لم يعد كثير من سكان داريا يتجهون إلى سوق الخضار والفواكه لشراء حاجات أسبوع كامل كما كان يحدث في السابق، بل بات بعضهم يكتفي بحبتين من البندورة أو ثلاث حبات من البطاطا، أو كمية صغيرة تكفي وجبة واحدة، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
ولا يقتصر هذا التغيير على حجم المشتريات، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية داخل المنازل. فالمؤن التي كانت تُحضّر كل موسم تراجعت، والمربيات المنزلية أصبحت أقل حضورًا، بينما تقلصت كميات الطعام المعدة لاستقبال الضيوف أو تبادل الأطباق بين الجيران، في وقت باتت فيه كثير من الأسر تحسب احتياجاتها اليومية بدقة أكبر.
ويأتي ذلك في وقت شهدت فيه داريا خلال الأشهر الماضية تغيرات متلاحقة في أسعار المواد الأساسية، إذ رصدت عنب بلدي في تقارير سابقة ارتفاع أسعار اللحوم والخضار والفواكه، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية لدى شريحة واسعة من السكان، رغم تحسن توفر السلع في الأسواق مقارنة بالسنوات السابقة.
وخلال جولة أجرتها عنب بلدي في أسواق داريا، تحدث سكان وأصحاب محال عن تغير واضح في سلوك المستهلكين، إذ أصبحت المشتريات تحسب بالحبة بعد أن كانت تشترى بالكيلوغرامات، في محاولة للتكيف مع تكاليف المعيشة المرتفعة.
مشتريات تكفي وجبة واحدة
تقول أم محمد حمدوني، وهي في الخمسينيات من عمرها، إنها اشترت ثلاث حبات من البندورة مع بعض الخضار اللازمة لإعداد طبق مقالي، لتبلغ قيمة مشترياتها نحو 40 ألف ليرة سورية.
وترى أن ارتفاع الأسعار أفقد المال قيمته، معبرة عن ذلك بقولها: “ما ضل بالمصاري بركة”، إذ كانت المبالغ نفسها قبل سنوات تكفي لشراء عدة كيلوغرامات من الخضار، بينما أصبحت اليوم لا تكفي إلا لاحتياجات يوم واحد.
وتوضح أن التغيير لم يقتصر على التسوق، بل طال أسلوب إدارة المنزل أيضًا، فالطعام أصبح يُحضّر على قدر الحاجة فقط، في ظل ارتفاع تكاليف الغذاء والغاز وبقية مصاريف المعيشة.
وتضيف أن شراء كميات تكفي عدة أيام أو تخزين الخضار كما كان يحدث سابقًا لم يعد ممكنًا لكثير من العائلات، كما تراجعت عادة إعداد كميات إضافية لاستقبال الضيوف أو تبادل الأطباق بين الجيران.
وترى أن هذه التغييرات لم تأت نتيجة تبدل العادات الاجتماعية، وإنما فرضتها الظروف الاقتصادية، بعدما أصبح إنفاق عشرات آلاف الليرات على وجبة واحدة أمرًا يستدعي إعادة حساب أولويات الأسرة.
الفاكهة للأطفال فقط
أما أحمد بلاقسي، فيقول إنه اشترى كمية محدودة من الفاكهة لأطفاله مقابل نحو 60 ألف ليرة سورية.
ويستذكر أن العائلات كانت في الماضي تعود من السوق أو من بساتين الأقارب بكميات كبيرة من الخضار والفواكه، إلى درجة أن جزءًا منها كان يفسد أو يهدر لكثرة المتوافر منها، بينما أصبحت اليوم تُشترى بكميات محسوبة.
ويرى أن طبيعة داريا الزراعية كانت تخفف سابقًا من عبء شراء كثير من المنتجات، إذ كانت البساتين المنتشرة في المدينة ومحيطها، إلى جانب تبادل المحاصيل بين الأقارب والجيران، توفر جزءًا من احتياجات الأسر، وهو ما لم يعد قائمًا بالقدر نفسه اليوم.
ويشير إلى أن الغلاء لم يغير طريقة شراء الفاكهة فقط، بل أثر أيضًا في إعداد المؤن المنزلية، إذ دفعت أسعار السكر والغاز والفواكه كثيرًا من الأسر إلى الاستغناء عن تحضير المربيات في المنزل وشراء الجاهزة بدلًا منها لأنها أقل كلفة وجهدًا.
السوق يبيع بالحبة
داخل أحد محال الخضار قرب ساحة شريدي، يقول أبو محمود معضماني إن التحول في سلوك الزبائن أصبح واضحًا خلال الأشهر الأخيرة.
ويوضح لعنب بلدي أن شراء حبتين من البندورة أو الخيار، وهو مشهد كان يراه سابقًا في بعض الدول الأوروبية، أصبح اليوم واقعًا يوميًا في داريا.
ويشير إلى أن زبائن اعتادوا شراء البطاطا والبندورة بالكيلوغرامات، باتوا اليوم يطلبون حبتين أو ثلاثًا فقط، لأن قدرتهم الشرائية لم تعد تسمح بشراء الكميات التي كانوا يعتادون عليها.
ويضيف أن تكلفة شراء عدد محدود من الخضار قد تصل إلى نحو 50 ألف ليرة سورية، وهو مبلغ يثقل كاهل كثير من الأسر.
ويستشهد بأجور العاملين لديه، موضحًا أن أعلى أجر يومي يدفعه يبلغ نحو 75 ألف ليرة سورية، متسائلًا كيف يمكن لمن ينفق معظم أجر يومه على خضار تكفي وجبة واحدة أن يغطي بقية احتياجات أسرته.
ويرى أن تأثير الغلاء لم يعد يقتصر على الخضار، بل طال معظم مكونات المائدة، إذ أصبحت اللحوم والدجاج والفواكه من الأصناف التي تقلص حضورها لدى عدد كبير من العائلات، بينما أصبحت الخضار نفسها تُشترى بكميات أقل مما كانت عليه في السابق.
الغلاء يضغط على التجار أيضًا
ولا يقتصر أثر ارتفاع الأسعار على المشترين وحدهم، بحسب معضماني، إذ يجد أصحاب المحال أنفسهم أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على الزبائن وتغطية تكاليف التشغيل.
ويؤكد أنه يحاول قدر الإمكان الاكتفاء بهامش ربح محدود، موضحًا أن سعر كيلو البندورة في متجره يبلغ نحو ستة آلاف ليرة سورية، بينما يباع في بعض الأسواق بأسعار أعلى.
ويشير إلى أنه يشعر بالحرج أحيانًا عندما يخبر الزبون بأن قيمة مشترياته البسيطة تجاوزت 40 ألف ليرة سورية، في وقت يدرك فيه أن كثيرًا من العائلات أصبحت تحسب كل ألف ليرة قبل الشراء.
ويعزو اختلاف الأسعار بين المحال إلى تفاوت التكاليف التشغيلية، مثل أجور المحال، والكهرباء، والطاقة، وأجور النقل، مؤكدًا أن الغلاء يفرض ضغوطًا على البائع كما يفرضها على المشتري.
تغير في نمط الاستهلاك
ولا يقتصر أثر ارتفاع الأسعار على محتويات أكياس التسوق، بل يمتد إلى نمط الاستهلاك نفسه داخل المنازل.
فشراء الخضار أصبح يرتبط غالبًا بوجبة اليوم، بينما تراجعت عادة تخزين المؤن الموسمية، وأصبحت الفاكهة تُشترى بكميات محدودة، كما تقلصت الكميات التي تُعد لاستقبال الضيوف أو تبادل الطعام بين الجيران، وهي عادات ارتبطت طويلًا بالحياة الاجتماعية في داريا.
ويعكس هذا التحول تغيرًا في أولويات الإنفاق لدى كثير من الأسر، التي باتت توازن بين الغذاء وبقية النفقات الأساسية، مثل الغاز والكهرباء والمواصلات والتعليم، وهو ما ينعكس أيضًا على طريقة التسوق وعدد مرات زيارة السوق والكميات التي تغادر بها العائلات إلى منازلها.