خالد شحادة.. سيرة معلم توثق تحولات التعليم والمجتمع في داريا

الأستاذ خالد شحادة في سوق الكتب بإسطنبول - 2022 (عنب بلدي - أرشيف الدكتور سليمان شحادة)

لم يكن تأخر التلميذ خالد شحادة عشر دقائق عن امتحانه في مدرسة البحتري بدمشق تفصيلًا عابرًا في روايته عن سنوات الدراسة والعمل.

في تلك الليلة، كان أهله يعملون في موسم الحصاد والتذرية، وكان الفتى يشاركهم نقل الحصاد على إحدى الدواب من الحقل إلى البيدر العام، حيث تقع المدرسة المحدثة في داريا اليوم.

طلب من والده أن يتركه ليلحق بالامتحان، لكن العمل طال نقلة بعد أخرى، حتى أذن الفجر وبدأت الشمس بالارتفاع.

عندها أدخل الدابة إلى البيت، وارتدى قميصه وبنطاله، وانطلق مسرعًا إلى دمشق. وصل إلى مركز الامتحان في الثامنة وعشر دقائق، متأخرًا عشر دقائق، منهكًا ويتصبب عرقًا.

رقّ له المراقبون، وأدخلوه القاعة. ومن شدة ارتباكه، وضع كتاب العلوم، المؤلف من نحو 500 صفحة، داخل درج المقعد من دون أن ينتبه، وجلس يكتب نحو ساعتين إلا ربع الساعة، من دون أن يرفع رأسه عن الورقة.

غادر الطلاب القاعة بعد منتصف الوقت، وبقي وحده مع مراقبين اثنين، وحين عثر أحدهما على الكتاب داخل الدرج، اشتبه بأنه يغش، لكن المراقب الآخر دافع عنه بعدما رأى حاله وإنهاكه وانكبابه على الكتابة.

انتهى الموقف بسلام، وبقيت الحادثة ضمن القصص التي يستعيدها شحادة عند حديثه عن مشقة الجمع بين العمل الزراعي والتعليم في تلك المرحلة.

في لقاء أجرته عنب بلدي معه في إسطنبول، روى الأستاذ خالد شحادة محطات من سيرته الشخصية، وفتح عبرها نافذة واسعة على تاريخ داريا الاجتماعي والتعليمي والعمراني، منذ أربعينيات القرن العشرين حتى سنوات ما بعد الحرب.

لا تنحصر روايته في مسيرة فردية لرجل عمل في التعليم، بل تتقاطع مع تحولات داريا نفسها، من الكتاتيب والبيوت الطينية والبساتين، إلى المدارس النظامية، ثم العمل التربوي والمؤسسات الاجتماعية، وصولًا إلى الخروج من المدينة بعد اقتحامها وحصارها.

“ظهر البيدر” وحارة “بيت أمون”

وُلد خالد بن سعيد شحادة في 2 من آذار 1942، لأم من العائلة نفسها تدعى أسما شحادة، في داريا التي لم تكن قد بدأت توسعها الحديث بعد.

كانت ولادته في حي عرف باسم “ظهر البيدر”، قريبًا من موقع مبنى مؤسسة الكهرباء في المدينة حاليًا.

في طفولته، كانت تلك المنطقة زراعية، قبل أن تتحول لاحقًا إلى مكان حيوي قريب من ساحة شريدي، ومن مقهى “أبو جبل” الذي عد من أبرز معالم البلدة.

أما بيت العائلة الأساسي، فكان في قلب البلدة القديمة، قرب بيت عائلة “الزعاويط”، وملاصقًا لفرن “حمودة”، بالقرب من شعبة الأوقاف.

ومع اتساع عدد أفراد الأسرة وضيق السكن القديم، اشترى والده واثنان من أعمامه أرضًا واسعة في منطقة “ظهر البيدر”، لتنشأ هناك حارة جديدة عُرفت بين الناس بحارة “بيت أمون”.

“بيت أمون” هو اللقب المحلي الذي اشتهرت به العائلة في داريا، بينما بقيت الكنية الرسمية في قيود النفوس “شحادة”.

داريا في الأربعينيات: بلدة صغيرة وبيوت طينية

حين يستعيد شحادة داريا في الأربعينيات، يتحدث عن بلدة صغيرة متلاصقة البيوت، لا يتجاوز عدد سكانها، بحسب تقديره، 3000 نسمة.

كانت مساحة السكن لا تعادل عُشر مساحة داريا الحالية، وكانت حدود البلدة تدور حول حارة الحمام، وحارة الجامع الكبير، وحارة المخفر، وتتصل فيما بينها بشوارع ضيقة ودخلات ملتوية. أما مناطق “المراح”، و”الخليج”، وأرض “النصبة”، وغيرها، فكانت بساتين زراعية خارج حدود السكن.

كانت بعض البيوت، التي صارت لاحقًا في قلب العمران، تعد في ذلك الزمن بيوتًا طرفية وبعيدة عن أطراف البلدة، مثل بيت الأستاذ إسماعيل دقو عند زاوية طريق المعضمية، وبيوت عائلة “العزب”، وحارة “بيت زيادة” عند مشفى زيادة، وبيوت عائلة “الحو”، المعروفين ببيت الوزير.

اعتمدت عمارة البلدة، كما يروي شحادة، على الطين الممزوج بالتبن، ولم يدخل “البلوك” الإسمنتي إلا في مرحلة متأخرة بعد الخمسينيات.

وكانت بيوت العائلات الميسورة حينها مثل بيت “الشربجي” قرب الجامع الكبير، وبيت “قديمي” المطل على شارع الثورة، تتميز بالأقواس الحجرية والتزيينات الخشبية والأسقف المرتفعة.

أما غالبية البيوت فكانت تبنى من الطين أو “اللِّبِن”، ويطلق على طريقة بنائها “لبنة وبنتها” أو “دبونة وبنتها”، بحيث يصل عرض الجدار إلى نحو 60 سنتيمترًا، ما يساعد على عزل الحرارة داخل البيت.

كانت الغرفة الواحدة واسعة قياسًا بمعايير اليوم، إذ يقدر شحادة متوسط مساحتها بنحو 30 مترًا مربعًا، وارتفاعها بنحو خمسة أمتار. وكانت تضم رفوفًا و”كتابي” على الجانبين، وفي وسطها فجوة تعرف باسم “اللوك” أو “اليوك”، تخزن فيها الفرش والملابس.

ويقول شحادة إن هذا النمط المعماري استمر أثره حتى بدايات البناء الإسمنتي.

التعليم الأول في الكتاتيب

بدأ وعي خالد شحادة بالتعليم في السابعة من عمره، عام 1949، حين أرسله أهله مع شقيقه الأكبر محمد، المعروف بأبي سعيد، إلى “الكُتّاب”.

أمضى شهرًا واحدًا عند الشيخ أحمد حلمي، الذي كان بيته مقابل بناء البلدية الحالي، قبل أن ينتقل إلى شيخ آخر لازمه طوال فترة تعليمه في الكتّاب، هو الشيخ أحمد حمودة.

كان حمودة قد اشترى بيتًا واسعًا يضم غرفًا عدة قرب جامع المنبر، في منطقة كانت تعد آنذاك من مناطق توسع البلدة. وكانت تضم ساحة فيها منبر حجري أثري، يقول شحادة إنه يعود إلى زمن الصحابة، قبل أن يُجهل مصيره لاحقًا.

في ذلك العالم، لم تكن المدرسة صفوفًا ومقاعد وسبورات كما عرفها لاحقًا. كان الأطفال، ذكورًا وإناثًا دون سن العاشرة، يجتمعون في غرفة واحدة مفروشة بالحصير، بلا طاولات. وإذا تجاوزت البنات سن العاشرة، عُزلن في غرفة داخلية مع أهل بيت الشيخ، فتتولى زوجته أو ابنته تعليمهن.

أما الذكور الصغار، فكان الطلاب الأكبر سنًا يتولون الإشراف عليهم وتلقينهم. وبحسب شحادة، كان الطفل قد يمضي عامًا كاملًا من دون أن يسمع ملاحظة مباشرة من الشيخ.

كان المنهاج بسيطًا ومحدودًا: قراءة، كتابة، جمع، طرح. ويبدأ التعليم بكتيب صغير من عشر ورقات يسميه الناس “الصُبّرة”، وهو الرسالة الهجائية التي يتعلم الأطفال من خلالها الحروف بحركاتها ومدودها وطريقة لفظها التقليدية.

يتذكر شحادة عبارات كان الأطفال يرددونها في ذلك الكتيب، مثل: “ألف لا شنّ عليها”، أي لا شيء عليها، “باء نقطة من تحتها، تاء اثنتان من فوقها، جيم واحدة في بطنها”، وهكذا.

كان الكتيب ينتهي بـ”التحيات” التي تقال في الصلاة، وبحفظ خمس سور قصار إضافة إلى سورة الفاتحة، وهي سور الصمد، والمعوذتان، والكوثر، والعصر. وإذا أتم الطفل هذا القدر، أقيم له حفل تخرج مصغر.

أما من كان يبقى في الكتّاب لختم القرآن كاملًا قراءةً لا حفظًا، فكان يقام له حفل مشهود كأيام العيد. يرتدي الطفل عباءة بيضاء مقصبة بلون ذهبي، ويأتي أهله بـ”الأفورة”، وهي وعاء يتسع لنحو عشرة كيلوغرامات، مملوءة بالسكاكر و”القضامة” بسكر، لتوزع على الأطفال.

لكن رواية شحادة عن الكتاتيب لا تخلو من القسوة. يذكر أن الأهالي كانوا يقولون للشيخ: “اللحم لك والعظم لنا”، في إشارة إلى قبولهم شدة العقاب، وكان بعض الشيوخ يلجؤون إلى الضرب أو الربط بالحبال. ويتذكر أن شقيقه الأكبر تألم ثلاثة أسابيع من قرصة الشيخ.

ومع ذلك، يقول شحادة إنه نجا من العقاب والتوبيخ طوال سنتين ونصف، ويربط ذلك برغبته الصادقة في التعلم.

كان أجر الشيخ على قسمين، أجر يومي يتمثل برغيف من خبز فرن الحصى الطازج يأتي به كل طالب، وكان الخبز يفيض عن حاجة الشيخ فيوزعه على أقاربه. وأجر أسبوعي يعرف باسم “الخميسية”، قيمته عشرة قروش، وكانت لها قيمة شرائية جيدة في زمن لم يتجاوز فيه سعر كيلو اللحم النيء ليرتين.

ويقول شحادة إن بعض الشيوخ كانوا يستخدمون الأطفال في أعمال منزلية أو تجارية، مثل فصل بذور القطن عن أليافها، أو تطبيق ورق العنب “اليبرق” الذي يشترونه من البساتين.

أولى المدارس النظامية

في عام 1952، وعند بلوغه التاسعة، انتقل خالد شحادة إلى المدارس النظامية التي بدأت تنشأ في داريا.

يروي، نقلًا عمن يكبرونه سنًا من أهالي البلدة، أن أول محاولة لإدخال التعليم النظامي إلى داريا تعود إلى زمن الانتداب الفرنسي في الثلاثينيات، حين حاول الفرنسيون اتخاذ الكنيسة مقرًا للتعليم، في إطار ما رآه الأهالي محاولة لتحسين صورتهم ونشر “التمدن”.

لكن تلك المحاولة قوبلت بمعارضة شعبية، وصلت، كما سمع، إلى حد تسلق أحد الشبان باب الكنيسة وكسر الصليب، ففشلت المحاولة.

لاحقًا، في بداية الخمسينيات، افتُتحت أول مدرسة نظامية باتخاذ “زاوية صوفية” قديمة مقرًا لها، وهي التي عرفت لاحقًا بمدرسة معن بن زائدة.

كانت المدرسة القديمة تتألف من أربع غرف تمتد من الشمال إلى الجنوب، وتتوسطها بحرة ماء. وفي الجهة الجنوبية مسجد صغير مساحته نحو 50 مترًا مربعًا، وبجانبه غرفتان، وبستان شرقي لحقه الإهمال.

يذكر شحادة أن أول من تخرج من هذه المدرسة كان الأستاذ جلال الخطيب، الذي درس الإنجليزية وعمل لاحقًا في هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، وكان بيته في الجهة المقابلة للمدرسة.

دخل خالد شحادة هذه المدرسة مباشرة إلى الصف الثاني عام 1952، متجاوزًا الصف الأول بسبب معرفته السابقة التي اكتسبها في الكتّاب.

وفي عام 1954، افتُتحت المدرسة الثانية في داريا، وعرفت بمدرسة الحارة القبلية، وسميت لاحقًا باسم الشهيد محمود الدباس. وهي المدرسة نفسها التي درّس فيها شحادة عام 1968 طلاب الصف الرابع.

وعندما وصل إلى الصف الخامس، انتقل إلى المدرسة الثالثة، التي بُنيت من الحجر إلى جانب مبنى البلدية، في المكان الذي صار لاحقًا شعبة الحزب وبناء البلدية الجديد. ضمت المدرسة خمس غرف صفية وغرفتين للإدارة، وعُرفت باسم مدرسة “داريا”.

كانت المناهج في المدارس النظامية مختلفة كليًا عن الكتاتيب. لم تعد القراءة والكتابة والحساب البسيط وحدها مركز التعليم، بل ظهرت كتب مستقلة للعلوم والرياضيات والتربية الإسلامية والعلوم الاجتماعية، مثل التاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع.

“السرتفيكا” ومدارس دمشق

في عام 1956، خاض خالد شحادة امتحان الشهادة الابتدائية، المعروفة شعبيًا باسم “السرتفيكا”. كانت تجري على مستوى سوريا كلها، وكانت أسماء الناجحين تذاع عبر إذاعة دمشق، في دلالة على أهمية التعليم وندرة المتقدمين في ذلك الجيل.

كان عدد الطلاب في داريا محدودًا، لا يتجاوز، بحسب شحادة، 25 طالبًا في الشعبة الوحيدة.

تزامن ذلك العام مع العدوان الثلاثي على مصر وحرب السويس، وشهدت المدرسة حراكًا وطنيًا لجمع التبرعات لتسليح الجيش السوري.

يتذكر شحادة أن النساء تبرعن بالذهب، والرجال بالمال والملابس لتدفئة الجنود، في زمن يصفه بأنه كان يظهر فيه الجيش والشعب يدًا واحدة.

وفي ذلك الاحتفال، وقع الاختيار على التلميذ خالد شحادة لإلقاء كلمة أمام المسؤولين.

لكن النجاح في “السرتفيكا” فتح أمامه تحديًا جديدًا. كان والده، المولود عام 1901، قد تعب من العمل الزراعي الشاق، وبلغ الخامسة والخمسين، فأراد الاعتماد على أولاده. طلب من خالد أن يترك المدرسة ويعاونه في البساتين، وقال له مستنكرًا: “ماذا ستصبح؟ شيخ الأزهر؟”.

رفض خالد، وأبدى انزعاجه. فتوسط خاله “الحجي أمون”، عبد المجيد شحادة، الذي كان مدير مكتب المواصلات أو المنظم لحافلات داريا الخمس في ذلك الوقت، ونجح في إقناع والده بالسماح له بمتابعة التعليم.

بسبب هذا التردد، تأخر عن التسجيل، وفاته أسبوعان من العام الدراسي. استعانت العائلة بالأستاذ محمد القباني، مدير مدرسة داريا القبلية، الذي ذهب معه إلى مديرية التربية، وكانت يومها في التكية السليمانية، فحصل له على كتاب قبول في إعدادية “القيمرية” الواقعة وراء الجامع الأموي.

لكن طريقه إلى القيمرية كان طويلًا وشاقًا. كانت حافلات داريا تصل إلى منطقة الإطفائية، ومن هناك كان عليه أن يقطع سوق الحميدية سيرًا على الأقدام لنحو نصف ساعة حتى يصل إلى المدرسة.

استصعب الفتى هذا الطريق، فتوسط له الأستاذ محمد القباني مرة أخرى لنقله إلى ثانوية “جودت الهاشمي”، إحدى أعرق مدارس دمشق. وقبل المدير الوساطة، في زمن كان فيه مدير المدرسة يتمتع بمكانة ونفوذ يشبهان، وفق تعبير شحادة، مكانة معاون وزير.

صفر في الإنجليزية ثم علامة كاملة

في ثانوية “جودت الهاشمي”، وجد خالد شحادة نفسه أمام تجربة تعليمية مختلفة تمامًا.

وضعه الموجه تعسفًا في قسم اللغة الفرنسية من دون قرعة، فتدخل المدير وأعاد القرعة لـ11 شعبة تأديبًا للموجهين. وبنتيجة القرعة، انتقل شحادة إلى قسم اللغة الإنجليزية، وهو لا يعرف منها حرفًا واحدًا.

جلس الفتى النحيف الطويل في المقعد الأخير، يخفي رأسه خجلًا. كان زملاؤه قد قطعوا شوطًا في تعلم اللغة، بينما تأخر هو بسبب تأخر التسجيل، ولم يكن يعرف أي كلمة أو حرف من المقرر. في أول مذاكرة، نال علامة صفر.

شعر بالحاجة إلى المساعدة، فاستعان بزميله في الصف محمد السقا (أبو عمر)، وكان شقيقه الأكبر الأستاذ سعيد السقا قد عاد من بعثة اطلاعية في الولايات المتحدة، ويتحدث الإنجليزية.

تلقى خالد خمسة دروس خصوصية عند الأستاذ سعيد السقا، الذي كان يكبره بست سنوات، وكان قد ابتُعث إلى أمريكا لتعلم اللغة بعد حصوله على شهادة “الكفاءة”، أي بعد إتمامه تسع سنوات دراسية.

في المذاكرة التالية، حصل خالد على العلامة الكاملة. ظنه الأستاذ غشاشًا في البداية، لكنه أثبت كفاءته سريعًا، وصار متميزًا في الإنجليزية حتى تخرجه من الجامعة.

لاحقًا، انتقل ثلاثة أسابيع إلى ثانوية “أمية” في ساحة التحرير، بسبب التزام الوزارة بتوزيع الطلاب بحسب قرب مكان سكنهم من المدارس. لكنه قدم اعتراضًا، وعاد إلى “جودت الهاشمي”، ليتخرج فيها حاملًا شهادة البكالوريا العلمية عام 1963.

بين الرفق والطبشورة

تركت ثانوية “جودت الهاشمي” ومدرسوها الكبار أثرًا في شخصية خالد شحادة التربوية، بحسب ما يرويه عن موقفين متناقضين من تلك المرحلة.

الأول وقع في الصف التاسع، حين غلبه النوم في حصة الرياضيات، بعد ليلة طويلة عمل فيها مع أهله في الحصاد و”التدراي”، أي التذرية، ولم ينم فيها دقيقة واحدة. لم يوبخه المدرس، بل جاء إليه، ووضع يده على كتفه بلطف، وقال له: “اذهب واغسل وجهك وعد”.

أما الموقف الثاني فكان في الصف الحادي عشر، حين أخطأ إملائيًا على السبورة في درس الرياضيات، فكتب كلمة “جزءًا” بالهمزة على الألف. رماه المدرس بالطبشورة من مسافة سبعة أمتار عقابًا له.

يقول شحادة إن هذين الموقفين أثرا في مسيرته لاحقًا. فقد صار معلمًا صارمًا في مواجهة الضعف التراكمي الناتج، برأيه، عن تساهل بعض المدرسين، وكان لا يدرّس طلابه التاريخ إلا باللغة العربية الفصحى، ويحاسبهم على تفاصيلها. وفي الوقت نفسه، يرى أن الرفق بالطلاب يؤثر فيهم أكثر من القسوة.

ومن تلك الأيام، يحفظ أيضًا قصة عن الأمانة. استقل في أحد الصباحات حافلة مزدحمة، ولم يكن يملك سوى ليرة واحدة صحيحة. وعند وصول الحافلة إلى موقف المدرسة، نزل مسرعًا، ثم اكتشف أن الجابي نسي أن يعيد له الباقي بسبب شدة الازدحام.

مضى يومه جائعًا، يشم رائحة مطعم الفلافل الشهير المقابل للمدرسة من دون أن يستطيع شراء شيء. وعند العودة، انتظر مرور الحافلات، ولمح الجابي نفسه، الذي أعاد له مصروفه الأسبوعي.

طالب عامل لا يتلقى مصروفًا

لم يكن طريق التعليم مفصولًا عن العمل الزراعي في رواية شحادة. كان ينزل أحيانًا عند مبنى قيادة الشرطة في منطقة “الجابية”، ثم يقطع المسافة مشيًا عبر شارع النصر وصولًا إلى المدرسة، لتوفير أجرة تساعده على شراء “سندويشة فلافل”.

ومن القصص التي يرويها عن تلك المرحلة قصة ليلة امتحانه في الصف الخامس، حين كان مركز الامتحان في مدرسة البحتري بمنطقة “الشربيشات” في دمشق، وكان أهله يعملون في موسم الحصاد والتذرية ليلًا.

انطلق معهم ليلًا، وكان ينقل الحصاد على إحدى الدواب من الحقل إلى البيدر العام. طلب من والده أن يتركه ليذهب إلى الامتحان، لكن العمل استمر نقلة بعد أخرى حتى أذن الفجر وطلعت الشمس.

حين رأى الشمس ترتفع، أوصل الدابة إلى المنزل، وارتدى قميصه وبنطاله، وانطلق إلى دمشق مسرعًا. وصل إلى مركز الامتحان في الساعة الثامنة وعشر دقائق، متأخرًا عشر دقائق، والعرق يتصبب منه.

أدخله المراقبون القاعة، ووضع، بسبب ارتباكه، كتاب العلوم داخل درج المقعد، ثم جلس يكتب حتى بقي وحده تقريبًا في القاعة. وحين عثر أحد المراقبين على الكتاب، اشتبه بأنه يغش، لكن المراقب الآخر دافع عنه، لما رآه من إنهاك وانكباب على الكتابة، فانتهى الموقف بسلام.

ومع دخوله المرحلة الثانوية، بدأ شحادة العمل المأجور في أعمال الزراعة الموسمية، ولم يعد يتقاضى من أهله أي مصروف. وفي أثناء دراسته الجامعية، كان قد بدأ بالتدريس.

وتُظهر هذه الوقائع، كما يرويها، مقدار المشقة التي رافقت تعليمه، إذ جمع مبكرًا بين الدراسة والعمل الزراعي.

جامعة دمشق: التاريخ والسياسة

في أواخر عام 1963، غادر خالد شحادة ثانوية “جودت الهاشمي” حاملًا شهادة البكالوريا العلمية.

كان طموحه الأول التوجه إلى “دار المعلمين” لنيل الماجستير في العلوم التربوية، غير أن تغييرًا إداريًا ألغى تلك الدار قبل وصوله إليها، واستُبدلت بنظام دبلوم التأهيل التربوي.

اختار بعدها قسم التاريخ في كلية الآداب بجامعة دمشق. كانت دفعته تضم نحو 300 طالب مسجل، لا يحضر منهم فعليًا إلا نحو مئة، وقد قسموا إلى مجموعتين يأخذون المحاضرات في قاعات يعود بناؤها إلى زمن الانتداب الفرنسي، وتتوسطها مدافئ الحطب.

تتلمذ هناك على أساتذة كبار، منهم الدكتور أحمد طربين، والبروفيسور فرانسوا أبو مخ، والدكتور نور الدين حاطوم. ويقول إن هؤلاء غرسوا في نفسه عقلية البحث، وفكرة أن السياسة ليست حكايات عن الأشخاص فقط، بل مصالح جغرافية واقتصادية.

لم تكن سنوات الجامعة سهلة. كان مصروفه لا يتجاوز ليرة سورية واحدة في الأسبوع، وكان عليه أن يوازن بين أجور المواصلات، التي تبلغ خمسة قروش أو “فرنك” لكل رحلة، وبين المشي الطويل.

ولم يكن معزولًا عن مناخ بلاده السياسي في منتصف الستينيات، حيث كانت الجامعة ساحة لتنافس التيارات البعثية والشيوعية والناصرية.

يروي شحادة أن بعض البعثيين حاولوا استغلاله في انتخابات اتحاد الطلبة، عبر إرسال شخص يدفع عنه رسم الاشتراك ويقدم له قائمة الحزب ليختارها. رفض أن يكون، كما يقول، “ألعوبة” أو “يُركب على أكتافه”، فمزق قائمة البعث علنًا، وصوّت للقائمة الناصرية القومية، ويقول إن ذلك الموقف كلفه عداءً حزبيًا استمر عشر سنوات.

في عام 1967، نال الإجازة في التاريخ بتقدير “جيد”، وهو تقدير يقول إنه كان يعد تفوقًا في زمن اتسم بالصرامة الشديدة في التصحيح، حتى إن الأول على الدفعة حصل على معدل 68% فقط. وكان الأساتذة يجمعون الطلاب في المدرجات، ويعيدون إليهم أوراق الإجابة لمراجعة أخطائهم وزيادة تمكينهم المعرفي.

امتحان الإنجليزية وثياب الجيران

من حكايات الجامعة التي بقيت في ذاكرته، امتحان اللغة الإنجليزية.

قبل الامتحان بيومين، خذله ثلاثة من زملائه بعدما وعدوه بمراجعة المادة معه ثم تملصوا. اعتكف في غرفته 40 ساعة متواصلة، يقرأ ويكتب ويحفظ فقرات كاملة “بصمًا”.

في يوم الامتحان، استولى شقيقه الأكبر، الذي كان يعمل في معمل السجاد، على طقم ثيابه وحزامه النظيف ليحضر اجتماعًا. اضطر خالد إلى استعارة قميص وبنطال أوسع منه بشبر، وحذاء خشن من الجيران، وذهب إلى الامتحان بهذه الحال.

جلس ساعتين يقلب المعجم الإنجليزي-الإنجليزي لفك النص المعقد، ثم صب في الثلث الأخير من وقت الامتحان كل ما حفظه. جاءت النتيجة كما يروي: نجح هو، ورسب زملاؤه الذين تملصوا من المراجعة معه.

من قطنا إلى الراموسة.. سنوات المدفعية

في تشرين الثاني 1969، التحق خالد شحادة بالخدمة العسكرية الإلزامية. وبسبب حصوله على دبلوم التربية، عومل معاملة الضباط المجندين، وفُرز بعد أسبوعين من معسكر “النبك” إلى مدرسة المدفعية في قطنا.

في 24 من حزيران 1970، عاش واحدة من أصعب تجاربه. يروي أن اشتباكًا عنيفًا على الجبهة تزامن مع قصف طيران إسرائيلي مكثف طال المدارس العسكرية في قطنا والكسوة، وتسبب بخسائر بشرية كبيرة، نتيجة إصرار مدير المدرسة، بحسب روايته، على إقامة العرض العسكري التقليدي رغم تحذيرات القيادة بالانتشار في الخنادق.

أدى الهجوم إلى نقل المدارس العسكرية إلى منطقة “الراموسة” في حلب، فيما عرف بحادثة المدفعية الأولى عام 1970.

كانت الراموسة حينها، كما يصفها، منطقة صخرية قاحلة مليئة بالعقارب والثعابين. قاموا بتنظيفها وتأسيس بنيتها التحتية بجهد شاق، وأمضوا ستة أشهر مضنية، تمنوا فيها الخروج وراء الأسوار فرارًا من العقوبات الجماعية وقسوة التدريب.

في سبخة “الجبول” شرق حلب، خاض شحادة امتحان التخرج العملي. قاد الجماعة الأولى على المدفع الأول، وحقق إصابة دمرت الدريئة الخشبية من القذيفة الأولى، بعدما اعتمد على جهاز قياس للرقيب المتطوع بدقة، بدلًا من الأوامر العشوائية التي تلقاها.

في المقابل، فشلت المدافع الخمسة الباقية نتيجة رطوبة الذخيرة المخزنة. وقد جعل هذا التميز قائد اللجنة الفاحصة يسجل اسمه، ويطلبه بالاسم عند الفرز.

فُرز الملازم خالد شحادة إلى الفوج 65 مدفعية في معسكر المعضمية، وهو موقع استراتيجي قريب من بيته في داريا.

هناك، واجه تعنت رئيس الأركان، الذي ظنه مدعومًا بعد ترحيب قائد الفوج به. وعُين في السرية الأولى تحت قيادة النقيب كامل سليمان، الذي يصفه شحادة بأنه كان من المؤيدين لانقلاب “الحركة التصحيحية” في الفوج.

تميز شحادة بالانضباط وحضور الدرس الرياضي مبكرًا، ونال ثقة النقيب، الذي أيقظه ذات ليلة في الواحدة بعد منتصف الليل ليخوض معه حوارًا معرفيًا استمر أربع ساعات. أجاب خالد، كما يروي، عن أسئلة في تاريخ الحضارات البيزنطية والآشورية والإسلامية بالأرقام والتواريخ.

كما أثبت كفاءته العلمية في اجتماع لضباط الفوج، حين رفع يده من المقعد الأخير وصحح لرئيس الأركان خطأ هندسيًا في حساب علم الرمي وعلاقته بالخط البياني والرياضيات.

وفي مطلع عام 1973، مثل أمام لجنة الإدارة السياسية للتطوع، المكونة من 13 ضابطًا. خاض مناقشة حادة مع رئيس اللجنة استمرت 40 دقيقة حول طبيعة حملات الجيش العثماني في الحرب العالمية الأولى.

يقول شحادة إن قرار الأمن والقيادة جاء برفض بقائه في الجيش، بسبب عدم انقياده السياسي ورغبته في الحفاظ على استقلاليته وتدينه. عاد بعدها إلى سلك التعليم المدني.

ست سنوات انتظارًا للتعيين

تأخر تعيين خالد شحادة مدرسًا ضمن الملاك ست سنوات، بسبب التقارير الحزبية ضده، بحسب روايته.

وفي أيلول 1972، فُرز إلى ثانوية كفر تخاريم النائية في إدلب.

دخل المدرسة بنصاب تدريسي شاق بلغ 32 حصة أسبوعيًا. كان يحضر الدروس بعناية، ويستعد لأسئلة قد تأتي من خارج المنهاج، حتى إنه كان يسهر أحيانًا إلى الفجر.

في كفر تخاريم، ظهرت ملامح شخصية المعلم الصارم. نجح في ضبط شعبة الصف التاسع التي عجز المدرسون عن كبح فوضاها، ثم تولى إدارة الثانوية. وواجه تسيب شعبة البكالوريا بقرار حاسم قضى بإغلاق الصف واشتراط حضور أولياء الأمور.

استطاع أن يدفع وجهاء البلدة وتجارها إلى الاهتمام بالمدرسة والمساعدة في ضبط أبنائهم وإنجاح العمل فيها.

بعد ذلك غادر إدلب، وانتقل إلى ريف دمشق، حيث خاض رحلة تدريس مضنية، وتنقلًا يوميًا شاقًا يبدأ في الرابعة صباحًا بين الرحيبة والضمير وجيرود. ثم عُرضت عليه إدارة ثانوية “جديدة عرطوز”.

وافق على العرض، متحملًا إدارة بيئة مدرسية معقدة تتناحر فيها تيارات الشيوعيين والإخوان المسلمين، سواء بين المدرسين أو أبناء البلدة. ويقول إنه نجح في ضبطها ونيل ثقة جيل كامل من طلابها.

مدير يقطف الزيتون بعد الدوام

مع تدهور قيمة الليرة السورية بعد عام 1976 وضعف الرواتب الحكومية، اتفق شحادة مع أربعة من زملائه المدرسين على ضمان كرم زيتون يملكه مدرس آخر في جديدة عرطوز. ( “ضمان” أو “تضمين” الأرض يعني استئجارها والعناية بأشجارها والاستفادة من محصولها لقاء بدل متفق عليه مع صاحبها)

كانوا، بعد انتهاء الدوام في الواحدة ظهرًا، يخلعون هندام الإدارة والتدريس، ويرتدون بناطيل قديمة وقمصانًا عادية، ويحملون وجبة فلافل بسيطة، ثم يصعدون السلالم ويقطفون المحصول بأيديهم.

وتظهر هذه الحكاية جانبًا من الظروف المعيشية التي واجهها المدرسون في تلك المرحلة، مع تراجع قيمة الرواتب الحكومية، وفق ما يرويه شحادة عن تجربته وزملائه.

في ثانوية الغوطة الغربية بداريا

في عام 1977، استقر خالد شحادة في ثانوية “الغوطة الغربية” بداريا، ومضى فيها تسع سنوات حتى عام 1986.

منذ بداية عمله، صُدم بواقع يقول إنه كان مريرًا: لم يكن في المدرسة آنذاك مدرس واحد من أبناء مدينة داريا.

ولم تقف التحديات عند غربة الكادر، بل امتدت إلى ما يسميه “الأمية المقنعة”، فقد أجرى اختبار “التقويم القبلي”، فوجد، بحسب روايته، أن شعبة كاملة في الصف السابع الإعدادي عاجزة تمامًا عن القراءة والكتابة.

يربط شحادة ذلك بإهمال بعض المعلمات الوافدات، اللواتي يصفهن بأنهن كن محميات بوساطات حزبية وعسكرية، ويقضين الحصص في الأحاديث الجانبية وشرب الشاي.

كما ينتقد سياسات تعليمية كانت، وفق رأيه، تمنح الطلاب نجاحًا وهميًا عبر رفع العلامات تلقائيًا لتخفيف ضغط المدارس.

أمام هذا الواقع، بدأ رحلة تأسيس شاقة من نقطة الصفر. ركز على الطلاب المتميزين الذين يعانون ضعفًا في الإملاء. ومن القصص التي يذكرها طالب بكالوريا كان متميزًا في الرياضيات والفيزياء، لكنه فاشل في اللغة العربية، فعلمه شحادة في منزله حتى تخرج مهندسًا.

منذ عام 1986 حتى تقاعده عام 2002، انتقل إلى مديرية التربية، في دائرة التدريب المستمر للمعلمين في أثناء الخدمة. كان عمله يقوم على رفع مستوى المعلمين وتطوير مهاراتهم التعليمية، عبر حضور دروسهم وإقامة دورات تدريبية لهم.

الثانوية الشرعية في داريا

في عام 1990، ظهرت فكرة تأسيس الثانوية الشرعية في داريا، في سياق اجتماعي وسياسي حساس. يربط شحادة الفكرة برد فعل أهلي على قيام سرايا دفاع رفعت الأسد بنزع حجابات النساء قسرًا في شوارع دمشق.

تبنى الفكرة الأستاذ عبد الأكرم السقا، وجمع وجهاء البلدة، واستصدروا قرارًا وزاريًا بإحداث الثانوية، رغم معارضة بعض أعضاء حزب البعث من داريا.

بدأت المدرسة في روضة أطفال مستأجرة ضيقة بجانب كازية الرفاعي. سجلت فيها 40 طالبة، يقول شحادة إنهن تركن المدارس الحكومية حفاظًا على حجابهن.

لاحقًا، صدر قرار وزاري بوضع الأستاذ خالد شحادة رئيسًا للجنة التنفيذية، لكنه وجد اللجنة بلا مال تقريبًا، سوى عشرة آلاف ليرة، وبمواجهة شديدة من شعبة الأوقاف.

قبل بدء العام الدراسي الثاني بـ48 ساعة فقط، طُرح أن يكون مقر المدرسة في قبو أحد المساجد. رفض شحادة ذلك، تجنبًا للانقسام حول فتاوى جواز وجود المرأة الحائض في المسجد وما إلى ذلك، وبدأ البحث عن بديل.

وجد بيتًا مهجورًا لعائلة “حبيب” قرب جامع المنبر. كان البيت مستعملًا من قبل كحظيرة للدواب والطيور ومكان للأسمدة. استلم المفاتيح بعد صلاة الجمعة، واستنفر نحو 50 شابًا من داريا وعشرات الشاحنات.

خلال يومين، جُرفت المخلفات، وغُسلت الجدران، وأُحضرت كميات من الكلس، وشاركت نحو عشر نساء في تبييض الغرف.

أُنشئت خمسة حمامات ومغاسل، وصُبت الباحة بالإسمنت. صباح الأحد، جاءت الطالبات إلى مكان صار صالحًا للعمل المدرسي إلى حد كبير.

في الوقت نفسه، برز دور أيمن عليان (أبو عابد)، أحد وجهاء البلدة وأحد أعضاء لجنة الإشراف الـ13 الذين عُينوا مع شحادة. كان لديه مشروع بناء مدرسة خاصة، فشيد طابقين ضما نحو 16 غرفة صفية، ونُقل جزء من عمل الثانوية الشرعية إلى هذا البناء، ليكون فرعًا ومقرًا إضافيًا يستوعب العدد المتزايد من الطالبات، قبل أن ينتقل العمل الاستراتيجي لاحقًا إلى بناء المقر الحالي.

انطلقت لجنة المدرسة كخلية نحل تجمع التبرعات من الناس بإيصالات رسمية من الأوقاف. بلغت قيمة التبرعات الإجمالية، بحسب شحادة، 58 مليونًا و600 ألف ليرة سورية خلال ثلاث سنوات.

يتذكر من قصص التبرع قصة الشيخ نعيم السوسي في جامع الإيمان بدمشق، حين تبرع بخمسة آلاف ليرة وهو فوق المنبر، لتجمع اللجنة في يوم واحد 865 ألف ليرة، وهو مبلغ سد مصاريف البناء لشهرين. كما يذكر شيكًا أرسله طبيب دمشقي بمبلغ مليون و450 ألف ليرة سورية، اشترت اللجنة به رخام البناء وبلاطه.

تكللت الجهود بشراء أرض المدرسة في موقعها الحالي. وضع عدد من المهندسين، منهم صبحي زيادة، ومنير نايلة، وأحمد الهندي، مخططًا هندسيًا، تُوج ببناء صرح متكامل من أربعة طوابق، يضم مصاعد ورخامًا فاخرًا، وصالة أفراح بمساحة 600 متر مربع بلا أعمدة وسطية.

وصل عدد طالبات المدرسة إلى 1600 طالبة، كان قسم كبير منهن يأتي من خارج داريا، عبر حافلات بلغ عددها 15 حافلة.

ويروي شحادة أن وزير الأوقاف الكويتي، خلال زيارة رسمية، انبهر بالصرح، متسائلًا عن مؤسسة تعليمية تبنى بالكامل من أموال الأهالي وأهل الخير، من دون الاعتماد على موازنة الدولة، ومع ذلك تتمتع ببنية تحتية ممتازة وتدفئة مركزية سبقت مدارس العاصمة.

إصلاح ذات البين

إلى جانب التعليم، برز لخالد شحادة دور اجتماعي في داريا، ولا سيما في حل النزاعات وإصلاح ذات البين.

كان يتدخل في الخلافات الزوجية بالحسنى، ويعمل، وفق روايته، على مكافحة غبن حقوق النساء في الميراث، أو معالجة تبعات قسمة الأراضي المجحفة.

وفي بعض الحالات، تجاوز دوره حدود داريا. يروي أنه كان ضمن وفد ضم رياض حمودة وعمر حلمي، ذهب إلى مناطق العشائر في خان الشيح، بعد قيام شاب من بيت حمودة بجريمة قتل.

كانت العشيرة، بحسب شحادة، في حالة غضب، وكان منطق الثأر يستهدف تصفية كبار عائلة القاتل. نجح الوفد في امتصاص الغضب وإقناع العشيرة بالعدول عن الثأر، وحسم الأمر بقبول الدية الشرعية المتعارف عليها.

وتُظهر هذه الحوادث أن دور شحادة لم يقتصر على التعليم، بل امتد إلى موقع اجتماعي في حل النزاعات داخل داريا وخارجها، بحسب الوقائع التي رواها في المقابلة.

أول محاضرة في المركز الثقافي

في عام 1986، دشن خالد شحادة المركز الثقافي في داريا بإلقاء أول محاضرة فيه، وكانت بعنوان “تاريخ مدينة داريا”، بدعوة من اتحاد الكتاب العرب.

استغرق التحضير للمحاضرة أسابيع من البحث في كتب متفرقة لجمع معلومات عن تاريخ المدينة. وصف داريا بأنها البوابة الغربية لدمشق، وخط دفاعها الأول أمام الجيوش الغازية، وأكد في المحاضرة أن اسمها سرياني، ويعني “الدور المجمعة القريبة”.

شهدت المحاضرة حضورًا شعبيًا واسعًا، يقدره شحادة بأكثر من 1500 شخص، ملأوا القاعات والساحات. ويقول إنه تعمد حينها تجاهل مديح السلطة وحزب البعث، مركزًا على تاريخ المدينة ومكانتها.

من داريا إلى التل ثم تركيا

ظلت داريا مركز ذاكرة خالد شحادة ومجال تجربته التعليمية والاجتماعية حتى سنوات الثورة.

وبعد اقتحام قوات النظام المدينة وبدء حصارها أواخر عام 2012، غادر شحادة داريا إلى مدينة التل في ريف دمشق، وهي مدينة أهل زوجته.

كانت التل في تلك المرحلة تعيش حالة هدنة بين فصائل المعارضة والنظام، فبقي فيها شحادة بضع سنوات، في انتقال ارتبط بظروف الحرب والحصار والابتعاد عن المدينة.

وفي عام 2018، غادر سوريا إلى تركيا، حيث أقام بداية قرب أبنائه في مدينة غازي عنتاب، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى إسطنبول.

ذاكرة رجل ومدينة

لا يمكن فصل سيرة خالد شحادة عن سيرة داريا كما يرويها.

فهو ولد في زمن كانت البلدة محصورة بين حاراتها القديمة، وبيوتها من الطين والتبن، وبساتينها تبدأ عند أطراف ما صار لاحقًا قلب المدينة.

وتعلم في الكتّاب حين كان رغيف الخبز جزءًا من أجر الشيخ، ثم انتقل إلى المدرسة النظامية حين كانت داريا تخطو خطواتها الأولى نحو التعليم الحديث.

خرج إلى مدارس دمشق، وجرب معنى أن يكون طالبًا من الريف في مدرسة عريقة، لا يعرف الإنجليزية ثم يتفوق فيها.

عمل في الحصاد والتذرية، ثم صار مدرسًا ومديرًا ومشرفًا على تدريب المعلمين.

خاض الخدمة العسكرية، ثم عاد إلى التعليم، حيث رأى في ضعف الطلاب قضية تحتاج إلى تأسيس تعليمي متدرج وصارم.

وفي داريا، لم يكن شاهدًا على التعليم فقط، بل شارك في مؤسسات اجتماعية ودينية وتعليمية، من الثانوية الشرعية إلى المركز الثقافي، ومن إصلاح الخلافات العائلية إلى الدفاع عن حقوق النساء في الميراث، وفق ما يرويه عن نشاطه الاجتماعي.

أمنيات لداريا

اختتم الأستاذ خالد شحادة حديثه لعنب بلدي بأمنيات لمدينته التي شهدت خلال العقود الأخيرة حربًا ودمارًا ومحوًا لكثير من معالمها التاريخية.

يتمنى شحادة لداريا نهضة سريعة، تستند إلى مخطط تنظيمي حديث ومدروس، يساعدها على تجاوز آثار الحرب والدمار، ويعيد إليها قدرتها على الحياة.

وفي الوقت نفسه، يعبر عن أسفه لمحو معالم تاريخية كانت تشكل جزءًا من ذاكرة المدينة.

ومن بين أمنياته الخاصة إعادة إعمار وتأهيل موقع مدرسة “معن بن زائدة” التاريخية، باعتبارها أول مدرسة نظامية في داريا، ومعلمًا حضاريًا يمكن أن يعيد للمدينة شيئًا من هويتها المعرفية.

الأستاذ خالد شحادة وأخوه الأكبر محمد أبو سعيد (عنب بلدي – أرشيف سليمان شحادة)

الأستاذ خالد شحادة رفقة الاستاذ علي الشربجي في إسطنبول – 2024 (عنب بلدي – أرشيف سليمان شحادة)

الأستاذ خالد شحادة برفقة أصدقائه في إسطنبول، من اليمين: أبو أحمد عليان، الأستاذ خالد شحادة، المرحوم أبو هشام الشربجي، المرحوم أبو طارق معترماوي (عنب بلدي – أرشيف سليمان شحادة)

مقالات ذات صلة

بين «الكُتّاب» وثانوية الغوطة الغربية.. محطات من ذاكرة عبد العزيز الون

علي الشربجي.. من تحقيق الكتب في دمشق إلى البحث الشرعي في الكويت

علي الشربجي.. من داريا إلى دمشق وبدايات مسيرته العلمية والتعليمية