تتقاضى دخولها بالليرة السورية.
الإيجار يلتهم دخل العائلات
معاذ دلعين، الذي يعمل في محل فروج على طريق المعضمية، قال إن راتبه الشهري يبلغ ثلاثة ملايين ليرة سورية، بينما يدفع مليوني ليرة بدل إيجار المنزل الذي يسكنه قرب جامع عثمان بن عفان.
ووصف دلعين الوضع بأنه “صعب”، متسائلًا كيف يمكن لراتب واحد أن يغطي الإيجار ومصروف أسرة مؤلفة من زوجته وثلاث بنات، إضافة إلى والدته المريضة التي تقيم معه.
وأضاف أن المصروف اليومي بات أكبر من المدخول، وأن ضبط النفقات أصبح شبه مستحيل في ظل هذا الواقع.
وأشار أيضًا إلى أن أقاربه استأجروا منزلًا قرب جامع الخولاني بعد بحث طويل، وهم ثلاثة شبان يعملون، لكنهم يواجهون بدورهم صعوبة في تغطية نفقات المعيشة مقارنة بحجم عائلاتهم.
وبحسب دلعين، وصلت إيجارات الشقق في الشاميات إلى 300 دولار شهريًا بسبب الإقبال على المنطقة وخدماتها.
وهو ما أكده أيضًا مكتب “اليزيد” للعقارات، الذي أوضح أن الإيجارات في منطقة الشاميات تتراوح بين 300 و350 دولارًا، لافتًا إلى أن البيوت غير متوفرة حاليًا بسبب كثرة الطلب، وأن عدد الشقق المعروضة للبيع في السوق بات يفوق عدد الشقق المعروضة للإيجار.
وفي شارع الثورة، قال فراس عيسى إن إيجار المنزل وصل إلى 250 دولارًا مع استمرار الارتفاع، موضحًا أن المشكلة لا تتعلق بالسعر فقط، بل أيضًا بندرة المنازل المعروضة للإيجار، إذ إن المنطقة ممتلئة تقريبًا ولا تتوافر فيها منازل شاغرة بسهولة.
أما إبراهيم حمادة، الذي يسكن قرب جامع الفارس، فقال إن إيجار المنزل في المنطقة بلغ مليوني ليرة سورية، رغم ضعف الخدمات وبعد المنطقة نسبيًا عن مركز المدينة، إلا أن الطلب على الإيجارات فيها ما يزال قائمًا.
شكاوى من تحكم بعض المالكين بالأسعار
تحدث ميسر المصري، من سكان داريا، عن معاناته مع الإيجارات، متهمًا بعض أصحاب العقارات بالتحكم بالأسعار.
وقال إن صاحب المنزل الذي كان يسكنه في منطقة النكاشات أخرجه من البيت عبر المحكمة، رغم التزامه بالدفع، بعدما رفع الإيجار عليه أكثر من مرة.
وأوضح المصري أنه كان يسكن في الطابق الخامس، وأن آخر بدل إيجار دفعه بلغ مليونًا ونصف المليون ليرة سورية، لكن المالك طلب رفعه إلى مليوني ليرة مع الدفع سنة مقدمًا.
وأضاف أن وجود أولاده في مدارس المنطقة لم يشفع له بالبقاء في المنزل، كما رفض صاحب البيت الاستمرار في تأجيره بحجة أنه يريد تخصيص المنزل لابنه المقبل على الزواج.
وقال المصري إنه حاول إقناع صاحب العقار بعدم إخراجه، إلا أن الأخير رفض، ما اضطره إلى استئجار منزل في منطقة السكة، وهي أبعد عن مركز المدينة وأضعف من حيث الخدمات.
وفي السياق نفسه، قال أبو إيهم شماشان إن إيجار المنزل في منطقتي النكاشات وحارة المخفر بلغ 250 دولارًا، مع غياب خيار الدفع الشهري تقريبًا، إذ أصبح الدفع سنة مقدمًا هو القاعدة، بينما تبقى الإيجارات الأقل، بحدود مليون ونصف المليون ليرة سورية، مقتصرة غالبًا على المستأجرين القدامى.
وأضاف أن بعض أقاربه بحثوا طويلًا داخل داريا، لكن أقل إيجار وجدوه يبدأ من مليوني ليرة سورية، معتبرًا أن الإيجارات خارج داريا باتت في بعض الحالات “أرحم من البلد”.
منازل متضررة بإيجارات مرتفعة
وقال الحاج أبو عمار، الذي يملك محلًا على طريق المعضمية، إنه استأجر منزلًا صغيرًا في بناء متضرر، بكسوة قديمة، مقابل 150 دولارًا وبصعوبة كبيرة، موضحًا أنه كان يملك سابقًا بيوتًا وأراضي، لكنها دُمّرت جميعها.
وأضاف أن الحصول على شقة “محترمة” في المدينة يتطلب ما لا يقل عن 250 دولارًا، وذلك بعد بحث طويل، مشيرًا إلى أنه اضطر إلى السكن في منزل صغير داخل بناء وصفه بأنه “قابل للسقوط في أي لحظة”.
ورفض التوسع في الحديث عن قصته الشخصية، مكتفيًا بالقول إن الإيجارات “غالية جدًا” إلى درجة يصعب وصفها.
ومن جهته، ذكر مكتب “كساح” في حي العباس أن إيجار الشقق في الحي وما حوله، من شريدي والعباس وشارع الوحدة، يبدأ من 200 دولار ويصل إلى 300 دولار، بحسب المنطقة ومواصفات المنزل.
رصد الأسعار بين أحياء داريا
ويُظهر الرصد الذي أجرته عنب بلدي لأسعار الإيجارات في عدد من أحياء داريا تفاوتًا بين منطقة وأخرى، مع بقاء الاتجاه العام نحو الارتفاع. وتراوحت الإيجارات في الشاميات وشارع الكورنيش بين 300 و350 دولارًا، وفي ساحة الترب والبلدية وما حولها وشارع الثورة بين 240 و300 دولار، بينما تراوحت في النكاشات وحارة المخفر وطريق المعضمية وشارع القابوني بين 200 و250 دولارًا.
أما المناطق التي سجلت أسعارًا أقل نسبيًا، مثل السكة، وجامع أسامة، وجامع الخولاني، وجامع عثمان، والجمعيات، وجامع الفارس، والمشفى الوطني، فتراوحت الإيجارات فيها بين 150 و200 دولار. كما سجلت ساحة شريدي أسعارًا بين 180 و230 دولارًا، في حين تراوح الإيجار في شارع الثانوية الشرعية بين 200 و250 دولارًا، وفي حي العباس والصخرة بين 150 و200 دولار.
أزمة مرشحة للاستمرار
تعكس الشهادات التي جمعتها عنب بلدي واقعًا سكنيًا ضاغطًا في داريا، إذ لا يقتصر العبء على ارتفاع الإيجارات وحده، بل يمتد إلى محدودية المنازل الجاهزة للسكن، واتجاه كثير من المالكين إلى فرض الدفع السنوي المسبق، ما يضع العائلات أمام كلفة كبيرة دفعة واحدة، في مدينة ما تزال خدماتها متفاوتة وفرص العمل فيها محدودة.
ومع استمرار عودة السكان إلى داريا، وبقاء المعروض السكني أقل من الطلب، تبدو أزمة الإيجارات مرشحة للاستمرار، ما لم تظهر آليات أكثر عدالة لتنظيم السوق، أو تتحسن شروط السكن والخدمات بما يخفف الضغط عن الأهالي، ويساعد العائلات على البقاء والاستقرار داخل المدينة، بدل أن يتحول السكن نفسه إلى عبء يومي يلتهم معظم الدخل.
| إيجار شقة سكنية بمساحة تقريبية 100 متر (مؤلف من غرفتين وصالون) | ||
| حد الإيجار الأعلى | حد الإيجار الأدنى | المنطقة |
| 350 | 300 | شاميات |
| 350 | 300 | شارع الكورنيش |
| 300 | 250 | ساحة الترب |
| 300 | 250 | البلدية وما حولها |
| 300 | 240 | شارع الثورة |
| 250 | 200 | نكاشات وشارع لمحفر |
| 250 | 200 | شارع الثانوية الشرعية |
| 250 | 200 | طريق المعضمية |
| 250 | 200 | شارع القابوني |
| 230 | 180 | ساحة شريدي |
| 200 | 150 |
جامع الخولاني – جامع عثمان
|
| 200 | 150 | السكة |
| 200 | 150 | جامع أسامة |
| 200 | 150 | العباس والصخرة |
| 200 | 150 | الجمعيات |
| 200 | 150 | جامع الفارس |
| 200 | 150 | المشفى الوطني |