بينما تستعد الأسر لتأمين احتياجاتها الغذائية مع اقتراب شهر رمضان، تبدو أسواق مدينة داريا أقل ازدحامًا مما اعتاد عليه الأهالي في مثل هذا التوقيت من كل عام.
ففي جولة ميدانية أجرتها عنب بلدي، الاثنين 17 شباط، في محلات المواد الغذائية، رصدت حركة شراء “عادية”، دون ارتفاع ملحوظ في الطلب، رغم استقرار نسبي في معظم أسعار المواد الأساسية، مقابل شكاوى متزايدة من ضعف القدرة الشرائية واتساع الفجوة بين الدخل وكلفة المعيشة.
ويأتي ذلك في ظل تداول سعر صرف الدولار عند نحو 11,700 ليرة سورية، بحسب ما أفاد به تجار في السوق، وهو سعر ينعكس على تسعير المواد الغذائية، خاصة المستوردة أو المرتبطة بمدخلات إنتاج مسعرة بالعملة الأجنبية.
وشملت الجولة عددًا من المحال التجارية والبسطات في أحياء متفرقة من المدينة، حيث لم يسجل التجار زيادة واضحة في كميات الشراء مقارنة بالأيام والأسابيع السابقة، على خلاف ما كان يحدث عادة في السنوات الماضية قبيل رمضان.
أسعار مستقرة منذ شهرين.. باستثناء الدجاج
أفاد أصحاب محال مواد غذائية بأن أسعار معظم السلع الأساسية لم تشهد تغيرًا ملحوظًا منذ نحو شهرين، باستثناء مادة الدجاج، التي ارتفع سعرها بعد إيقاف استيراد الدجاج التركي، ما انعكس على سعر المنتج المحلي.
وأوضح بعض التجار أن استقرار الأسعار لا يعني انخفاضها، بل ثباتها عند مستويات مرتفعة نسبيًا قياسًا بالدخل، مشيرين إلى أن أي تغير في سعر الصرف ينعكس على السوق ولو بعد فترة قصيرة.
وبحسب ما رصدته عنب بلدي، جاءت أسعار بعض المواد الأساسية على النحو الآتي:
- كيلو الأرز: بين 12,000 و20,000 ليرة سورية
- كيلو السكر: بين 8,000 و8,500 ليرة
- كيلو العدس الأحمر المجروش: 15,000 ليرة
- كيلو التمر: بين 25,000 و80,000 ليرة
- ليتر الزيت النباتي: بين 24,000 و30,000 ليرة
- ليتر زيت الزيتون: بين 70,000 و85,000 ليرة
- كيلو الدجاج: بين 35,000 و48,000 ليرة
- كيلو اللحم: بين 120,000 و200,000 ليرة
وتعد اللحوم الحمراء من أكثر المواد كلفة، إذ يعادل سعر الكيلو منها ما يزيد على 120 ألف ليرة (عشرة دولارات تقريبًا) وفق سعر الصرف المتداول، ما يجعلها خارج متناول عدد كبير من الأسر، بحسب شهادات ميدانية.
دخل محدود مقابل مصروف مرتفع
في مقابل هذه الأسعار، تبدأ رواتب الموظفين في داريا من نحو مليون و200 ألف ليرة سورية، وتصل إلى مليوني ليرة، فيما قد تتراوح رواتب المراتب الأعلى بين أربعة وخمسة ملايين ليرة شهريًا.
أما أجرة العامل اليومية فتبلغ نحو 200 ألف ليرة للمعلم، و100 ألف ليرة للعامل العادي، بحسب شهادات ميدانية، إلا أن فرص العمل، خاصة في المهن المرتبطة بالإنشاءات والدهان، تتراجع خلال فصل الشتاء، ما يؤثر على انتظام الدخل.
ويقدر عدد من الأهالي أن المصروف الشهري لأسرة متوسطة يتراوح بين أربعة وخمسة ملايين ليرة سورية لتأمين الاحتياجات الأساسية فقط، دون احتساب مصاريف إضافية كالأدوية أو الالتزامات الطارئة.
وبحسب تقديرات ميدانية، تبلغ تكلفة إعداد وجبة واحدة لأسرة مؤلفة من أربعة أشخاص بين 200 ألف و250 ألف ليرة سورية، ما يعني أن كلفة الغذاء اليومية قد تستهلك جزءًا كبيرًا من دخل الأسرة الشهري، خصوصًا لدى أصحاب الرواتب الدنيا.
شهادات من السوق
أم عمر، وهي سيدة تعيل أسرتها في داريا، قالت إنها تعتمد على نفسها في تأمين احتياجات المنزل في ظل إصابة زوجها وعجزه عن العمل، واحتياج ابنتها إلى رعاية خاصة، بينما يعيل ابنها المتزوج أسرتين.
وأضافت، “الأسعار غالية، وما منقدر نجيب كل شي. منشتري على قدّ ما معنا”، مشيرة إلى أن اللحوم خرجت من حساباتها منذ فترة، قائلة، “اللحمة نسيتها من زمان، وحتى الفروج ما عم نشوفه”.
وأوضحت السيدة أن الخضار تبقى أولوية رغم ارتفاع أسعارها، فيما تبقى الحلويات الرمضانية خارج إمكاناتها هذا العام.
ماهر، صاحب بسطة في حي الشاميات، قال إن الأسعار ترتفع عمومًا قبل رمضان وخلاله، معتبرًا أن زيادة الطلب قد تدفع نحو ارتفاعات إضافية ولو طفيفة، لكنه أشار إلى أن حركة البيع حتى الآن لم تختلف كثيرًا عن الأيام العادية، وأن غالبية الزبائن يشترون بكميات محدودة.
بدوره، قال أمير عبار، وهو عامل دهان في المدينة، إن تراجع فرص العمل خلال الشتاء وانخفاض الأجور يزيدان من صعوبة تأمين المصاريف، خاصة مع قدوم رمضان، مضيفًا أن أسرة من ثلاثة أو أربعة أشخاص تحتاج إلى ما لا يقل عن 5.5 ملايين ليرة سورية شهريًا “بس أكل وشرب”.
نشاط خيري موسمي
مع دخول شهر رمضان، تنشط في داريا مبادرات أهلية وجمعيات خيرية لإطلاق حملات موسمية تستهدف الأسر ذات الدخل المحدود، عبر توزيع سلال غذائية تحتوي مواد أساسية، وتنظيم وجبات إفطار جماعية أو إرسال وجبات جاهزة إلى بعض العائلات.
وتعتمد هذه المبادرات، بحسب ما رصدت عنب بلدي، على تبرعات فردية ومحلية، وتتركز غالبًا في الأيام الأولى من الشهر، في محاولة لتخفيف العبء عن الأسر الأكثر هشاشة، خصوصًا تلك التي فقدت معيلها أو تعتمد على دخل غير ثابت.
إلا أن معطيات محلية تشير إلى أن حجم الاحتياج يتجاوز الإمكانيات المتاحة، في ظل اتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة، وارتفاع أسعار المواد الغذائية مقارنة بمستوى الرواتب، فعدد الأسر التي تحتاج إلى دعم موسمي يزداد، في وقت تبقى فيه الموارد محدودة وموسمية بطبيعتها.
وفي هذه السنة، لا تبدو الأسواق في داريا أكثر ازدحامًا من المعتاد مع اقتراب رمضان، لكن مقارنة الأسعار بمستوى الدخل تظهر ضغطًا معيشيًا واضحًا، إذ يقترب الحد الأدنى لمصروف الأسرة الشهري من كامل راتب موظف في شريحة الدخل الأدنى.
وبين ثبات الأسعار عند مستويات مرتفعة نسبيًا، وتراجع القدرة الشرائية، تصبح المائدة الرمضانية هذا العام أقرب إلى حسابات دقيقة، تقوم على إعادة ترتيب الأولويات، والاستغناء عن بعض الأصناف، والاكتفاء بالحد الأدنى من المواد الأساسية.