لم يتوقف أثر الاعتقال والاختفاء القسري بالنسبة لعشرات العائلات في داريا عند غياب الأزواج أو فقدان المعيل، بل امتد لسنوات طويلة من تحمل النساء مسؤولية إعالة الأسر وتربية الأبناء ومواجهة تحديات قانونية ومعيشية ما تزال مستمرة حتى اليوم.
فبعد أكثر من عقد على حملات الاعتقال والاختفاء التي طالت مئات من أبناء المدينة خلال سنوات الحرب، ما تزال زوجات مفقودين ومعتقلين سابقين يواجهن آثار ذلك الغياب في تفاصيل حياتهن اليومية، بين البحث عن مصدر دخل، ومتابعة شؤون الأبناء، ومحاولات الحصول على حقوق قانونية مرتبطة بالإرث والوصاية والملكية.
وتكشف شهادات أربع نساء من داريا فقدن أزواجهن بالاعتقال أو القتل خلال سنوات الحرب جانبًا مستمرًا من آثار النزاع، يتمثل في انتقال أعباء الأسرة كاملة إلى النساء، واستمرار تداعيات هذا الغياب حتى بعد مرور سنوات طويلة عليه.
من زوجة إلى معيلة للأسرة
عندما فقد زوج أماني حوراني عام 2013، وجدت نفسها مسؤولة عن ثلاثة أطفال دون مصدر دخل ثابت.
وتقول لعنب بلدي إنها لم تملك رفاهية انتظار المساعدة، فبدأت بالبحث عن أي فرصة عمل تمكنها من تأمين احتياجات أسرتها، متنقلة بين بيع الملابس والإكسسوارات والتسويق الإلكتروني والمشاركة في البازارات المحلية.
ولم تكن أماني الوحيدة التي اضطرت إلى تغيير مسار حياتها بالكامل.
فوفاء، التي فقدت زوجها عام 2011 وهي في شهرها الثامن من الحمل، وجدت نفسها مضطرة إلى تعلم الحياكة والأعمال اليدوية وصناعة المنتجات المنزلية لتأمين احتياجات أطفالها خلال سنوات النزوح الطويلة.
أما أم أحمد، فاعتمدت على أعمال منزلية وموسمية متنوعة، من بينها تجهيز الخضراوات وصناعة الحلويات المنزلية، لتوفير دخل يساعدها على إعالة طفليها بعد فقدان زوجها.
وتقول النساء إن السنوات الأولى كانت الأكثر صعوبة، إذ تزامن غياب المعيل مع النزوح وتراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة، ما دفع كثيرات إلى خوض مجالات عمل لم يكنّ يتخيلن ممارستها سابقًا.
أبناء كبروا قبل أوانهم
لم يقتصر أثر الفقد على النساء وحدهن، بل امتد إلى الأبناء الذين وجد بعضهم نفسه مضطرًا لتحمل مسؤوليات تفوق أعمارهم.
وتقول أماني إن ابنها الأكبر أصبح مع مرور الوقت المساهم الرئيسي في إعالة الأسرة، بعدما اضطر إلى تحمل مسؤوليات مبكرة لم يكن من المفترض أن يواجهها في هذا العمر.
وتروي وفاء تجربة مشابهة، إذ يشارك ابناها اليوم في العمل لتأمين جزء من مصاريف المنزل، بعد سنوات نشآ خلالها في غياب الأب.
وبالنسبة للنساء اللواتي تحدثن إلى عنب بلدي، فإن أحد أصعب جوانب التجربة يتمثل في مشاهدة الأطفال وهم يكبرون من دون وجود الأب، وما يرافق ذلك من أسئلة ومواقف يومية لا تستطيع الأم وحدها دائمًا تعويضها.
الاختفاء القسري.. انتظار لا ينتهي
بالنسبة إلى نسرين، لم ينتهِ أثر الاختفاء القسري عند لحظة فقدان زوجها عام 2014، بل تحول إلى حالة انتظار مستمرة حتى اليوم.
وكانت في الحادية والعشرين من عمرها عندما اختفى زوجها بعد فترة قصيرة من الإفراج عنه من اعتقال سابق.
وتقول إنها حاولت البحث والاستفسار عن مصيره في أكثر من جهة، إلا أن الخوف السائد آنذاك والتجارب التي مرت بها دفعتها إلى التوقف عن متابعة الملف بصورة مباشرة.
وتضيف أن سنوات الغياب تركت آثارًا نفسية واقتصادية مستمرة، في وقت اضطرت فيه إلى الاعتماد على دعم أفراد من عائلتها لإعالة طفليها.
ولا تختلف هذه التجربة كثيرًا عن تجارب زوجات مفقودين أخريات وجدن أنفسهن بين الحاجة إلى معرفة مصير أزواجهن والخشية من تبعات البحث أو السؤال خلال السنوات الماضية.
حقوق قانونية ما تزال عالقة
إلى جانب الأعباء المعيشية، تتحدث النساء عن مشكلات قانونية مرتبطة بغياب الأزواج، تشمل قضايا الإرث والوصاية وإثبات الحقوق القانونية للأبناء.
وتقول أماني إن أبناءها لم يحصلوا على كامل حقوقهم المتعلقة بميراث والدهم حتى اليوم.
بينما تشير أم أحمد إلى أنها ما تزال تتابع مطالبات مرتبطة بحقوق أبنائها في المنزل العائد لوالدهم.
أما نسرين، فتقول إن غياب أي معلومات مؤكدة عن مصير زوجها جعل كثيرًا من الإجراءات القانونية أكثر تعقيدًا على مدى السنوات الماضية.
وترى النساء أن هذه الملفات لا تقل أهمية عن تأمين الدخل اليومي، لأنها ترتبط بمستقبل الأبناء واستقرارهم وحقوقهم على المدى الطويل.
البازارات كمصدر دخل ومساحة دعم
خلال السنوات الماضية، تحولت البازارات والمعارض المحلية إلى إحدى الوسائل التي تعتمد عليها بعض النساء لتسويق المنتجات المنزلية والأعمال اليدوية التي يصنعنها.
وتقول المشاركات إن هذه الفعاليات لا توفر فرصة لتحقيق دخل إضافي فحسب، بل تمنحهن أيضًا مساحة للتواصل وتبادل الخبرات وبناء علاقات دعم مع نساء يواجهن ظروفًا مشابهة.
وبالنسبة لعدد منهن، شكلت هذه المبادرات بداية لمحاولات بناء استقلال اقتصادي محدود بعد سنوات من الاعتماد على المساعدات أو دعم الأقارب.
مطالب تتجاوز المساعدات
لا ترى النساء اللواتي تحدثن إلى عنب بلدي أن احتياجات أسر المفقودين تقتصر على المساعدات المالية المؤقتة، بل تشمل إيجاد حلول للملفات القانونية المرتبطة بالوصاية والإرث وإثبات حالات الاعتقال أو الاختفاء القسري.
كما يطالبن ببرامج دعم اقتصادي تساعد النساء على إنشاء مشاريع صغيرة تؤمن دخلًا مستقرًا، إلى جانب وجود جهة مختصة تتابع قضايا زوجات المفقودين والأرامل وتقدم لهن الدعم القانوني والاجتماعي اللازم.
وبعد أكثر من عقد على الاعتقال أو الاختفاء أو فقدان الأزواج، لم تعد معاناة هذه الأسر مرتبطة بحدث وقع في الماضي، بل بآثار ما تزال مستمرة في تفاصيل الحياة اليومية.
فبين أم تتحمل وحدها مسؤولية الإعالة، وأبناء دخلوا سوق العمل مبكرًا، وحقوق قانونية ما تزال عالقة، تبقى قضية المفقودين في داريا حاضرة في حياة عائلاتهم، حتى في غياب أي إجابات نهائية عن مصير كثير منهم.