عادوا إلى مدارس داريا.. اللغة والاندماج أول اختبارات الأطفال

مدخل مدرسة داريا المحدثة الأولى في مدينة داريا - 11 تموز 2026 (عنب بلدي - محمد مشمشتين)

يواجه الأطفال العائدون من دول اللجوء إلى مدارس مدينة داريا تحديات تتجاوز اللحاق بالمناهج الدراسية، إذ تبدأ رحلة كثير منهم بمحاولة التأقلم مع بيئة جديدة، وبناء صداقات، واستعادة الشعور بالأمان بعد سنوات أمضوها في أنظمة تعليمية مختلفة خارج سوريا.

وتشير مقابلات أجرتها عنب بلدي مع أولياء أمور ومعلمين ومستشار تربوي إلى أن اندماج الأطفال العائدين لا يرتبط بمستواهم الدراسي وحده، بل يتأثر أيضًا بالدعم الذي يتلقونه من الأسرة والمدرسة، وقدرة المعلمين على مساعدتهم في تجاوز آثار الانتقال إلى بيئة تعليمية واجتماعية جديدة.

من الخوف إلى التفوق

عاد فراس هلال مع عائلته من تركيا إلى داريا في آب 2025، والتحق بالصف السادس في مدرسة رياض الصالحين بمنطقة الشاميات، بعد سنوات تلقى خلالها تعليمه باللغة التركية.

تقول والدته، هبة خطاب، إن الأشهر الأولى كانت الأصعب بالنسبة لطفلها، إذ واجه صعوبة في متابعة الدروس بسبب ضعف مستواه في اللغة العربية، بعدما اعتاد الدراسة باللغة التركية، وهو ما انعكس على تحصيله الدراسي في بداية العام.

وأضافت أن الأسرة حرصت على منحه الوقت الكافي للتأقلم، في حين قدمت المدرسة ومعلمة الصف دعمًا ساعده على تجاوز هذه المرحلة، من خلال تبسيط الدروس، وتشجيعه على المشاركة داخل الصف، ومنحه فرصة للتدرج في استعادة مهاراته باللغة العربية.

ومع مرور الأشهر، بدأ فراس ينسجم مع زملائه، وتمكن من تكوين صداقات داخل المدرسة، وهو ما انعكس، بحسب والدته، على ثقته بنفسه ورغبته في متابعة الدراسة.

وترى خطاب أن الصبر كان العنصر الأهم في هذه التجربة، لذلك تنصح الأسر السورية المقيمة في دول اللجوء بالحرص على تعليم أطفالها اللغة العربية إلى جانب لغة البلد المضيف، وعدم توقع اندماجهم الكامل منذ الأشهر الأولى بعد العودة.

وتقول معلمة الصف، سوزان خولاني، إن فراس وصل إلى المدرسة وهو يشعر بالخوف من عدم قدرته على مجاراة زملائه، لذلك اضطرت في بعض الحصص إلى العودة لشرح المهارات الأساسية التي فاتته خلال سنوات الدراسة خارج سوريا، قبل الانتقال إلى دروس المنهاج.

وأضافت أن بناء ثقة الطفل بنفسه كان يسبق التركيز على مستواه الدراسي، لأن شعوره بالأمان داخل الصف يجعله أكثر استعدادًا للتعلم.

ومع نهاية العام الدراسي، أصبح فراس، إلى جانب عدد من الطلاب العائدين من دول اللجوء، من بين الطلاب المتميزين في الصف، بحسب خولاني، التي ترى أن النتائج الدراسية جاءت بعد نجاح الطفل في تجاوز مخاوفه الأولى والتأقلم مع البيئة الجديدة.

المعلمون: بناء الثقة يسبق التحصيل

لا يقتصر دور المعلمين، بحسب من تحدثت إليهم عنب بلدي، على شرح المنهاج للأطفال العائدين، بل يبدأ بمحاولة مساعدتهم على استعادة شعورهم بالانتماء داخل المدرسة.

وتوضح خولاني أن صفها يضم حاليًا ثلاثة طلاب عادوا من دول اللجوء، مشيرة إلى أن بعضهم يواجه صعوبة في القراءة والكتابة باللغة العربية بسبب تلقيه تعليمه بلغة أجنبية، بينما يتقن آخرون العربية لكنهم يحتاجون إلى وقت أطول للتأقلم مع البيئة المدرسية الجديدة وتكوين صداقات.

وأضافت أن اختلاف المناهج الدراسية يفرض على المعلم جهدًا إضافيًا، إذ يضطر في بعض الأحيان إلى العودة لشرح المهارات الأساسية قبل متابعة المنهاج، حتى يتمكن الطفل من مواكبة بقية الطلاب.

وترى أن الدعم النفسي يأتي قبل الدعم التعليمي، لأن الطفل الذي يشعر بالأمان والقبول داخل المدرسة يستعيد ثقته بنفسه تدريجيًا، ويصبح أكثر استعدادًا للتفاعل داخل الصف وتحسين مستواه الدراسي.

ويشاركها الرأي معلم الصف السادس في المدرسة نفسها، عبد الوهاب، الذي قال لعنب بلدي إن صفه ضم خلال العام الدراسي الماضي نحو عشرة طلاب عادوا من دول اللجوء.

وأوضح أن ضعف أساس اللغة العربية كان من أكثر التحديات التي واجهها هؤلاء الطلاب، لكنه أشار إلى أن سرعة اندماجهم اختلفت من طفل إلى آخر، بحسب تجربته السابقة وحجم الدعم الذي تلقاه بعد العودة.

ويرى عبد الوهاب أن الدور التربوي للمعلم يسبق أحيانًا دوره التعليمي، لأن الطفل الذي يشعر بالقبول داخل المدرسة يكون أكثر استعدادًا للتعلم، مضيفًا أن حب الطفل للمدرسة يرتبط إلى حد كبير بعلاقته مع معلمه.

وأشار إلى أنه كان يحرص على تشجيع الطلاب ومكافأتهم حتى على الإنجازات البسيطة، لما لذلك من أثر في تعزيز ثقتهم بأنفسهم وتشجيعهم على الاستمرار.

ودعا المعلمان إلى توفير برامج للدعم النفسي داخل المدارس، إلى جانب صفوف تأسيسية أو دورات صيفية تساعد الأطفال العائدين على تجاوز الفجوات التعليمية، ولا سيما في اللغة العربية.

الأسرة تكمل دور المدرسة

لم تكن تجربة لينوس أحمد همار مختلفة كثيرًا، رغم أنه عاد مع عائلته من السويد إلى مدينة داريا في كانون الأول 2025، إذ احتاج هو الآخر إلى وقت حتى يعتاد على مدرسته الجديدة، رغم اختلاف التحديات التي واجهها مقارنة بأطفال عادوا من دول أخرى.

تقول والدته، سدرا برادعي، إن الأسرة سجلت طفلها في مدرسة حكومية بهدف مساعدته على الاندماج مع المجتمع المحلي، إلا أن الأشهر الأولى بعد العودة كانت صعبة بسبب انتقاله إلى بيئة جديدة وابتعاده عن منزله وأصدقائه الذين اعتاد عليهم في السويد.

وتوضح أن اللغة العربية لم تكن العائق الأكبر، لأن طفلها كان يدرسها أسبوعيًا في السويد، كما كانت الأسرة تتحدث بها داخل المنزل، لكن الصعوبة بدأت مع قواعد اللغة العربية واختلاف المناهج الدراسية، ولا سيما في مادة الرياضيات.

وأضافت أن طفلها اعتاد في السويد على التعلم من خلال الأنشطة والوسائل التعليمية، بينما وجد نفسه أمام أسلوب يعتمد بصورة أكبر على الشرح التقليدي والواجبات المدرسية، ما احتاج إلى وقت للتكيف معه.

ولم تقتصر الصعوبة على الجانب الدراسي، إذ واجه لينوس في بداية العام صعوبة في الاندماج مع زملائه، وتعرض لمواقف أثرت في حالته النفسية ودفعته أحيانًا إلى رفض الذهاب إلى المدرسة.

وتقول برادعي إن الأسرة تواصلت مع إدارة المدرسة ومعلمة الصف لمعالجة المشكلة، وأسهم هذا التعاون في استعادة شعوره بالأمان تدريجيًا داخل المدرسة.

واحتاج الطفل إلى نحو خمسة أشهر حتى تمكن من تكوين صداقات مع زملائه، بينما كان وجود الأقارب في داريا ودعم الأسرة من أهم العوامل التي عززت شعوره بالانتماء وساعدته على التأقلم مع حياته الجديدة.

ورغم تحسن وضعه، ما زال يحن أحيانًا إلى حياته السابقة في السويد عندما يواجه موقفًا صعبًا، وهو ما تعتبره والدته جزءًا طبيعيًا من مرحلة الانتقال التي يعيشها الأطفال العائدون.

مختص: الأسرة والمدرسة شريكان في الاندماج

يرى الطبيب والمعالج النفسي للأطفال ملهم الحراكي، أن اندماج الأطفال العائدين لا يتوقف على قدرتهم على مواكبة المنهاج الدراسي، بل يرتبط بمجموعة عوامل نفسية واجتماعية تراكمت خلال سنوات اللجوء.

وقال لعنب بلدي إنه تابع خلال عمله ما لا يقل عن عشر حالات لأطفال عادوا من دول اللجوء وواجهوا صعوبة في الاندماج داخل المدرسة والمجتمع، موضحًا أن انتقال الطفل من نظام تعليمي إلى آخر يمثل تحديًا بحد ذاته، خاصة عندما يكون قد تلقى تعليمه بلغة مختلفة أو اعتاد أساليب تدريس مغايرة.

وأضاف أن بعض الأطفال يواجهون أيضًا صعوبة في التكيف مع مستوى الخدمات التي اعتادوا عليها في بلدان اللجوء، مثل الكهرباء والإنترنت والوسائل التعليمية، ما يجعل عملية التأقلم تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، وليس إلى المدرسة فقط.

وأكد الحراكي أن للأسرة دورًا محوريًا في هذه المرحلة، من خلال تشجيع الطفل على استخدام اللغة العربية، ومساعدته على بناء علاقات مع الأقارب وأبناء الحي، وعدم تحميله توقعات دراسية تفوق قدرته خلال الأشهر الأولى بعد العودة.

وبين أن مدة التأقلم تختلف من طفل إلى آخر، لكنها تتراوح غالبًا بين شهرين وعام كامل، بحسب شخصية الطفل، وطبيعة البيئة التي يعيش فيها، ومستوى الدعم الذي يتلقاه من أسرته ومدرسته.

ودعا إلى إنشاء صفوف تجسيرية للأطفال العائدين من دول اللجوء، تساعدهم على ردم الفجوة بين المناهج التي درسوها في الخارج والمنهاج السوري، إلى جانب توفير برامج للدعم النفسي داخل المدارس، بما يخفف الضغوط التي يواجهونها في بداية عودتهم.

كما شدد على أهمية الحالة النفسية للوالدين، موضحًا أن التوتر أو الضغوط التي قد يعيشها الأب أو الأم بعد العودة تنعكس مباشرة على الطفل، وقد تؤثر في سرعة اندماجه وقدرته على التأقلم.

التأقلم قبل التحصيل

لم تكن عودة فراس ولينوس إلى مقاعد الدراسة نهاية رحلة اللجوء، بل بداية مرحلة جديدة احتاجا فيها إلى الوقت والدعم لاستعادة شعورهما بالانتماء داخل المدرسة.

وبينما تمكن فراس من تجاوز مخاوفه ليصبح من الطلاب المتميزين في صفه، احتاج لينوس إلى أشهر حتى شعر بالأمان وبدأ ببناء صداقات جديدة، في تجربتين تعكسان اختلاف ظروف الأطفال العائدين، لكنهما تتفقان على أن النجاح الدراسي لم يبدأ من المنهاج، بل من شعور الطفل بالقبول داخل بيئته الجديدة.

ويرى معلمون ومختصون أن توفير الدعم النفسي، إلى جانب الصفوف التأسيسية للأطفال العائدين، يمكن أن يختصر جزءًا كبيرًا من رحلة التأقلم، ويساعدهم على الانتقال تدريجيًا من استعادة الاستقرار النفسي إلى تحسين تحصيلهم الدراسي داخل مدارس داريا.

مقالات ذات صلة

صفعتان أنهتا الدراسة.. تجارب من مدارس داريا بقي أثرها بعد عقود

أطفال عائدون إلى داريا يواجهون المنهاج قبل تعلم العربية

مدرستا النكاش والتجارية تقتربان من التسليم.. التشغيل ينتظر إجراءات التربية