الحراك الثقافي والفني في داريا.. فعاليات متفرقة ودور محدود للمركز الثقافي

المركز الثقافي بداريا - 16 نيسان 2026 (عنب بلدي)

لا تزال الأنشطة الفنية والثقافية في داريا محدودة، رغم عودة بعض المرافق العامة إلى العمل في المدينة، إذ لم تتحول المعارض والحفلات والمبادرات الشبابية التي أقيمت خلال الفترة الماضية إلى حضور منتظم أو مشهد مستقر.

ويرتبط ذلك، وفق شهادات من داخل المركز الثقافي ومن شبان في المدينة، بنقص التجهيزات، وضعف الدعم والترويج، إلى جانب اعتبارات اجتماعية تؤثر في طبيعة الفعاليات وحدود المشاركة فيها.

مركز ثقافي بإمكانات محدودة

قال مدير المركز الثقافي في داريا، إبراهيم زعيتر، لعنب بلدي، إن انطلاق العمل في المركز كان صعبًا، إذ كان الموظف الوحيد فيه، وتولى الإدارة والتنسيق وأعمال النظافة، في ظل غياب الكادر الوظيفي ونقص التجهيزات الأساسية.

وأضاف أن المركز في بداياته بعد سقوط النظام لم يكن قادرًا على استضافة أنشطة فعلية، بسبب غياب الحد الأدنى من المستلزمات، حتى إن الكراسي لم تكن متوفرة.

وخلال الفترة الماضية، تحسن جزء من واقع المركز بدعم من بعض الجهات، بينها منظمة “مارس” و”التنمية السورية”، إذ بات يضم نحو 120 كرسيًا، إلى جانب أجهزة إضاءة، وبروجكتور، وشاشتي عرض، ومكيف هواء، ومدفأتين، وطابعة، ومكتبة تحتوي عددًا من الكتب.

لكن زعيتر أوضح أن هذه التجهيزات ما تزال غير كافية لبناء حركة ثقافية مستمرة، مشيرًا إلى أن بعض الجهات التي تنظم فعاليات داخل المركز تضطر إلى إحضار تجهيزاتها الخاصة.

مساحة عامة محدودة النشاط

ارتبط المركز الثقافي في داريا، قبل سقوط النظام، بأنشطة واجتماعات ذات طابع رسمي وحزبي، ولا سيما الفعاليات المرتبطة بـ”حزب البعث العربي الاشتراكي”، إلى جانب الاستقبالات الرسمية والاحتفالات المدرسية وبعض الأعمال المسرحية والفنية، فضلًا عن دورات تعليمية وخدمات مكتبية.

أما بعد سقوط النظام، فلم يعد المركز يعمل بالوتيرة نفسها ولا بالطابع السابق، إذ استضاف خلال المرحلة الأخيرة عددًا من الفعاليات المحدودة، من بينها احتفالات سياسية ذات طابع ثوري، وحفلات إنشاد ومحاضرات، إلى جانب حفلة موسيقية واحدة أقيمت خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الفرنسية في دمشق.

حضور لافت للأنشطة الدينية والاجتماعية

في المقابل، تشهد داريا حضورًا واضحًا لأنشطة ذات طابع ديني واجتماعي، من بينها حفلات إنشادية ومحاضرات فكرية ودروس ودورات متنوعة، وتعقد نسبة كبيرة منها في المساجد.

ولا يقتصر هذا الحضور على الفعاليات المرتبطة بالمناسبات، بل يشمل أيضًا أنشطة ودورات مستمرة تنظمها المساجد، ما يجعلها أحد الفضاءات البارزة في لحراك العام بالمدينة.

إلى جانب ذلك، تستضيف بعض الصالات الخاصة في داريا فعاليات ومبادرات مختلفة، وهو ما يعني أن جزءًا من النشاط الاجتماعي والثقافي يجري خارج المركز الثقافي نفسه، وبين فضاءات دينية وخاصة، لا في مرفق عام واحد يحتضن المشهد كله.

فعاليات حضرت.. والاستمرار تعثر

استضاف المركز خلال الفترة الماضية معارض رسم وحفلات موسيقية وإنشادية، بينها حفلة للمنشد عمار صرصر، وأخرى لفرقة كورال “غاردينيا”، وقال زعيتر إن هذه الفعاليات لاقت تفاعلًا جيدًا من الحضور.

لكن هذه الأنشطة لم تستمر بالوتيرة نفسها، إذ واجه بعضها تحفظات اجتماعية، خصوصًا ما يتعلق بالفصل بين الذكور والإناث، رغم أن بعض الفعاليات كانت موجهة للأطفال.

وقال زعيتر إن خصوصية داريا، بوصفها مدينة محافظة، تفرض على إدارة المركز مراعاة هذا الطابع عند تنظيم الفعاليات، مضيفًا أنه يحاول التوفيق بين فتح المجال للأنشطة الثقافية واحترام طبيعة المجتمع المحلي، والسعي إلى توازن يتيح احتضان أكبر شريحة ممكنة من السكان.

مواهب موجودة وخطط قيد التحضير

قال زعيتر إن المركز، بالتعاون مع وزارة الثقافة، يفتح أبوابه أمام أصحاب المواهب، سواء في كتابة الشعر أو إقامة المعارض والأنشطة الفنية، موضحًا أن الأعمال تقيم عبر لجان مختصة، مع إمكانية نشرها أو عرضها في حال الموافقة عليها.

وأضاف أن هناك خططًا مستقبلية تشمل تنظيم أنشطة رياضية ودورات للشطرنج، إلى جانب مبادرات لتأهيل الكوادر وتفعيل المكتبة، التي من المتوقع تجهيزها خلال شهر بدعم من أحد المتبرعين.

دعم مؤجل وترويج محدود

يرى زعيتر أن من أبرز أسباب ضعف النشاط الثقافي نقص الإمكانيات، ولا سيما ما يتعلق بالإضاءة والتدفئة والتكييف والتجهيزات اللازمة لاستقبال الناس بشكل مناسب، مضيفًا أن “المضيف يجب أن يكون قادرًا على استقبال ضيوفه بالشكل اللائق”، وهو ما لم يكن متاحًا في السابق.

وأشار إلى أن الطقس كان يؤثر أيضًا في الإقبال على الفعاليات، إذ أحجم بعض السكان عن الحضور في أوقات الحر الشديد أو البرد، قبل تأمين وسائل التدفئة والتكييف مؤخرًا.

وأضاف أنه تقدم بعدة طلبات إلى وزارة الثقافة لتأمين احتياجات المركز، من دون استجابة كافية في ذلك الوقت، رغم وعود متكررة منذ الشهر العاشر من أكثر من جهة.

وقال إن الوزارة عادت لاحقًا إلى التواصل مع الجهات المعنية، وطلبت من مديري المراكز الثقافية تقديم قوائم باحتياجاتهم، وهو ما ينتظر على أساسه ردًا جديدًا خلال الشهر المقبل.

وفي جانب آخر، قالت مروى، وهي من سكان داريا، إنها كانت تسمع عن كثير من الأنشطة بعد انتهائها، ما يشير إلى محدودية الترويج وعدم وصول أخبار الفعاليات إلى شريحة واسعة من السكان.

شباب يريدون مساحة أوسع

تقول إيناس، وهي شابة من داريا، إن كثيرًا من الأنشطة الفنية لا تلقى تقديرًا كافيًا، بل تواجه أحيانًا انتقادًا أو سخرية، ما يثني بعض الشبان عن خوض التجربة أو المشاركة فيها.

في المقابل، قال ساري، وهو شاب من داريا، إنه يرغب في رؤية مزيد من الأنشطة والفعاليات، معتبرًا أن وجودها يمنح الشباب مساحة للتعبير، ويعكس صورة أكثر انفتاحًا عن المدينة.

وأشار آخرون إلى أنهم يحتاجون إلى تشجيع للبدء، في ظل الخوف من نظرة المجتمع.

مبادرات فردية تكسر الركود

من بين التجارب التي خرجت من هذا الواقع، تجربة آلاء طه، 20 عامًا، التي نظمت معرضًا فنيًا في المركز الثقافي بعد نشر دعوة عبر “فيسبوك” للبحث عن رسامين، وشارك معها نحو 25 شخصًا.

وقالت إن المعرض لاقى إقبالًا جيدًا، وإن إدارة المركز قدمت دعمًا ساعد في احتضان المبادرة.

وتطمح إلى تنظيم مزيد من المعارض والفعاليات، انطلاقًا من إيمانها بأن الفن قادر على إحداث تغيير حقيقي في المجتمع.

وأضافت أن البداية تحتاج إلى جرأة، وأن الإنسان لا يكتشف إمكاناته إلا حين يقرر خوض التجربة.

ويعمل المركز حاليًا على تعزيز حضوره من خلال اتفاقيات مع فرق تطوعية من شباب داريا للمساهمة في تنظيم المكتبة وتفعيل الأنشطة، إضافة إلى التحضير لإطلاق صفحة رسمية على “فيسبوك” ولوحة إعلانات داخل بهو المركز، والتعاون مع مؤسسات لتنفيذ دورات مثل محو الأمية وتعليم بعض المهن اليدوية، منها الكروشيه وصناعة الإكسسوارات. كما يجري العمل على تجهيز قاعات مخصصة للمعارض الفنية.

حضور قائم لكنه غير منتظم

يبقى النشاط الفني والثقافي في داريا محصورًا حتى الآن في فعاليات متفرقة ومبادرات فردية، من دون أن يتحول إلى برنامج منتظم أو حضور ثابت في حياة المدينة.

وفي المقابل، تحافظ المدينة على حضور واضح لأنشطة اجتماعية ودينية مستمرة في المساجد وبعض الصالات الخاصة، بينما يبقى توسيع مساحة الأنشطة الثقافية والفنية العامة مرتبطًا بتوافر التجهيزات، وتحسن الترويج، ونجاح المبادرات القائمة في التحول إلى نشاط أكثر انتظامًا.

المركز الثقافي في داريا – 9 نيسان 2026 (عنب بلدي – نداء كناكرية)

رسومات معلقة داخل المركز الثقافي في داريا – 9 نيسان 2026 (عنب بلدي – نداء كناكرية)

 

مقالات ذات صلة

من الغبار والنفايات إلى مياه الشرب.. جلسات في داريا تناقش أعباء البيئة والتعافي

من المبادرات الصغيرة إلى العمل المنظم.. ندوة للدكتور عبد الكريم بكار في داريا

بعد نحو 40 عرضًا دوليًا.. «غاندي الصغير» يصل إلى داريا