تتحول ساعات المساء في محيط حديقة منارة بحي الشاميات في مدينة داريا إلى وقت يشهد تجمعات لعشرات الدراجات النارية، في مشهد يقول سكان إنه أصبح يتكرر بصورة شبه يومية، ويترافق مع أصوات محركات مرتفعة وحركات استعراضية تمتد أحيانًا حتى ساعات متأخرة من الليل.
وتعد حديقة منارة، رغم صغر مساحتها، من أبرز المتنفسات العامة في الحي، إذ تستقبل عائلات وأطفالًا وشبانًا، ويزداد الإقبال عليها خلال فصل الصيف، في ظل محدودية الحدائق العامة الجاهزة داخل داريا.
وسبق أن رصدت عنب بلدي خلال الأشهر الماضية شكاوى من تجمعات شبابية ودراجات نارية حول المدارس وفي الحدائق العامة في المدينة. ورغم الحملات التي نفذتها شرطة المرور في داريا، إلا أن سكان الشاميات يقولون إن التجمعات المسائية قرب حديقة منارة ما تزال تتكرر.
ويرى سكان المنطقة أن التجمعات المتكررة قرب مدخل الحديقة أثرت في هدوء المكان، وأصبحت تدفع بعض العائلات إلى تقليص مدة بقائها أو مغادرة الحديقة في وقت مبكر، بينما يؤكد مستخدمو الدراجات النارية أن المشكلة ترتبط بسلوكيات فئة محدودة، وليس باستخدام الدراجة النارية بحد ذاته.
تجمعات تتكرر مع ساعات المساء
يقول رامي الكردي، وهو من سكان المنطقة، إن الإزعاج لم يعد يقتصر على أصوات الدراجات النارية، بل يشمل أيضًا تجمعات شبابية تترافق مع أحاديث بصوت مرتفع وسلوكيات يعتبرها السكان غير مناسبة في مكان تقصده العائلات.
وأوضح لعنب بلدي أن بعض الشبان يدخلون بدراجاتهم إلى داخل الحديقة أو يقفون عند مداخلها لفترات طويلة، بينما تستمر التجمعات أحيانًا حتى ساعات متأخرة من الليل، الأمر الذي يؤثر على راحة السكان، ولا سيما المرضى والطلاب خلال فترة الامتحانات.
ويؤكد أبو رشيد، صاحب كشك مجاور للحديقة، أن هذه التجمعات أصبحت مشهدًا مألوفًا في معظم الأمسيات، موضحًا أن عدد الدراجات المتوقفة قرب المدخل يتراوح غالبًا بين 10 و25 دراجة بعد انتهاء أصحابها من أعمالهم.
وأضاف أن ذروة التجمعات تكون في ساعات المساء، وهي الفترة التي تشهد أكبر إقبال للعائلات على الحديقة، ما يجعل وجود الدراجات عند المدخل أكثر تأثيرًا على استخدام المكان.
وبحسب أبو رشيد، فإن بعض الأسر تتردد في دخول الحديقة أو تغادرها مبكرًا عندما يزداد عدد الدراجات والأصوات المرتفعة، خصوصًا إذا رافقها تشغيل المحركات بصورة متكررة أو إطلاق المنبهات.
وأشار إلى أن دوريات الشرطة حضرت إلى الموقع أكثر من مرة استجابة لشكاوى السكان، إلا أن التجمعات تعود تدريجيًا بعد مغادرة الدوريات.
الضجيج يتجاوز حدود الحديقة
لا تقتصر شكاوى السكان على محيط الحديقة وحده، بل تمتد إلى الشوارع المجاورة التي تمر فيها الدراجات بسرعة أو بأصوات مرتفعة.
ويقول غسان محمد، صاحب محل قريب من المكان، إن التجمعات تبدأ عادة بعد الساعة السادسة مساء، ومع ازدياد عدد الدراجات يقوم بعض الشبان بحركات استعراضية تعرف محليًا باسم “التعريش”، الأمر الذي يثير مخاوف المارة والسكان.
وأوضح لعنب بلدي أن هذه السلوكيات تظهر أحيانًا أيضًا قرب المدارس، بما فيها مدارس للبنات خلال فترة الامتحانات، مضيفًا أن بعض سائقي الدراجات من صغار السن، وهو ما يزيد القلق من احتمال وقوع حوادث نتيجة القيادة المتهورة.
ويرى أن تكثيف الحملات على المخالفين قد يحد من هذه الظاهرة، خاصة أن المشكلة لا تتعلق بالإزعاج فقط، وإنما بالسلامة العامة أيضًا، إذ قد تؤدي القيادة الاستعراضية إلى تعريض المشاة ومستخدمي الطريق للخطر.
الدراجات وسيلة تنقل أساسية
في المقابل، يرفض عدد من السكان تحميل جميع أصحاب الدراجات النارية مسؤولية ما يحدث، مؤكدين أن الاعتماد عليها ازداد خلال السنوات الأخيرة بسبب انخفاض كلفة تشغيلها مقارنة بوسائل النقل الأخرى، إلى جانب سهولة استخدامها داخل المدينة.
ويقول أبو محمد العتر إن كثيرًا من سكان داريا يعتمدون على الدراجات للوصول إلى أعمالهم والتنقل اليومي، معتبرًا أن المشكلة الأساسية ترتبط بمن يخالفون قواعد السير أو يتسببون بالإزعاج، وليس باستخدام الدراجة النارية بحد ذاته.
وأضاف أن فرض مخالفات على الأصوات المرتفعة والقيادة الاستعراضية سيكون أكثر فاعلية من اتخاذ إجراءات عامة تشمل جميع مستخدمي الدراجات.
ويتفق معه غياث شعيرية، الذي يرى أن الدراجات أصبحت جزءًا من الحياة اليومية في داريا، ولذلك فإن الحل يكمن في ضبط السلوكيات المخالفة لا في التضييق على مستخدميها.
وأشار إلى أن الضجيج يستمر أحيانًا حتى ساعات متأخرة من الليل، ما يؤثر على راحة المرضى وكبار السن وسكان الأبنية المجاورة، لافتًا إلى أن استجابة الدوريات الأمنية تخفف المشكلة مؤقتًا، لكنها لا تمنع تكرارها.
دعوات إلى التوعية واستمرار الرقابة
رياض دغموش، وهو أحد مستخدمي الدراجات النارية، يقول إنه يعتمد على دراجته يوميًا للوصول إلى عمله، ويرى أن غالبية مستخدمي الدراجات لا يتسببون بأي إزعاج.
وأوضح لعنب بلدي أنه شاهد بنفسه تجمعات للشباب قرب الحديقة وقيام بعضهم بحركات استعراضية، لكنه يعزو ذلك إلى الفراغ وضعف الوعي لدى بعض المراهقين، وليس إلى جميع أصحاب الدراجات.
ويرى أن معالجة المشكلة تحتاج إلى استمرار حملات التوعية، إلى جانب تسيير دوريات في المواقع التي تشهد تجمعات متكررة، بما يحد من السلوكيات المخالفة دون التأثير على الأشخاص الذين يستخدمون الدراجات كوسيلة تنقل يومية.
وخلال الأشهر الماضية، تركزت شكاوى السكان في أكثر من منطقة داخل داريا على ظواهر متكررة مرتبطة بالدراجات النارية، وهي الأصوات المرتفعة للدراجات، والقيادة الاستعراضية، والتجمعات الشبابية في الأماكن العامة.
وفي المقابل، تواصل شرطة داريا تنفيذ حملات لضبط المخالفات بين حين وآخر، إلا أن سكان المنطقة يرون أن استمرار المشكلة يستدعي رقابة أكثر انتظامًا، خاصة في المواقع التي تشهد تجمعات يومية.