تبدأ أم خالد يومها في العمل، وتنهيه بحمل قطعة ثلج إلى منزلها الواقع على شارع الكورنيش بعد دوار الشهداء في داريا.
لا تشتري الثلج لمناسبة عائلية أو لتبريد مشروبات في يوم صيفي، بل لأنه أصبح بديلها اليومي عن البراد الذي لا تستطيع تشغيله، في ظل غياب الكهرباء عن منزلها وارتفاع كلفة تمديدها.
وتكشف قصة أم خالد، إلى جانب شهادات أخرى جمعتها عنب بلدي، كيف تحولت أكياس الثلج وقطعه إلى جزء من روتين بعض الأسر في داريا، ليس بسبب الحر وحده، بل بسبب تفاوت وصول الكهرباء بين الأحياء، وعدم قدرة بعض العائلات على تحمل تكاليف إيصالها أو تشغيل الأجهزة المنزلية الأساسية.
قطعة ثلج بعد العمل
يبعد أقرب عمود كهرباء عن منزل أم خالد نحو 500 متر، وهي مسافة تجعل تمديد الكهرباء إلى المنزل مكلفًا بما يفوق قدرتها.
لذلك اكتفت بتمديد أمبير بسيط من علبة قريبة، لكنه لا يكفي لتشغيل البراد أو الأجهزة المنزلية التي تحتاج إلى استطاعة أعلى.
بعد انتهاء دوامها في أحد المعامل، تمر أم خالد يوميًا على بائع الثلج، تشتري قطعة أو أكثر، وتحملها سيرًا على الأقدام حتى منزلها.
تقول لعنب بلدي إن وزن الثلج يرهقها، لكنها لا تملك بديلًا آخر لحفظ الماء وبعض الطعام خلال اليوم.
ولا تقتصر الصعوبة على حمل الثلج أو دفع ثمنه يوميًا، إذ تبدي أم خالد قلقها من جودة المياه المستخدمة في صناعته، لذلك تضع القطعة داخل كيس إضافي قبل وضعها في برادة مياه صغيرة.
أما أكياس الثلج المغلفة والجاهزة، فتصفها بأنها أغلى ثمنًا وأسرع ذوبانًا، ولا يكفي كيس واحد احتياجات أسرتها المؤلفة من خمسة أشخاص.
وتتراوح أسعار الثلج، بحسب بائعين وسكان، بين أربعة وخمسة آلاف ليرة سورية للكيس، ونحو خمسة آلاف ليرة لقطعة الثلج الكبيرة، تبعًا لحجمها ومصدرها.
براد بلا كهرباء كافية
في منطقة السكة، تمتلك أم أحمد برادًا في منزلها، إلا أن وجوده لا يعني قدرتها على استخدامه كما تحتاج.
تقول لعنب بلدي إنها تشغله ساعتين أو ثلاث ساعات يوميًا عبر اشتراك الأمبير، وهي مدة تكفي بالكاد للحفاظ على بعض الطعام، لكنها لا تسمح بتجميد الماء أو صناعة الثلج داخل المنزل.
لذلك تضطر إلى شراء الثلج بشكل متكرر، رغم أن جزءًا منه يذوب قبل وصوله إلى البيت بسبب بعد المسافة، خاصة أنها تعيش مع طفلين صغيرين ولا تجد دائمًا من يساعدها في حمله.
بالنسبة لأم أحمد، لا تكمن المشكلة في امتلاك البراد، بل في القدرة على تشغيله لساعات كافية تجعله مفيدًا فعلًا.
كهرباء ضعيفة وحلول مؤقتة
قرب جامع العباس، يعتمد مظهر مرداش على شراء الثلج بصورة مستمرة، لأنه لا يملك برادًا في منزله، كما أن الكهرباء في المنطقة، بحسب قوله، ضعيفة وغير مستقرة.
ويقول لعنب بلدي إن استمرار هذا الواقع يدفع السكان إلى البحث عن حلول مؤقتة لتبريد المياه وحفظ الطعام، بانتظار وصول تغذية كهربائية أكثر استقرارًا إلى الحي.
وتتشابه شهادات السكان في الإشارة إلى أن شراء الثلج لم يعد مرتبطًا بأيام الحر الشديد فقط، بل أصبح بديلًا يوميًا أو شبه يومي لدى عائلات لا تصلها الكهرباء أو لا تستطيع تشغيل البراد عبر الأمبيرات بسبب الكلفة.
بائع الثلج يواجه المشكلة نفسها
على بسطة صغيرة، يقف فهد أبو زيد لبيع الثلج الذي يجلبه من معامل في المنطقة الصناعية.
ويقول لعنب بلدي إن الإقبال هذا العام أقل من العام الماضي، مرجحًا أن يكون تحسن الكهرباء في بعض المناطق واعتدال درجات الحرارة حتى الآن من أسباب تراجع الطلب.
ويقدر عدد زبائنه اليوميين بنحو 25 شخصًا، بعدما كانت الكميات تنفد بسرعة أكبر خلال الصيف الماضي.
لكن فهد لا يتحدث بصفته بائعًا فقط، فهو يواجه المشكلة نفسها في منزله القريب من المشفى الوطني.
ويقول إن أقرب عمود كهرباء يبعد عن منزله بين 300 و400 متر، ما يجعل إيصال الكهرباء إليه مكلفًا.
ويروي أن بعض السكان تمكنوا من مد كابلات لمسافات طويلة تصل إلى 600 أو 700 متر للحصول على الكهرباء، بينما عجز آخرون عن تحمل هذه النفقات.
ويشير إلى أن أحد جيرانه دفع نحو 700 ألف ليرة سورية ثمنًا للكبل فقط، من دون احتساب رسوم الاشتراك أو التوصيلات الأخرى.
أما هو، فما تزال هذه الكلفة أعلى من قدرته المادية، كما هي حال عائلات أخرى تنتظر استكمال تمديدات الكهرباء في المنطقة.