ظنت نهال، البالغة من العمر 35 عامًا، أنها اعتادت الأسئلة المرتبطة بالزواج، وأن نجاحها في عملها وحياتها الشخصية ساعدها على التعامل مع عدم ارتباطها حتى الآن.
لكن موقفًا خلال زيارة عائلية أعاد إليها شعورًا حاولت تجاوزه لسنوات.
سألتها امرأة لا تعرفها عن عمرها وما إذا كانت متزوجة. وقبل معرفة سنها، كانت تشجعها على عدم الاستعجال في اختيار شريك الحياة، لكن ملامحها تغيرت عندما عرفت أنها في الخامسة والثلاثين ولم تتزوج، وبدأت تنصحها بالقبول بأي شخص يتقدم إليها.
لم يكن هذا الموقف استثنائيًا في تجربة نهال، التي تقول إن الزواج يبقى موضوعًا حاضرًا في كثير من الاجتماعات العائلية، لكنها تأثرت بطريقة المرأة أكثر من تعليقات أقارب اعتادت سماعها.
وبحسب تجارب اطلعت عليها عنب بلدي في داريا فإن تأخر الزواج لا يرتبط بقرار الفتاة وحدها، إذ تتداخل فيه تكاليف تأسيس المنزل، ومتطلبات الطرفين، والبحث عن شريك مناسب، بينما يبقى الضغط الاجتماعي موجهًا بصورة أكبر إلى النساء مع تقدمهن في العمر.
نجاح مهني لا يوقف الأسئلة
تخرجت نهال في الجامعة وعملت محاسبة لسنوات، وتقول إنها بنت لنفسها مسارًا مهنيًا تشعر بالرضا عنه، ولا ترى أن حياتها متوقفة على الزواج.
لكن كونها الوحيدة غير المتزوجة في عائلتها يجعل السؤال عن ارتباطها حاضرًا في معظم اللقاءات.
وتحاول أحيانًا تجنب الجلسات التي تعرف مسبقًا أنها ستتحول إلى أسئلة عن عمرها والزواج، لكنها لا تستطيع الابتعاد عن أقاربها بصورة دائمة، لذلك تلجأ إلى تغيير الموضوع أو الرد على التعليقات عندما تتكرر.
وخلال سنوات عملها، تقدمت إلى منح مرتبطة باختصاصها خارج سوريا، وقُبلت في إحدى المرات بمنحة في هنغاريا، لكنها لم تستكمل السفر بسبب وضع أسرتها آنذاك وحاجتها إلى البقاء للمساهمة في مصاريف المنزل.
وتقول إن عدم زواجها لم يمنعها من متابعة حياتها وعملها، لكنها ما تزال تجد نفسها مطالبة بتفسير ذلك أمام الآخرين.
وكان موقف المرأة التي التقتها في الزيارة العائلية أكثر ما بقي عالقًا في ذهنها.
تقول نهال إن المرأة بدت كأنها ستبكي عندما عرفت عمرها، ثم انتقلت خلال دقائق من نصيحتها بعدم الاستعجال إلى حثها على القبول بأي شخص يتقدم إليها.
ومنذ ذلك اليوم، تستعيد نهال الموقف أحيانًا عندما تكون وحدها، وتشعر بالحزن رغم اقتناعها السابق بخياراتها وطريقة حياتها.
الكلفة تؤجل قرار الشباب
من جهة أخرى، يرى محمد ديب، البالغ من العمر 28 عامًا، أن معظم أسباب تأخر الزواج ترتبط بالتكاليف التي يصعب على كثير من الشباب تحملها.
وقال لعنب بلدي إن متطلبات الزواج قد تشمل المهر والذهب وتأمين منزل مستقل وتجهيزه، إضافة إلى احتفالات مرتبطة بطلب الزواج أو الخطوبة، يرى أنها أصبحت أكثر كلفة مع انتشار أنماط جديدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
لكنه شدد على أن هذه المتطلبات لا تنطبق على جميع الفتيات أو العائلات، وأن بعضهن يفضلن زواجًا أقل كلفة ولا يشترطن احتفالات أو تجهيزات كبيرة.
ويتحدث محمد عن تجربة شخصية عندما تقدم لخطبة فتاة، إذ طلبت عائلتها، بحسب قوله، 25 مليون ليرة سورية للملبوس، إضافة إلى تأمين منزل مستقل.
ولم يستطع تلبية هذه المتطلبات، خصوصًا أنه مسؤول عن والدته ولا يستطيع تحمل نفقات منزلين في الوقت نفسه، ما دفعه إلى تأجيل فكرة الزواج حتى يصبح وضعه المادي أفضل.
العمر يغير معايير الاختيار
لا تحدد السيدة أم رضا خولاني، وهي في الخمسينيات من عمرها، عمرًا ثابتًا تراه مناسبًا للزواج، وتقول لعنب بلدي إن الأهم هو أن تكون الفتاة مستعدة لتحمل مسؤولياته.
وترى أن طريقة الاختيار تتغير مع العمر والخبرة، إذ قد تركز بعض الفتيات في سن أصغر على الحفل أو المظهر، بينما تصبح أسئلة العلاقة اليومية والمسؤولية والتفاهم وتربية الأطفال أكثر حضورًا مع مرور الوقت.
كما تعتقد أن العمل والاحتكاك بالمجتمع قد يجعلان المرأة أكثر دقة في تقييم الشخص الذي يتقدم إليها، وأن بعض الفتيات يتأخر زواجهن لأنهن لم يجدن شريكًا مناسبًا، أو لأن تجارب ارتباط سابقة انتهت قبل الوصول إلى الزواج.
ولا ترى أم رضا أن تأخر الزواج يمكن تفسيره بسبب واحد أو تحميله للفتاة وحدها.
حين يصبح السؤال ضغطًا
ترى الأخصائية الاجتماعية بيان كوكي أن السؤال عن الزواج يتحول إلى ضغط عندما يصبح الزواج المعيار الأساسي الذي يقاس به نجاح المرأة.
وقالت لعنب بلدي إن بعض الفتيات يسمعن أسئلة متكررة عن الزواج أكثر مما يسمعن أسئلة عن الدراسة والعمل والإنجازات، ما قد يختصر حياتهن في جانب واحد.
ويزداد الضغط، بحسب كوكي، عندما تكون الفتاة الوحيدة غير المتزوجة بين أخواتها أو قريباتها، إذ لا تحتاج الرسالة الاجتماعية دائمًا إلى تعليق مباشر، وقد تظهر في طريقة النظر إليها أو التعامل معها.
وتحذر كوكي من أن الخوف من كلام المجتمع قد يدفع بعض النساء إلى تغيير قراراتهن وقبول ارتباط لا يناسبهن، سواء بسبب اختلاف كبير في العمر أو عدم التوافق، فقط للتخلص من وصفهن بأنهن «تأخرن عن الزواج».
وترى أن المشكلة لا تكمن في السؤال وحده، بل في ربط قيمة المرأة الاجتماعية بكونها زوجة وأمًا، وتجاهل ما تحققه في مجالات أخرى.
لماذا يكون الضغط أكبر على النساء؟
تقول كوكي إن الاعتقاد بأن «الرجل لا يعيبه شيء» ما يزال حاضرًا في بعض البيئات، في حين تزداد الأسئلة الموجهة إلى المرأة كلما تقدمت في العمر.
ويرتبط جانب من ذلك، بحسبها، بربط عمر المرأة بالإنجاب ومستقبل الأسرة، بينما لا يتعرض الرجل إلى المستوى نفسه من التدقيق الاجتماعي، رغم أن الزواج مسؤولية مشتركة تتطلب استعداد الطرفين.
وترى أن الأسرة تستطيع تخفيف هذا الضغط عندما تمنح ابنتها شعورًا بأنها غير مطالبة بإثبات قيمتها من خلال الزواج، وأن منزل أهلها يظل مكانًا آمنًا لها سواء تزوجت أم لم تتزوج.
كما يمكن للأهل، وفق كوكي، وضع حدود أمام الأسئلة المتكررة من الأقارب، والرد عليها بصورة مختصرة بدل السماح بتحول اللقاءات العائلية إلى نقاش مستمر حول حياة الفتاة الشخصية.
الكلفة والسكن ومواقع التواصل
لا تحصر كوكي أسباب تأخر الزواج في الضغط الاجتماعي، وتشير إلى عوامل اقتصادية أصبحت أكثر تأثيرًا، منها ارتفاع المهور وأسعار الذهب والمنازل والإيجارات.
وتقول إن إصرار بعض الأسر على امتلاك منزل قبل الزواج يجعل الارتباط أكثر صعوبة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
كما ترى أن مواقع التواصل الاجتماعي تؤثر في توقعات الشباب والفتيات من الزواج بطريقتين مختلفتين؛ فهي تعرض احتفالات وخطوبات مكلفة قد تجعلها تبدو معيارًا متوقعًا، وفي الوقت نفسه تنشر قصصًا كثيرة عن علاقات فاشلة قد تؤثر في صورة الزواج لدى بعض المتابعين.
وتضيف أن موضوع السكن مع أهل الزوج أصبح أيضًا نقطة خلاف في بعض الحالات، مع رغبة فتيات في الاستقلال بمنزل منفصل وعدم قدرة بعض الشباب على تحمل كلفته.
الزواج قرار شخصي
بالنسبة إلى نهال، لم يغير الموقف الذي عاشته في الزيارة العائلية حقيقة حياتها أو قناعتها بأنها لا تريد الزواج لمجرد التخلص من الأسئلة، لكنه جعل أثر هذه الأسئلة مختلفًا عليها.
وتقول كوكي إن الزواج يبقى قرارًا شخصيًا يرتبط بالاختيار والاستعداد، وإن للمرأة الحق في متابعة تعليمها أو عملها أو تأجيل الزواج إلى حين وجود الشخص والظروف المناسبين لها.
أما نهال، فما تزال ترى أن حياتها المهنية والعائلية قائمة ومستقرة، لكنها أصبحت تدرك أن التصالح مع قرار شخصي لا يمنع كلمات الآخرين من أن تترك أثرًا، خصوصًا عندما تتحول نظرتهم إلى حياتها بمجرد معرفة عمرها وعدم زواجها.