عند أول انعطاف لها بسيارة زوجها، اصطدمت أم طالب دقو بعمود. كلف إصلاح السيارة مبلغًا كبيرًا، ومنذ ذلك اليوم توقفت عن القيادة.
اليوم، تحتاج إلى سيارة تريحها من عناء المواصلات العامة، لكنها تتراجع عن فكرة شرائها كلما تذكرت الاصطدام.
تحمل أم طالب رخصة قيادة منذ عام 2010، لكن العودة إلى المقود ما زالت مؤجلة. وتشاركها أمية بدوي التردد، إذ لم تقد بمفردها رغم حصولها على الرخصة قبل أربع سنوات، بينما منحت المشاوير اليومية سلوى علوان خبرة ساعدتها على مواصلة القيادة، حتى بعد التعرض لمواقف مربكة على الطريق.
تختلف تجارب النساء الثلاث في داريا، بين من أبعدها حادث عن المقود، ومن تتردد في القيادة وحدها، ومن أصبحت السيارة جزءًا من مشاويرها اليومية.
كلما اقتربت سيارة عاد الارتباك
تعلمت أم طالب دقو (43 عامًا) القيادة في مدرسة خاصة، وواصلت التدريب بعد حصولها على الرخصة مع سائق خاص داخل دمشق. لكن اقتراب السيارات منها بقي يربكها ويحد من قدرتها على التصرف بهدوء خلف المقود.
وتقول إنها لم تعد تجد من يقود عنها، وإن الوقت حان لتنجز مشاويرها بنفسها، إلا أنها ما زالت مترددة في المحاولة مجددًا.
أما أمية بدوي (35 عامًا)، فتجد صعوبة في تقدير أبعاد السيارة والمساحة التي تحتاجها للحركة. ويزيد الازدحام المروري الشديد من ترددها، ويعيق تدربها في الشارع.
وحين يتوفر شخص يقود عنها، يقل دافعها إلى المحاولة، وقد تستقل سيارة أجرة عند الحاجة. ومع ذلك، تتمنى أن تتمكن من التنقل دون انتظار من يوصلها أو يرافقها في السيارة.
مشاوير الزوج تدريب يومي
بدأت تجربة سلوى علوان (49 عامًا) مع القيادة على يد أخيها الأكبر.
كان إخوتها يملكون حافلة، وتصفهم بأنهم سائقون متمرسون، وتقول إنها تعلمت في وقت قصير وأحبت القيادة منذ البداية.
بعد زواجها، صارت تقود سيارة زوجها وتوصله إلى أماكن عمله، وأتاحت لها تلك المشاوير ممارسة القيادة يوميًا واكتساب الخبرة على الطريق.
وترى سلوى أن الجرأة تساعد على البدء، إلى جانب التركيز والهدوء والقدرة على تقدير أبعاد السيارة.
وتقول إنها تواجه أحيانًا تصرفات مربكة من سائقين آخرين، وقد تتعرض لحوادث بسيطة، لكنها تواصل القيادة، معتبرة أن الخطأ جزء من التعلم، وأن المهم الاستفادة منه وتجنب تكراره.
خارج داريا.. متدربات ومدربات وسائقات للعمل
وفي محافظات أخرى، توثق تقارير محلية تجارب للنساء مع القيادة، من الالتحاق بالتدريب إلى اتخاذها مهنة.
ففي درعا، نقلت صحيفة «الحرية»، في أيلول الماضي، عن مصادر في مديرية إجازات السوق أن النساء يشكلن بين 20 و25% من إجمالي المسجلين في مدارس تعليم قيادة المركبات بالمحافظة، مقارنة بنسبة تراوحت بين 5 و6% قبل عدة سنوات.
وفي إدلب، قال مدير مدرسة «الأوائل» الخاصة لتعليم قيادة السيارات، خالد محمد ناصر دعبول، لصحيفة «الثورة السورية»، في تقرير نشرته في تموز الماضي، إن نحو 300 امرأة انتسبن إلى مدرسته منذ افتتاحها عام 2023، مقابل نحو ألف رجل.
وبلغ عدد المتدربات خلال عام 2026، حتى نشر التقرير في تموز، 170 متدربة.
وفي القامشلي بمحافظة الحسكة، نقل موقع «صوت سوري»، في تشرين الأول 2024، تجربة أمد دلباك في تدريب النساء داخل شوارع المدينة، وما تحدثت عنه من تعليقات ومضايقات تطالها والمتدربات أثناء القيادة.
أما في دمشق وحلب واللاذقية، فأتاحت شركات لطلب السيارات عبر التطبيقات خدمة النقل بسائقات نساء.
قبل الازدحام.. مساحة للتوقف والانعطاف
بالنسبة إلى أم طالب وأمية، تبقى الخطوة المؤجلة هي ممارسة القيادة باستقلالية.
وعن اكتساب المهارة، تقول مدربة القيادة أمل قطشة، في حديثها إلى عنب بلدي، إن التدريب يقوم على تنسيق ما تراه العين مع حركة اليدين والقدمين.
وتقدر متوسط المدة اللازمة لتعلم القيادة وإتقانها بما بين 15 و20 ساعة تدريبية، مشيرة إلى أن تطبيق القواعد بثقة على الطريق يحتاج إلى الصبر والتدرج.
وتقترح البدء في ساحة واسعة وخالية، تتدرب فيها المتعلمة على الضغط بسلاسة على دواستي الوقود والفرامل، والتوقف والانعطاف والتحكم بالسيارة على سرعة منخفضة.
وتشمل هذه المرحلة تقدير حجم السيارة والمسافة التي تفصلها عن الرصيف أو الأشخاص، والرجوع إلى الخلف، والركن بطرق مختلفة. كما تنصح قطشة المتدربة بتعويد عينها على النظر إلى المرايا الثلاث كل بضع ثوانٍ لمتابعة ما يجري حولها.
وبعد التمرن على التحكم بالسيارة، تقترح الانتقال إلى الشوارع العامة، والبدء بمشاوير قصيرة ومتكررة، قبل تجربة ظروف مرورية أصعب، مثل الازدحام الشديد أو القيادة ليلًا أو أثناء هطول المطر.
المسافة بين سيارتين تحتاج إلى تمرين
تعد قطشة الاصطفاف بين سيارتين من أصعب المهارات التي تواجهها المتدربات، إلى جانب تقدير المسافات والتعامل مع ظروف الطريق المختلفة.
وعن صعوبة تقدير أبعاد السيارة، التي تتردد أمية بسببها في القيادة بمفردها، تقول المدربة إن تكرار الركن والانعطاف والمرور قرب الرصيف يساعد المتدربة على إدراك المساحة التي تحتاجها السيارة في كل حركة.
وتضع قطشة ضبط وضعية الجلوس والمرايا والتعرف إلى لوحة العدادات ضمن ما تتعلمه المتدربة قبل الانطلاق، إلى جانب فحص مستوى زيت المحرك وسائل التبريد وضغط الإطارات.
وعلى الطريق، تشدد على الانتباه إلى إشارات المرور وقواعد الأولوية عند التقاطعات والدوارات، وتجنب استخدام الهاتف والموسيقى الصاخبة.
وتؤكد ضرورة متابعة حركة المركبات المحيطة عبر المرايا، خصوصًا عند التوجه يمينًا أو يسارًا، والتحقق من خلو المسار قبل تغيير الاتجاه.
“أنا قادرة على القيادة”
تنصح قطشة من يدفعها الخوف إلى تأجيل القيادة بالاستعانة بمدربة محترفة بدلًا من الاعتماد على شخص قريب، لأن التدريب يتطلب معرفة بطرق التعليم ومراحل اكتساب المهارات.
وتقترح أن تردد المتدربة عبارات تساعدها على تهدئة توترها، مثل «كل شيء تحت السيطرة، أنا قادرة على القيادة».
وإذا شعرت بالضغط أثناء القيادة، تنصحها بالتوقف في مكان آمن وأخذ استراحة حتى تهدأ، بدلًا من مواصلة السير وهي متوترة.
وما زالت أم طالب تفكر في شراء سيارة، وأمية تتمنى إنجاز مشاويرها وحدها. وحتى ذلك الحين، تبقى سيارة الأجرة أو الاستعانة بمن يقود عنها خيار أمية، فيما تواصل أم طالب التنقل بالمواصلات العامة.