أنهت ابنة نور الصف الأول في إحدى مدارس داريا وانتقلت إلى الصف الثاني، لكن الوثيقة التي حصلت عليها عن عامها الدراسي الأول ليست جلاءً مدرسيًا، بل بيان درجات غير مختوم.
تحضر الطفلة دروسها، لكن تسجيلها لا يزال مؤقتًا بسبب عدم استكمال أوراقها المدنية وغياب الوثائق التي تثبت ولادتها ونسبها.
وقدمت والدتها تعهدًا بإنجاز الأوراق المطلوبة، ما أتاح لابنتها الاستمرار في المدرسة إلى حين تسوية وضعها.
ولا تقتصر المشكلة على هذه الطفلة، إذ تحدثت عائلات من داريا إلى عنب بلدي عن أطفال لم تُسجل ولاداتهم أو لم تُثبت زيجات والديهم خلال سنوات الحرب والنزوح، بينما ترتبط حالات أخرى بفقدان الوثائق أو الاعتقال والفقدان، أو حتى تسجيل أحد الوالدين على أنه متوفى.
وتسمح الإجراءات المتبعة في بعض هذه الحالات للأطفال بمتابعة الدراسة مؤقتًا، لكن تثبيتهم في السجلات المدرسية والحصول على وثائق تعليمية رسمية يبقيان مرتبطين باستكمال أوراقهم المدنية، وهي عملية قد تحتاج إلى دعاوى لتثبيت الزواج والنسب أو إلغاء واقعة وفاة، وما يرافق ذلك من إجراءات وكلفة لا تستطيع جميع الأسر تحملها.
عام دراسي بلا جلاء رسمي
تزوجت نور، وهي من أهالي داريا، بعقد أُجري في مدينة الكسوة بحضور شهود، ثم سافرت إلى تركيا وأنجبت ابنتها هناك.
وتقول إنها فقدت وثيقة ولادة طفلتها خلال الزلزال، وعادت إلى داريا ومعها نسخة من عقد الزواج، لكنها لم تتمكن من استخراج وثيقة الولادة من مدينة الريحانية التركية.
وازدادت المشكلة تعقيدًا بعد انفصالها عن والد الطفلة، إذ تقول نور إنه رفض الاعتراف بزواجه منها وبابنته، ما دفعها إلى توكيل محامٍ ومتابعة القضية أمام القضاء.
وعندما بلغت ابنتها سن الدراسة، راجعت نور مديرية التربية وأعدت أوراقًا أتاحت إدخالها إلى الصف الأول، إلا أن المدرسة، بحسب الأم، أوضحت لها أن التسجيل مؤقت، وأن الطفلة لن تحصل على جلاء مدرسي أو وثيقة تعليمية رسمية قبل استكمال أوراقها المدنية.
وقدمت نور تعهدًا بإنجاز الوثائق، فواصلت ابنتها الدراسة وانتقلت إلى الصف الثاني، بينما بقي ما حصلت عليه عن الصف الأول بيان درجات غير مختوم.
وتنتظر الأم حكمًا قضائيًا يتيح لها استكمال إجراءات إثبات الزواج ونسب ابنتها.
ويرتبط النزاع بينها وبين زوجها السابق أيضًا بحقوق مالية تقول نور إن من بينها ذهبًا أخذه منها. ووفق روايتها، طلب القاضي شهودًا لإثبات هذه المطالبة، في حين تقول إنها لا تستطيع تقديم شهود عليها.
وتقول نور إن زوجها السابق اشترط تنازلها عن حقها مقابل استكمال الإجراءات، بينما تتمسك بالمطالبة بما تعتبره حقًا لها وتقول إنها تحتاج إليه للإنفاق على ابنتها.
الاعتقال والفقدان يعقدان التسجيل
في أسرة فاطمة النكاش، تراكمت حالات الزواج والولادة غير المسجلة خلال سنوات الحرب، وأصبحت المشكلة اليوم مرتبطة باستخراج وثائق لأطفال ترعاهم الأسرة.
وتقول النكاش، وهي من أهالي داريا، إن أحد أبنائها تزوج عام 2017 بعقد لم يسجل رسميًا.
وبحسب السيدة، كان أبناؤها مطلوبين للسلطات آنذاك بسبب وجودهم مع شباب من الجيش الحر، ما حد من قدرتهم على مراجعة الدوائر الرسمية واستكمال معاملات الزواج والولادة.
وأنجب أفراد من الأسرة أطفالًا لم تثبت ولاداتهم في السجلات المدنية أو أمام المحكمة.
وتزداد إحدى الحالات تعقيدًا بسبب اعتقال أم لأربعة أطفال وفقدان أثرها، إذ تقول النكاش إن الأسرة لا تعرف مكان وجودها حتى الآن. وكانت النكاش نفسها قد أمضت سبع سنوات في الاعتقال.
وبحسب روايتها، كانت إحدى طفلات ابنتها في عمر شهرين عندما اعتقلت والدتها، ثم أنجبت الأم طفلة أخرى في السجن عام 2018، وهي من الأطفال الذين لم يسجلوا رسميًا.
وتقول النكاش إن الأسرة تحتاج اليوم إلى تثبيت الأطفال في السجلات، لكنها لم تتمكن من تحمل كلفة توكيل محامٍ، ورغم أنها راجعت محاميًا أبدى استعداده لمساعدتها مقابل نصف الأتعاب، إلا أنها لم تستطع تأمين المبلغ.
ولا ترتبط الوثائق بالنسبة إلى هؤلاء الأطفال بالمدرسة وحدها، إذ تحتاج الأسرة إلى إثبات رسمي لهوياتهم ونسبهم لاستكمال معاملاتهم الأخرى.
مسجل متوفى وأطفاله بلا أوراق
في حالة أخرى، تبدأ المشكلة قبل تسجيل الأطفال أنفسهم.
يروي أبو جمال، وهو من أهالي داريا ويقيم حاليًا في إدلب، أن والدته سجلت شقيقه على أنه متوفى خلال سنوات الحرب لتجنب سوقه إلى الخدمة العسكرية.
وعاش الشقيق لاحقًا في إدلب، حيث تزوج وأنجب أطفالًا. لكنه، بحسب أبو جمال، لا يملك حاليًا وثيقة تثبت شخصيته، ويحتاج قبل العودة إلى داريا وتسوية أوضاع أسرته إلى إثبات أنه ما يزال على قيد الحياة، ثم تثبيت زواجه ونسب أطفاله.
وقالت المحامية آلاء ضبيان، من مؤسسة “فكر وبناء”، لعنب بلدي، إن معالجة حالة الشخص المسجل متوفى تبدأ بدعوى لفسخ أو شطب واقعة الوفاة أمام محكمة الصلح المدني في داريا.
وبعد إلغاء الواقعة، يمكن الانتقال إلى المحكمة الشرعية لتثبيت الزواج والنسب إذا كان لديه أطفال، وفق ضبيان.
لكن هذه الإجراءات تصبح أكثر تعقيدًا عندما لا يملك الشخص وثيقة رسمية تثبت هويته، إذ قالت ضبيان إن متابعة الدعوى تتطلب وجود إثبات لشخصية صاحبها.
من تثبيت الزواج إلى تسجيل الطفل
تختلف الإجراءات المطلوبة باختلاف حالة كل أسرة والوثائق المتوفرة لديها.
وبحسب ضبيان، فإن الأطفال الذين ولدوا خلال سنوات الحرب ولم يسجلوا، في حالات لا يكون فيها الأب موجودًا ولا يتوفر جد أو عم يستطيع متابعة الملف، قد يحتاج تسجيلهم إلى دعوى لتثبيت الزواج والنسب، وقد يطلب القاضي شهودًا لإثبات واقعة الزواج.
وأضافت أن الولادات التي مضى عليها أكثر من سنتين قد تحتاج إلى حكم قضائي لتثبيت النسب بدلًا من الاعتماد على وثيقة الولادة الصادرة عن المشفى ضمن المدة المعتادة.
وتظهر أهمية الشهود أيضًا في النزاعات المتعلقة بالحقوق المالية المترتبة على الزواج.
وفي حالة نور، قالت ضبيان إن المطالبة بالذهب تتطلب تحديد ما أُخذ من حيث النوع والعدد والوزن، إضافة إلى تقديم شهود على الواقعة، وإذا تعذر إثبات هذه المطالبة، فقد تتعذر المطالبة بهذا الجزء من الحقوق، بينما يمكن إثبات حقوق أخرى، مثل المهر، إذا كانت موثقة.
الاستشارة مجانية.. والدعوى على نفقة الأسرة
تحاول بعض الأسر الوصول إلى حل عبر الاستشارات القانونية، لكن الانتقال من معرفة الإجراء المطلوب إلى رفع الدعوى يمثل عقبة أخرى.
وتقدم مؤسسة “فكر وبناء” استشارات في القضايا المدنية والعقارية والشرعية، ومنها الزواج والطلاق والنسب وتثبيت الزواج وحقوق الملكية وفض بعض النزاعات، مع إعطاء الأولوية للعائدين وأسر الشهداء والمفقودين.
وتشمل خطط تطوير الخدمة، بحسب ضبيان، العائدين الذين لديهم ولادات حدثت خارج البلاد أو عقود زواج لم يتمكنوا من تثبيتها.
لكن الخدمة المقدمة حاليًا تقتصر على الاستشارة والتوجيه القانوني، ولا تغطي أتعاب المحامي أو تكاليف الدعوى. فعندما تحتاج الأسرة إلى تثبيت زواج أو نسب أمام القضاء، يوضح لها المحامي نوع الدعوى والأوراق المطلوبة، من دون أن تتولى المؤسسة تمثيلها أمام المحكمة.
ويترك ذلك أسرًا، مثل أسرة فاطمة النكاش، أمام إجراء قانوني تعرف ما تحتاج إليه لإنجازه، لكنها لا تملك كلفته.
وتبدأ الاستفادة من الخدمة بحجز موعد عبر استمارة، ثم تتواصل المؤسسة مع صاحب الطلب لتحديد موعد الاستشارة.
وتقول المحامية ضبيان إن الخدمة توسعت خلال الشهر الحالي لتشمل الاستشارات عن بعد للأشخاص الذين تمنعهم المسافة أو حالتهم الصحية من الوصول إلى المركز.
وشملت الاستشارات عن بعد حالات من تركيا والكسوة ومناطق أخرى، عبر «جوجل ميت»، وفي بعض الحالات عبر «واتساب»، ووصل عدد الحالات التي تعاملت معها الخدمة خلال نحو ثلاثة أشهر إلى قرابة 60 حالة، وفق ضبيان.
وفي حال توسع المشروع مستقبلًا ليشمل التوكيل، قالت ضبيان إن المؤسسة يمكن أن تتولى بعض القضايا المدنية والشرعية الإقرارية، ومنها تثبيت الزواج والنسب، عندما لا تكون هناك خصومة ويكون هناك طرف يستطيع الإقرار بالواقعة.
أما الحالات التي يرفض فيها أحد الأطراف الاعتراف بالزواج أو النسب، فتحتاج إلى خصومة قضائية وتمثيل قانوني مباشر.
وبالنسبة إلى الأطفال، ينعكس طول هذه الإجراءات خارج المحكمة أيضًا. فابنة نور موجودة في الصف الثاني، وقد أمضت عامًا دراسيًا كاملًا قبل ذلك، لكن إثبات هذين العامين بوثائق مدرسية رسمية يبقى مرتبطًا بحسم ملفها المدني.