انعقد في مدينة جديدة عرطوز بريف دمشق، السبت 16 من أيار، مجلس صلح بين آل عبيد من جديدة عرطوز وآل نصار من داريا، على خلفية حادثة قتل خطأ وقعت في 20 من نيسان الماضي، حين أصاب شخص من آل نصار صديقًا له من آل عبيد ببندقية صيد خلال وجودهما معًا في رحلة صيد.
وحضر المجلس وجهاء وأعيان ومشايخ وناشطون من داريا وجديدة عرطوز ومناطق بريف دمشق، بعد مساع قادتها لجان الصلح وأهل الخير خلال الأسابيع الماضية، وانتهت بعفو أهل الفقيد وإسقاط الحق، وفق ما أفاد به مشاركون في المجلس.
“مصابكم مصابنا”
افتتح مدير منطقة داريا، جميل مدور، كلمته في المجلس بالدعاء، ثم توجه بالشكر إلى الحاضرين، معتبرًا أن هذه “الوجوه الطيبة” لم تجتمع إلا لعمل خير.
ونقل مدور تحية محافظ ريف دمشق، عامر الشيخ، الذي قال إنه كان يود حضور المجلس، قبل أن يخاطب أهل الفقيد من آل عبيد، معتبرًا أن صبرهم وعفوهم منزلة عظيمة.
واستشهد مدور بقوله تعالى: “وبشر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون”، لافتًا إلى أن ما يناله الصابرون من “صلوات من ربهم ورحمة” لا يعادله مال أو جاه، بحسب تعبيره.
وأكد أن مصاب آل عبيد هو مصاب الجميع، وأن جرحهم هو جرح الحاضرين، مضيفًا أن ما حدث قدر من الله، وأن مجلس الصلح جاء لجبر الخواطر وتثبيت الخير بين الناس.
مساع استمرت نحو 20 يومًا
محمد عيد عبيد، من آل عبيد في جديدة عرطوز، قال لعنب بلدي إن الصلح تم بعد مساعٍ من أهل الخير ولجان الصلح في منطقتي داريا وقطنا، الذين بادروا، بحسب وصفه، “بروح طيبة” وعمل خير.
وأوضح أن الجولات استمرت نحو 20 يومًا بعد حادثة القتل الخطأ، بمشاركة أعيان ومشايخ عشائر، إلى أن تكللت الجهود بهذا الصلح.
ويرى عبيد أن الإنسان المؤمن يرضى بقضاء الله وقدره، ويحتسب أمره عند الله، مشيرًا إلى أن ما جرى في المجلس يعكس قيمة العفو والتسامح بين الناس.
ودعا للفقيد بالرحمة، وللقائمين على الصلح بالجزاء الحسن، معربًا عن أمله أن يكون ما جرى مثالًا يُحتذى في المجتمع، ودليلًا على العفو بين الناس.
لجان الصلح لتخفيف النزاعات
عبد المنعم السقا، من داريا، وهو أستاذ جامعي وعضو في لجنة الصلح، قال إن مرحلة ما بعد “التحرير” شهدت تفعيل لجان الصلح التي يلجأ إليها كثير من المتخاصمين، سواء في حوادث السير أو حوادث القتل الخطأ.
وأضاف أن لجان الصلح وُفقت في التقريب بين الطرفين في هذه القضية، معتبرًا أن عفو أهل الفقيد أمر “يسجل لهم”، مستشهدًا بحديث النبي محمد، صلى الله عليه وسلم: “ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا”.
وبحسب السقا، فإن غياب الصلح قد يفتح الباب أمام الثأر والانتقام وتوسع المشكلات والدعاوى، بينما يساعد الصلح على تخفيف الخصومات والنزاعات قبل امتدادها اجتماعيًا وقانونيًا.
وأشار إلى أن الصلح “فضل من الله”، داعيًا إلى استمرار هذه الجهود وإصلاح النفوس.
“الصلح ضرورة ملحة”
مدير مكتب الصلح في منطقة قطنا، محمد القادري، قال إن المرحلة الحالية تقتضي وجود مكاتب صلح، مشيرًا إلى أن هذه التجربة كانت موجودة في الشمال السوري وأثبتت نجاحها.
وأوضح أن الصلح في هذه المرحلة “ضرورة ملحة”، لأنه يساعد الأطراف المتنازعة على الخروج بحالة تراضٍ بدل استمرار الخلاف.
وأضاف أن في منطقة قطنا مكتبًا رئيسيًا للصلح تتفرع عنه لجان ومجالس فرعية في عدة مناطق، بمساعدة كوادر من المحافظة والشرطة والوجهاء والفعاليات المحلية.
وبحسب القادري، أثبتت التجربة نجاحها في المنطقة نتيجة التوافق بين الأطراف، وأسهمت في تخفيف المشكلات والنزاعات بدرجة كبيرة.
وأشار إلى أن لجان الصلح تتابع المشكلات منذ بدايتها لمحاولة إنهائها مبكرًا، مستشهدًا بعبارة: “صلح خاسر أفضل من قضية ناجحة”.
دور الوجهاء والمشايخ
الشيخ عبد الناصر العسلي، وهو ناشط اجتماعي وإمام في بلدة عرطوز ورئيس سابق لرابطة الشباب السوري في لبنان، قال إن “الصلح خير”، وإن اجتماع الناس على الإصلاح يترك أثرًا إيجابيًا في المجتمع.
وأضاف أن هذه اللقاءات، إذا توسعت واستمرت، فإن الشر يضعف، معتبرًا أن وجود المصلحين في البلدات دليل خير.
واستشهد العسلي بقوله تعالى: “والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين”، مشيرًا إلى أن مجالس الصلح ومن يتبرعون بوقتهم وجهدهم للإصلاح بين الناس، يبقون سببًا في استمرار الخير.
أما محمد فياض، من معضمية القلمون، فشارك بأبيات وجدانية في المجلس، قال فيها إن “الجديدة أختها داريا”، مشيرًا إلى أن الصلح ألف بين آل عبيد وآل نصار على العفو والود والصفاء.
صلح بعد حادثة غير مقصودة
أكد من تحدثت إليهم عنب بلدي في المجلس أن الاجتماع عالج حادثة قتل خطأ، لا خصومة ممتدة بين عائلتين، ما جعل دور لجان الصلح منصبًا على احتواء آثار الحادثة وجبر خاطر أهل الفقيد ومنع تحولها إلى نزاع أوسع.
وبحسب ما عرضه المشاركون في المجلس، بدأت المساعي بعد التعزية، ثم انتقلت إلى زيارات ولقاءات قادتها لجان صلح ووجهاء من داريا وقطنا وجديدة عرطوز، قبل أن تنتهي بجلسة علنية حضرها الطرفان وشخصيات اجتماعية ودينية.