الجامع الكبير في داريا.. لماذا توقفت إعادة إعماره؟

بناء الجامع الكبير غير المكتمل في مدينة داريا - 24 تشرين الأول 2026 (عنب بلدي - سعيد خشفة)

توقفت أعمال إعادة إعمار الجامع الكبير في مدينة داريا، بعد تعديل المخططات الهندسية لإزالة عمودين من داخل البناء، وتأخر عودة متعهد الأعمال الخرسانية إلى الموقع، رغم استكمال الإجراءات اللازمة لاستئناف التنفيذ، بحسب المهندس المشرف على المشروع.

ولم تحدد شعبة الأوقاف في داريا موعدًا لإنجاز الجامع، موضحة أن الموافقة على إعادة بنائه صدرت قبل سقوط النظام السابق، بموجب تعهد لم يتضمن مدة زمنية محددة للتنفيذ.

ويأتي توقف العمل في جامع ارتبط بذاكرة أجيال من سكان المدينة، بوصفه مكانًا للصلاة والتعليم، ونقطة معروفة للاستدلال على العناوين.

تعديل المخططات يؤخر استكمال البناء

قال المهندس حامد زيادة، المشرف على إعادة إعمار الجامع الكبير، لعنب بلدي، إن التحضير للمشروع بدأ قبل نحو ثلاث سنوات، وشمل إعداد المخططات واستكمال الإجراءات الإدارية اللازمة للحصول على الترخيص.

وأوضح أنه تولى الإشراف الفني قبل نحو سنة وثلاثة أشهر، عندما كانت إجراءات الترخيص شبه مكتملة، قبل إدخال تعديلات على المخططات الهندسية.

وبحسب زيادة، وصلت الأعمال إلى مرحلة صب السدة، ولم يتبق من الأعمال الخرسانية سوى سقف واحد، حين اقترح أشخاص من البلدية ومسؤولون إزالة عمودين دائريين داخل الجامع، بهدف تحسين شكل المساحة الداخلية.

وقال إن العمودين لم يكونا يشكلان عائقًا أمام استخدام الجامع، لكنه وافق على المقترح، ما استدعى إعادة دراسة المخططات ومراجعتها لدى نقابة المهندسين والأوقاف.

واستغرقت الإجراءات نحو شهرين، وشملت إعداد تقرير فني يوثق وضع البناء ويتحقق من إمكانية الاستغناء عن العمودين من دون التأثير في سلامته الإنشائية.

وأوضح زيادة أن التعديل استلزم تعويض العمودين بجسور إنشائية وكميات إضافية من حديد التسليح في السقف، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف التنفيذ.

وخلال فترة انتظار الموافقات، نقل متعهد الأعمال الخرسانية معداته إلى مشروع آخر، ولم يعد إلى الجامع بعد استكمال الإجراءات، وفق المهندس المشرف.

دفعات مسبقة تعرقل تغيير المتعهد

قال زيادة إنه اقترح الاستعانة بمتعهد آخر لاستكمال الأعمال، لكن المتعهد الحالي كان قد حصل على دفعات مالية مسبقة مقابل أعمال لم ينفذها بعد.

وأضاف أن المتعهد وافق سابقًا على تنفيذ المشروع بسعر أقل من أسعار السوق، مراعاة لكونه مسجدًا، وهو ما دفع القائمين على المشروع إلى محاولة إعادته بدلًا من التعاقد مع متعهد جديد.

وبحسب زيادة، حدد المتعهد أكثر من موعد للعودة من دون الالتزام به.

وقال إن المتعهد أبلغه في إحدى المرات بوصول العمال والمعدات إلى الجامع بعد انتهاء عملهم في صحنايا، لكنه توجه إلى الموقع ولم يجد أحدًا.

وأضاف أن المتعهد أبلغ الشخص المسجل لدى الأوقاف بوصفه المتبرع بالمشروع بوجود عمال ينفذون أعمال عزل سقف القبو، إلا أن زيارة المهندس للموقع لم تظهر وجود أعمال جارية.

وأشار زيادة إلى أن المتبرع يتابع محاولات إعادة المتعهد، بالتزامن مع ورود مساهمات من متبرعين آخرين لتأمين احتياجات البناء.

وأوضح أن المساهمين يُوجهون إلى تسديد قيمة المواد مباشرة لموردي الحديد أو الخرسانة، والحصول على إيصالات تثبت الدفع، مؤكدًا أنه لا يتسلم الأموال بنفسه.

وقال إنه يقدم خبرته وجهده في الإشراف على المشروع بصورة تطوعية، ويساهم بما يستطيع في استكماله.

وسبق لزيادة أن شارك في تدعيم جامع طه، الذي قال إنه تعرض لأضرار وصلت إلى أساساته نتيجة سقوط صاروخ عليه، كما شارك في إجراءات ترخيص جامع عمر بن الخطاب، قبل أن يتولى آخرون متابعة العمل فيه.

الأوقاف: التعهد لا يتضمن موعدًا للإنجاز

قال رامي السقا، رئيس شعبة الأوقاف في داريا، لعنب بلدي، إن مشاريع بناء المساجد وترميمها تعتمد بصورة أساسية على التبرعات، مع استمرار إشراف الأوقاف على مراحل التنفيذ والتحقق من الالتزام بالمخططات والشروط المعتمدة.

وأوضح أن المتبرع قد يقدم أرضًا لبناء مسجد، أو يتعهد بتكاليف البناء عندما تكون الأرض متوافرة، كما هي الحال في الجامع الكبير.

وبحسب السقا، قدم المتبرع تعهدًا بإعادة بناء الجامع على نفقته الخاصة، مرفقًا بالمخططات الهندسية، ثم مرت المعاملة عبر شعبة الأوقاف ومديرية أوقاف ريف دمشق، وصولًا إلى الوزارة التي أصدرت الموافقة النهائية.

وأضاف أن الأوقاف لا تتدخل في العلاقات المالية بين المتبرع والمتعهدين أو المهندسين، لكنها تتابع مطابقة التنفيذ للمخططات المعتمدة.

ويشرف على الأعمال مهندسون من طرف المتبرع، إلى جانب مهندس من الأوقاف، مع إجراء كشوفات فنية خلال مراحل البناء، وإمكانية إيقاف الأعمال عند وجود ملاحظات تستدعي المعالجة.

وعن موعد إنجاز الجامع الكبير، أوضح السقا أن المشروع يخضع لتعهد قديم صدرت الموافقة عليه قبل سقوط النظام السابق، ولم يتضمن تحديد مدة زمنية للتنفيذ.

وقال إن الأوقاف تستطيع مطالبة المتبرع باستكمال العمل، والبحث عن بديل في حال توقفه من دون مبرر مقبول، أو تأخره بصورة غير مبررة، أو عدم التزامه بالمواصفات المعتمدة.

وأشار إلى إمكانية تضمين التعهدات الجديدة مددًا محددة لإنجاز المشاريع، بخلاف التعهد الذي ينفذ بموجبه مشروع الجامع الكبير.

ولم يحدد السقا موعدًا لاستئناف العمل أو الانتهاء من إعادة البناء.

هل المسجد أثري؟

إلى جانب توقف أعمال البناء، يختلف رئيس شعبة الأوقاف وأحد أبناء داريا بشأن القيمة الأثرية لمئذنة الجامع الكبير السابقة، رغم اتفاقهما على أن بناء الجامع الداخلي كان قد جُدد في فترات سابقة.

وقال رامي السقا إن الموقع يضم جامعًا منذ نحو 800 سنة، بحسب تقديره، لكن ذلك لا يعني أن البناء الذي كان قائمًا قبل إعادة الإعمار يعود إلى الفترة نفسها.

وأضاف أن حجارة المئذنة السابقة كانت حجارة إكساء، وليست حجارة بناء قديمة، معتبرًا أن وصف المبنى السابق بالأثري غير دقيق.

في المقابل، يرى خيرو الجزر، أحد أبناء داريا، أن المئذنة القديمة كانت ذات قيمة أثرية، مستندًا إلى ما يتذكره من شكلها والتعديلات التي طرأت عليها.

وقال الجزر، المولود عام 1963، إن المئذنة كانت مربعة ومبنية من الحجارة، وكان جزؤها العلوي خشبيًا، قبل أن يُجدد باستخدام الخرسانة، ليتغير شكلها ويصبح أقرب إلى المآذن الحديثة.

ويتذكر أنه كان يشاهد المؤذن يصعد إلى المئذنة عندما كان في السابعة أو الثامنة من عمره، وأنه رآه في إحدى المرات يحمل شيئًا يلوح به لتنبيه من لا يسمعون الأذان إلى دخول وقت الصلاة.

وأوضح الجزر أنه تلقى، خلال إقامته في تركيا بعد نزوحه من داريا، صورًا تظهر أضرارًا جزئية في الجامع، شملت أجزاء من المئذنة والجدار الخارجي.

لكنه فوجئ، عند عودته إلى المدينة قبل نحو سنة وشهر، بأن الجامع أصبح مهدمًا بالكامل.

جامع ارتبط بالتعليم وحياة السكان

يتذكر خيرو الجزر الجامع الكبير بوصفه أحد المساجد الأساسية في داريا خلال طفولته، إلى جانب جوامع أنس والمنبر وأبي سليمان الداراني.

وقال إنه كان يرتاد حلقات التعليم في الجامع خلال المرحلة الابتدائية، حيث تلقى دروسًا في القرآن الكريم والحديث، إلى جانب الرياضيات واللغة العربية.

وعاد لاحقًا إلى الجامع مدرسًا في دورة صيفية، وساعد الإمام في تنظيم برنامج تعليمي مستفيدًا من خبرته في التدريس.

ولم يقتصر حضور الجامع في حياة الجزر على الصلاة والتعليم، إذ يتذكر الساحة المحيطة به وما كان يجتمع فيها من باعة متجولين، إلى جانب مقهى قريب يقصده بعض السكان لشرب الشاي وتدخين الأراجيل.

وقال إن بعض رواد المقهى كانوا يتوجهون إلى الجامع عند حلول وقت الصلاة، ثم يعودون إلى المقهى بعد انتهائها.

وكان الجامع أيضًا نقطة معروفة للاستدلال على عناوين المنازل في المدينة، حتى بالنسبة إلى سكان الأحياء البعيدة عنه.

ويقول الجزر: «نحن بيتنا بعيد عن الجامع الكبير وتسأل حدا وين العنوان تبعك؟ بنقول عند الجامع الكبير».

مساجد أُنجز ترميمها وأخرى تنتظر التمويل

ضمن أعمال إعادة تأهيل المساجد في داريا، قال رئيس شعبة الأوقاف، رامي السقا، إن ترميم جوامع صلاح الدين وفاطمة وعثمان بن عفان أُنجز بعد سقوط النظام السابق، رغم أن العمل في بعضها بدأ قبل ذلك.

وأضاف أن الأعمال مستمرة في جامع حزقيل، بينما لا يزال استكمال الجامع الكبير مرتبطًا بعودة التنفيذ.

وأشار إلى أن جامع بلال، في منطقة فشوخ، يأتي ضمن أولويات التأهيل المقبلة، بسبب حاجة المنطقة المحيطة به، موضحًا أن شعبة الأوقاف توجه المتبرعين والمنظمات والمؤسسات الراغبة بالمساهمة نحو هذا المشروع.

وقال إن تفاهمًا شفهيًا جرى مع جهة متبرعة قبل أيام من المقابلة، لكنه لم يتحول بعد إلى اتفاق رسمي.

وتُدرس، بحسب السقا، إمكانية الاستفادة من المساحات المتاحة في بناء الجامع لتخصيص طابق لمركز تعليمي وآخر لمستوصف، من دون اتخاذ قرار نهائي بشأن هذه المقترحات.

أما الجامع الكبير، فلا يزال استئناف أعماله مرتبطًا بعودة متعهد الأعمال الخرسانية أو التوصل إلى حل لاستكمال التنفيذ، في ظل غياب موعد معلن لإنجاز المشروع.

مقالات ذات صلة

تزفيت حارة مجوهرات الغوطة في داريا.. الأهالي ينتظرون الأرصفة

توسعة طريق الدحاديل بداريا.. المتجاوزون يزيلون أجزاء من أبنيتهم على نفقتهم

بلدية داريا تبدأ تمديد خط للصرف الصحي على أوتوستراد درعا بتمويل من منشآت خاصة