عندما عاد المهندس حامد زيادة (70 عامًا) إلى داريا أواخر تشرين الأول 2018، كان أول من استقر فيها بعدما فُتحت أمام عودة السكان.
كانت المدينة قد بدأت قبل أسابيع باستقبال سكان سُمح لهم بالدخول وفق قوائم وموافقات، لكن الدخول إلى المنزل وتفقده كان مختلفًا عن قرار البقاء والعيش في مدينة تغيب عنها الخدمات وتسد الأنقاض أجزاء من طرقها وحاراتها.
كان شارع داريا الرئيسي من المسارات القليلة التي تستطيع السيارات المرور فيها، بينما وصل ارتفاع الأنقاض في بعض النقاط قرب منزل زيادة إلى نحو متر ونصف، بحسب ما قاله لعنب بلدي، فبدأ مع أولاده بإزاحتها وفتح ممر يمكنهم استخدامه.
وكانت العودة الرسمية إلى داريا قد بدأت تدريجيًا قبل ذلك. ففي 6 من أيلول 2018، أعلنت البلدية قوائم بأسماء أشخاص سُمح لهم بالدخول، وحددت 9 من الشهر نفسه موعدًا لبدء استقبالهم وتسليمهم بطاقات عند مدخل المدينة من جهة المتحلق الجنوبي.
وفي ذلك اليوم، دخل 470 شخصًا، بحسب ما نشره المكتب التنفيذي للمدينة حينها، مع السماح لهم بالدخول والخروج.
لكن فتح المدينة لم يكن يعني أنها أصبحت جاهزة للسكن، رغم أن خطة أولية أُعلنت في آذار من العام نفسه تحدثت عن فتح الطرق وإزالة الأنقاض وتأهيل جزء من داريا الشمالية، بما يشمل الدوار الرئيسي والمخفر والبلدية والشاميات والطريق باتجاه معضمية الشام، تمهيدًا لعودة قسم من السكان.
بيت بلا أبواب ونوافذ
وجد حامد زيادة منزله قائمًا، لكن أبوابه ونوافذه لم تكن موجودة، وكانت أجزاء منه متضررة بالحريق والدمار.
بدأ مع أولاده بتنظيفه وإصلاح ما يستطيعون بأنفسهم، وأغلقوا فتحات النوافذ بالنايلون والبطانيات لمواجهة البرد، واستخدموا مدفأة تعمل بالحطب المتوفر بين الأنقاض، من أخشاب أثاث المنازل المحطم.
ويتذكر زيادة أن البرد والهواء كانا شديدين إلى درجة تجبرهم أحيانًا على البقاء داخل المنزل طوال اليوم.
«بدأنا من الصفر»، يقول زيادة، موضحًا أن إصلاح المنزل لم يكن مجرد شراء مواد وإحضار ورشات ترميم، إذ كان كثير من العمال يترددون في دخول داريا في تلك الفترة.
ويتذكر أنه واجه صعوبة في إحضار عامل ألمنيوم إلى داريا، فتولى مع أولاده وصهره جزءًا كبيرًا من العمل، من التنظيف وإصلاح الأبواب والنوافذ إلى تمديدات الكهرباء وبعض أعمال الصرف الصحي.
ومع دخول مزيد من السكان إلى المدينة، أصبح العثور على العمال وإحضارهم إلى داريا أسهل.
داريا تغيرت معالمها
لم تكن الأنقاض تعيق الحركة فقط، بل غيرت معالم أماكن عرفها زيادة طوال سنوات حياته في المدينة.
عندما حاول الوصول إلى مزرعته في منطقة الصويتي، خرج أكثر من مرة على دراجته من دون أن يستطيع تحديد موقعها. كانت السواتر الترابية والدمار قد غيرا معالم المنطقة التي يعرفها.
وفي إحدى المحاولات، لمح مزرعة أخرى استطاع التعرف إليها، واستخدم موقعها ليستدل على أرضه، وعندما وصل إليها وجدها متضررة.
وبحسب مشاهداته في تلك الفترة، كان الضرر في منطقة الشاميات أقل من مناطق أخرى، بينما كانت الأضرار والأنقاض أكبر في أجزاء من داخل داريا بعيدًا عن الشوارع الرئيسية.
وكانت المدينة قد تعرضت لدمار واسع خلال سنوات الحصار والعمليات العسكرية بين عامي 2012 و2016، التي استمرت حتى الأسابيع الأخيرة قبل إخلاء من تبقى فيها من السكان ومقاتلي المعارضة أواخر آب 2016.
وبقيت داريا مغلقة أمام عودة سكانها نحو عامين، تعرضت خلالهما المنازل والممتلكات العامة والخاصة لعمليات نهب واسعة طالت الأثاث والأبواب والنوافذ والتمديدات الداخلية، ووصلت إلى الأرضيات الرخامية وحديد الأسقف، إلى جانب كابلات وتجهيزات من شبكات البنية التحتية.
الكهرباء من الحاجز والمياه بالغالونات
بعد تجهيز جزء من المنزل يمكن السكن فيه، كان على حامد زيادة تدبير الكهرباء والمياه.
كان في داريا حينها خط كهرباء وحيد يصل إلى الحاجز الأمني عند الدوار، وتمكن زيادة من مد خط منه إلى منزله لمسافة تقارب 250 مترًا. ويقول إن التيار كان يصل في ذلك الوقت لفترات طويلة نسبيًا، لقلة عدد السكان والاستهلاك.
أما المياه، فكانت الأسرة تحصل عليها من خزانات كبيرة قرب الحاجز، وتملأ منها الغالونات وتحملها إلى المنزل، واستمر الأمر على هذا الحال حتى أُصلحت الشبكة وبدأ وصول المياه لاحقًا.
ويتذكر زيادة أن تعامل عناصر الحواجز مع السكان خلال الفترة الأولى من العودة كان مختلفًا عما توقعه، وقال إن بعضهم ساعد العائدين في الحصول على المياه والكهرباء.
ولا يُعرف سبب ذلك التغير في التعامل، لكنه زيادة يضعه في الفترة التي بدأت فيها السلطات السماح المنظم بعودة السكان.
وكان الدخول إلى داريا في أيلول 2018 لا يزال مرتبطًا بقوائم أسماء وبطاقات، ولم تكن المدينة مفتوحة لجميع سكانها من دون إجراءات مسبقة.
عامان بلا سكان
غادر حامد زيادة داريا مع أسرته أواخر عام 2012، مع اشتداد الحملة العسكرية وبدء نزوح أهالي المدينة.
وبقيت داريا بعد ذلك تحت الحصار والعمليات العسكرية حتى آب 2016، حين أُخلي من تبقى فيها من السكان ومقاتلي المعارضة، ثم ظلت مغلقة أمام عودة الأهالي نحو عامين.
في 26 من آب 2016، بدأ تنفيذ اتفاق إخلاء من تبقى داخل المدينة من مدنيين ومقاتلين بعد سنوات من الحصار.
ولم تتبع الإخلاء عودة مباشرة للسكان، وفي آذار 2018، أي بعد نحو عام ونصف، ظهرت خطط معلنة لجمع بيانات الراغبين في العودة، بالتزامن مع الحديث عن إزالة الأنقاض وتأهيل أجزاء من المدينة.
وفي أيلول من العام نفسه، بدأ السماح للسكان بالدخول على دفعات.
ووصل زيادة بعد ذلك بأسابيع، لكنه لم يدخل لتفقد منزله ثم يغادر، بل قرر الاستقرار فيه والعودة إلى الحياة في داريا.
«كنت مستعدًا لنصب خيمة»
كان زيادة يعرف أن ظروف السكن في داريا ستكون صعبة، ولم يكن حجم الدمار الذي وجده سببًا بالنسبة إليه للتراجع عن قرار البقاء.
«كنت مستعدًا أنصب خيمة وأقعد فيها»، يقول لعنب بلدي.
وكان الوضع المادي للأسرة بعد سنوات التهجير محدودًا، لذلك استخدم الدراجة في تنقلاته ونفذ مع أولاده كثيرًا من أعمال إصلاح المنزل، لكنه يضع السبب الأساسي لعودته في علاقته بداريا.
ويقول إنه لم يعتبر السنوات التي عاشها خارج المدينة جزءًا من حياته الطبيعية، وإنه شعر براحة أكبر بعد عودته، رغم أنه كان يحمل المياه بالغالونات ويعيش في منزل لم تكتمل أبوابه ونوافذه.
وجاءت العودة أيضًا بعد تجربة اعتقال وخسارات داخل العائلة، فقد أمضى حامد زيادة 11 شهرًا في الاعتقال، وفقد والده وأخاه وأبناء أخيه.
وبعد استقراره مع أسرته في المدينة، بدأ أشخاص يأتون إلى منزله. بعضهم لم يكن يعرفه، لكن خبر وجود عائلة تسكن بالفعل داخل داريا كان كافيًا ليأتوا ويتأكدوا بأنفسهم.
«كانوا يجوا حتى يتأكدوا بأنفسهم أني فعلًا سكنت في البلد، لأنهم ما كانوا مصدقين»، يقول زيادة.
كان الزوار يسألونه عن الوضع داخل المدينة، وعن الحواجز والخدمات وإمكانية إصلاح المنازل والسكن فيها، وكان يخبرهم بما يراه ويعيشه منذ عودته.
ويعتقد زيادة أن استقراره شجع آخرين على العودة بعدما رأوا أن عائلة بدأت تعيش داخل المدينة رغم ظروفها.
العودة تصبح أصعب مع الوقت
مع مرور الوقت، بدأ مزيد من السكان بالعودة إلى داريا.
ولا يربط حامد زيادة تأخر بعض الأهالي في اتخاذ قرار العودة بالخوف أو بالدمار وحدهما، فخلال سنوات النزوح واللجوء، التحق الأطفال بمدارس جديدة، وبدأ الشباب أعمالًا ومشاريع، وبنت العائلات حياة وعلاقات خارج داريا، ومع مرور الوقت أصبحت هذه الروابط عاملًا إضافيًا يصعّب العودة.
ويستشهد بأسرته، قائلًا إنه لو انتظر سنة أو سنتين إضافيتين، ربما أصبح من الأصعب إعادة أولاده، مع ازدياد ارتباطهم بالدراسة والعمل والحياة في مكان آخر.
أما قراره هو، فيقول إنه كان محسومًا منذ دخوله داريا في خريف 2018.
وبعد نحو ثماني سنوات على تلك العودة، يختصر زيادة سبب بقائه منذ الأيام الأولى بقوله: «هذا بلدك ووطنك، ويجب أن تبنيه. ما حدا غريب رح يبنيه لك».