بعد سنوات من الحرب والانقطاع.. طلاب في داريا يعودون إلى مقاعد الدراسة بحثًا عن مستقبل جديد

لم يكن دخول قاعة الامتحان حدثًا عاديًا بالنسبة لعلي اللحام أو سفيان مراد أو غيث البسيمي أو ماجد حبيب. فبعد سنوات طويلة من الانقطاع عن الدراسة بسبب الحرب وما رافقها من نزوح وملاحقة وظروف معيشية قاسية، عاد هؤلاء الطلاب في داريا إلى مقاعد الدراسة، مدفوعين برغبة قديمة لم تنطفئ في التعلم، وأمل بأن تفتح الشهادة أبواب العمل أو الجامعة أو ببساطة تمنحهم فرصة جديدة لمواصلة ما انقطع.

وبين طلاب ابتعدوا عن المدرسة منذ أكثر من عقد، وآخرين تجاوز انقطاعهم عشرين عامًا، تتحول قاعات الامتحانات في المدينة إلى مساحة تجمع قصصًا مختلفة، لكنها تلتقي عند فكرة واحدة: أن الحرب أوقفت التعليم سنوات، لكنها لم تنه الرغبة فيه.

سنوات من الانقطاع والعودة إلى الدراسة

كان علي اللحام انقطع عن الدراسة منذ 14 عامًا بسبب الأحداث التي شهدتها سوريا، قبل أن يقرر العودة واستكمال طريقه التعليمي.

وقال لعنب بلدي إن قرار العودة لم يكن سهلًا بعد هذه السنوات الطويلة، لكنه شعر أن انقطاعه كان خارج إرادته، وأن الوقت حان لاستعادة ما فقده.

وأضاف: “انقطعنا بسبب الثورة وكان الأمر غصبًا عنا، وحبيت أرجع وأكمل طريق العلم. بحب العلم وبدي تكون بلدنا مزدهرة بالعلم”.

خاض علي حتى الآن ثلاثة امتحانات، ويقول إن أصعب ما واجهه هو استعادة عادة الدراسة بعد سنوات طويلة من الابتعاد عنها، إلا أن الدورات التعليمية ومساعدة الأساتذة خففت من هذه الصعوبة.

ولا يرى علي أن الحصول على الشهادة هو نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة، إذ يخطط للالتحاق بالجامعة إذا تمكن من النجاح.

الحرب والملاحقة أوقفتا التعليم

أما سفيان مراد، فانقطع عن الدراسة قبل 15 عامًا مع بداية الثورة السورية.

أنهى سفيان المرحلة الثانوية حينها، لكنه قال إن ملاحقته من قبل النظام السابق حالت دون استكمال تعليمه، قبل أن يجد نفسه اليوم أمام فرصة جديدة.

وأوضح لعنب بلدي أن العودة إلى الدراسة بعد كل هذه السنوات ليست سهلة، فبعض المواد تحتاج إلى جهد مضاعف، بينما ساعده شرح الأساتذة والدورات المكثفة على تجاوز جزء من الصعوبات.

وقال: “العلم سلاح، وهذا هو الحافز الأساسي بالنسبة إلي. كنت أتمنى دراسة الفرع العلمي، لكني تأخرت في التسجيل فسجلت في الفرع الأدبي، وإذا نجحت وكان معدلي جيدًا فسأتابع في الجامعة”.

مبادرة للطلاب المنقطعين عن الدراسة

وقال ياسر جمال الدين، مدير فريق “منارة وطن” ومنسق المبادرة المخصصة للطلاب المنقطعين عن الدراسة، إن الفكرة بدأت بعد تواصل أربعة شبان مع الفريق بحثًا عن مكان يساعدهم على استكمال تعليمهم بعد سنوات من الانقطاع.

وأوضح لعنب بلدي أن هؤلاء كانوا يواجهون صعوبة في الالتحاق بالمعاهد الموجودة بسبب فارق العمر بينهم وبين الطلاب النظاميين، إضافة إلى الفجوة التعليمية الناتجة عن سنوات الانقطاع وعدم ملاءمة أوقات عملهم لمواعيد الدورات التقليدية.

وأضاف أن الفريق أنشأ مجموعة عبر تطبيق “واتساب” وبدأ بتوسيعها داخل داريا، قبل التنسيق مع مدرسين لتقديم دورات مكثفة تركز على المواد الأساسية التي تساعد الطلاب على تجاوز الامتحانات خلال فترة زمنية قصيرة.

وأشار إلى أن المبادرة استهدفت الأشخاص الذين انقطعوا عن الدراسة بسبب ظروف الثورة والحصار في داريا أو النزوح والإصابة، وتتراوح أعمارهم بين 25 عامًا وما فوق.

وبحسب جمال الدين، بلغ عدد الطلاب المسجلين في دورات شهادة التعليم الأساسي 77 طالبًا، مقابل 34 طالبًا لشهادة البكالوريا، مشيرًا إلى أن المبادرة لم تقتصر على الدروس، بل شملت أيضًا مساعدة الطلاب في التسجيل للبطاقات الامتحانية واستخراج الوثائق والتنسيق مع المجمع التربوي لحل المشكلات المتعلقة بالأوراق الثبوتية.

وأضاف أن الدورات أقيمت في المركز الثقافي ومراكز أخرى خلال الفترة المسائية، بعد انتهاء الطلاب من أعمالهم اليومية، إذ استمرت بعض الحصص حتى الساعة العاشرة مساءً بما يتناسب مع ظروفهم.

وأوضح أن المبادرة ساعدت كثيرين على تجاوز حاجز الخوف من العودة إلى الدراسة، مشيرًا إلى أن أحد المتقدمين شجع آخرين بعد أن قرر التقدم للامتحان رغم بلوغه 66 عامًا.

وختم بالقول إن الفريق خصص المبادرة هذا العام للمنقطعين عن الدراسة تحديدًا، لأن الطلاب النظاميين يمتلكون فرصًا تعليمية أكثر، بينما يفتقر كثير من المنقطعين إلى خيارات مشابهة تساعدهم على استكمال تعليمهم.

الشهادة بوابة إلى العمل

ويشارك غيث البسيمي القصة نفسها، وإن كانت سنوات انقطاعه أطول. فقد ابتعد عن الدراسة منذ عام 2009، قبل أن يقرر العودة مدفوعًا بالرغبة في تطوير نفسه وزيادة فرصه في سوق العمل.

وقال لعنب بلدي إن الشهادة أصبحت عاملًا مهمًا في الحصول على وظيفة، وهو ما دفعه إلى استكمال تعليمه رغم سنوات الانقطاع الطويلة.

وأضاف: “الرغبة بتطوير نفسي كانت السبب الأساسي. بوقتنا الحالي الشخص الذي يحمل شهادة يكون مقدمًا على الشخص الذي لا يحمل شهادة، وهذا حفزني لأكمل دراستي”.

ويقر غيث بأن العودة إلى الدراسة بعد أكثر من 15 عامًا ليست سهلة، لكنه يقول إن الدورات المكثفة وشرح الأساتذة ساعداه على استيعاب المنهاج، مضيفًا أن طموحه لا يتوقف عند البكالوريا، بل يطمح إلى متابعة دراسته الجامعية إذا نجح في امتحاناته الحالية.

العودة رغم عقدين من الغياب

ولا تختلف قصة ماجد حبيب كثيرًا عن زملائه، وإن امتدت فترة انقطاعه أكثر من عشرين عامًا.

فماجد، البالغ من العمر 39 عامًا، ترك الدراسة عام 2002 واتجه إلى العمل، ثم عايش سنوات الحرب والحصار، واضطر إلى مغادرة داريا نحو شمال غربي سوريا، قبل أن يعود إليها بعد سقوط النظام السابق.

ويقدم اليوم امتحانات شهادة التعليم الأساسي (التاسع)، رغم أن آخر مرة جلس فيها على مقعد دراسي كانت قبل سنوات طويلة.

وقال لعنب بلدي إن متطلبات العمل كانت الدافع الأبرز لعودته، إذ كان يصطدم مرارًا بشرط امتلاك شهادة دراسية في الوظائف التي يتقدم إليها.

وأضاف: “كل مكان كنت أتقدم إليه بطلب للعمل كانوا يطلبون شهادة، لذلك قررت العودة لأكمل دراستي”.

ويؤكد ماجد أن طول فترة الانقطاع جعل الدراسة صعبة في البداية، لكنه مصمم على الاستمرار.

وقال: “إذا لم أنجح هذا العام سأعيد الامتحان مرة ثانية وثالثة حتى أحصل على الشهادة”.

ويخطط ماجد، مثل زملائه، لمتابعة مرحلة البكالوريا ثم الجامعة لاحقًا.

مدرسون يرون فيهم قدوة

ويرى مدرس الجغرافيا جمال الأقدر أن ما يفعله هؤلاء الطلاب يتجاوز محاولة الحصول على شهادة، ليصبح رسالة أوسع لأبناء المدينة.

وقال لعنب بلدي إن كثيرًا من الطلاب المنقطعين كانوا تلاميذه قبل سنوات، وهو يشعر اليوم بسعادة كبيرة لرؤيتهم يعودون إلى الدراسة بعد كل ما مروا به.

وأضاف أن هؤلاء أصبحوا قدوة لأبنائهم وبناتهم وللمجتمع المحلي، لأنهم اختاروا العودة إلى التعليم رغم العمر والظروف الصعبة.

وقال: “هؤلاء تعبوا خلال سنوات الحرب والتحرير، واليوم عادوا إلى مقاعد الدراسة ليقولوا إن داريا وسوريا هما بلد العلم والحرية”.

وفي قاعات الامتحان التي يجلس فيها طلاب في العشرينات إلى جانب آخرين اقتربوا من الأربعين، تبدو الشهادات هدفًا مهمًا، وبالنسبة لكثيرين منهم، تمثل العودة إلى الدراسة محاولة لاستعادة سنوات انقطعت، وإثبات أن الحرب لم تستطع إلغاء الرغبة في التعلم أو تأجيل الأحلام إلى الأبد.

مقالات ذات صلة

الاستثمار في داريا.. فرص للمغتربين أم مخاطرة بالمدخرات؟

بعد ثماني دورات.. تكريم المشاركات في بازار «سيدات الريف» بداريا

تزفيت حارة مجوهرات الغوطة في داريا.. الأهالي ينتظرون الأرصفة