أصبحت مجموعات التواصل في داريا إحدى أسرع الطرق التي يستخدمها بعض السكان للوصول إلى كهربائي أو نجار أو فني سيارات، بعدما كان البحث يعتمد غالبًا على سؤال الجيران أو الاستعانة بقريب يعرف صاحب المهنة.
وتزداد أهمية هذه المجموعات بالنسبة إلى العائدين بعد سنوات من الغياب، ممن انتقلوا إلى أحياء لا يعرفون سكانها أو فقدوا أرقام أصحاب المهن الذين تعاملوا معهم سابقًا. وبات طلب واحد منشور في مجموعة محلية يتيح لصاحبه الحصول على عدة أسماء وأرقام خلال وقت قصير.
وفي مقابل السرعة التي توفرها، لا تلغي هذه الطريقة الحاجة إلى السؤال عن خبرة مقدم الخدمة ومدى موثوقيته، إذ ما زال بعض السكان وأصحاب المهن يفضلون الوصول عبر المعارف، أو التحقق من الأسماء المقترحة قبل التعامل معها.
شبكة بديلة بعد العودة
عادت مرام، 32 عامًا، إلى داريا بعد 15 عامًا قضتها في الأردن، وانتقلت إلى منزل لم تكن تعرف جيرانه، في وقت لم يعد زوجها أيضًا قادرًا على الوصول إلى كثير من معارفه السابقين، بسبب تغير أماكن سكنهم وأرقام هواتفهم.
احتاجت مرام إلى أصحاب مهن يساعدونها في تأثيث المنزل وإجراء إصلاحات داخله، فلجأت إلى المجموعات الخاصة بداريا على مواقع التواصل.
وكان عطل كهربائي لا يحتمل التأجيل أول اختبار لهذه الطريقة، فنشرت مرام سؤالًا عن فني كهرباء، وتلقت عدة أرقام أعطتها لزوجها، فتواصل مع أحد أصحابها، الذي حضر إلى المنزل وأصلح العطل.
وتقول مرام إن المجموعات وفرت عليها البحث في محيط لا تعرف فيه أحدًا، واختصرت الوقت اللازم للوصول إلى الخدمة.
وتقارن ذلك بما كان يحدث قبل سفرها، حين كان البحث يبدأ من الأب أو الأخ أو أحد الجيران.
وخلال إقامتها في الأردن، كانت تستخدم تطبيقات مخصصة للوصول إلى مقدمي الخدمات، وترى أن وجود تطبيقات مماثلة في سوريا قد يجعل البحث أكثر تنظيمًا ويمنح المستخدم شعورًا أكبر بالأمان.
بعد يوم من الانتظار.. منشور يعيد تشغيل سيارة
لم يقتصر استخدام المجموعات على الخدمات المنزلية، فقد لجأ علاء، 27 عامًا، إليها بعدما تعطلت سيارته خلال عطلة العيد، أثناء زيارته أحد أقاربه في منطقة الفارس.
توقفت السيارة عن العمل بصورة كاملة، واضطر علاء إلى تركها في مكانها يومًا، بعدما تعذر عليه الوصول إلى الفنيين الذين يعرفهم بسبب وجودهم في مناطق بعيدة.
نشر علاء طلبًا للمساعدة في إحدى مجموعات “فيسبوك”، وحصل عبر التعليقات على أرقام عدد من فنيي السيارات، فتواصل مع أحدهم، فحضر إلى الموقع وأصلح العطل وشغل السيارة.
ويقول علاء إنه لم يكن متأكدًا في البداية من جودة الخدمة، لكنه لم يكن قادرًا على الانتظار وقتًا أطول، وجاءت تجربته إيجابية، بحسب وصفه، بسبب خبرة الفني وسرعة استجابته.
ويرى أن المجموعات كانت أكثر فاعلية من انتظار أحد الفنيين الذين يعرفهم، لكنه يفضل وجود منصة متخصصة تسجل أسماء مقدمي الخدمات وتربطهم بالزبائن، بما يفتح فرص عمل لأصحاب المهن ويساعد المستخدمين على اختيار الشخص المناسب بثقة أكبر.
فرصة لأصحاب المهن لا تضمن الزبائن
فتحت المجموعات المحلية بابًا لأصحاب المهن أيضًا، خصوصًا لمن لا يملكون محال أو يرغبون في الوصول إلى زبائن خارج دائرة معارفهم.
أبو عمر حمدوني، وهو منجد عاد إلى سوريا ولم يفتتح محلًا خاصًا بعد، بدأ بنشر صور الأطقم التي يصنعها في عدة مجموعات محلية.
ويتلقى حمدوني استفسارات وحجوزات بعد نشر الصور، لكنه يوضح أن السؤال عن الخدمة لا يتحول دائمًا إلى عملية شراء.، وتمكن، في إحدى المرات، من بيع طقم بعد عرضه في إحدى المجموعات.
وتفرض بعض المجموعات رسومًا مقابل نشر الإعلانات، بينما تسمح مجموعات أخرى بعرض الخدمات مجانًا.
ويفضل حمدوني المجموعات المجانية، لعدم وجود ضمان بأن يؤدي الإعلان المدفوع إلى بيع المنتج أو استرداد كلفته.
ويعتبر أن عرض الأعمال عبر الإنترنت يسرع انتشارها، لكنه يحتاج إلى وقت وجهد لبناء الثقة مع الزبائن. لذلك ما زال يفضل في بعض الحالات الوصول إليهم عبر المعارف، باعتبار هذه الطريقة أكثر ضمانًا بالنسبة إليه، من دون أن ينكر الدور الذي تؤديه المجموعات في توسيع دائرة البحث والوصول.
من ذكريات المدرسة إلى مساعدة تسعة آلاف عضو
لم تنشأ جميع مجموعات داريا بهدف تبادل الخدمات. فمجموعة “صبايا داريا”، على سبيل المثال، بدأت مساحة لجمع طالبات مدرسة فرقتهن سنوات النزوح، قبل أن تتوسع وظيفتها مع الوقت.
تقول ريم، وهي إحدى المسؤولات عن إدارة المجموعة، إن الأخيرة تأسست عام 2013 تحت اسم “ثانوية بنات داريا”، بهدف جمع طالبات المدرسة واستعادة ذكرياتهن، بعد خروج معظم سكان المدينة وتفرقهم.
لاحقًا، بدأت العضوات باستخدام المجموعة للبحث عن الأقارب والمعارف، ثم توسعت عبر إضافة مزيد من الأشخاص، وارتفع عدد أعضائها من بضع مئات عند تأسيسها إلى نحو تسعة آلاف عضو حاليًا.
وخصصت المجموعة للنساء، وحرصت إدارتها على تجنب إضافة الحسابات الوهمية أو التي لا تربطها معرفة مشتركة بأي من العضوات، بحسب ريم.
وفي مرحلة سابقة، كانت بعض النساء تطلب من الإدارة نشر احتياجاتها نيابة عنها، لعدم رغبتها في طرح السؤال أمام عدد كبير من الأشخاص، لكن العضوات أصبحن، مع مرور الوقت، ينشرن طلباتهن مباشرة.
وتتركز نسبة كبيرة من المنشورات التي توافق عليها الإدارة حاليًا على البحث عن منازل للإيجار، إلى جانب طلبات المساعدة والخدمات المختلفة. وتؤكد ريم أن النشر في المجموعة مجاني ولا يخضع لأي رسوم.
المعلومة رقمية والثقة ما زالت شخصية
ترى الخبيرة الاجتماعية بيان كوكي أن التكنولوجيا غيرت طريقة الوصول إلى المعلومات والخدمات داخل الأحياء، لكنها لم تلغِ دور العلاقات الشخصية.
وتقول إن بعض الأشخاص يجمعون المعلومات والأسماء عبر الإنترنت، ثم يعودون إلى شخص يثقون بخبرته للتأكد منها قبل اتخاذ القرار. وبذلك توسعت دائرة البحث، من دون أن تنتقل الثقة بالكامل من العلاقات المباشرة إلى الهاتف.
وساعدت سرعة انتشار المنشورات والإعلانات والعروض في تحول مواقع التواصل إلى وسيلة أساسية للتعريف بالخدمات، وفق كوكي، لكنها تحذر من تداول معلومات غير مؤكدة أو الاعتماد على منشور واحد من دون التحقق من مضمونه.
وتشير إلى أن الاعتماد المتزايد على الهاتف قد يقلل من الزيارات واللقاءات بين الأقارب والجيران، بعدما أصبح بعض الأشخاص يكتفون بالمكالمات والرسائل. إلا أن التواصل المباشر، بحسب رأيها، ما زال ضروريًا لبناء العلاقات وفهم احتياجات الآخرين.
وفي التجارب التي رصدتها عنب بلدي، أدت المجموعات دور بوابة أولى للعثور على الخدمة أو الزبون، بينما بقيت المعرفة الشخصية والتجربة السابقة وسيلتين للحسم قبل التعامل.