لم يكن المنزل المستقل شرطًا وضعته هبة، البالغة من العمر 21 عامًا، قبل زواجها، إذ وافقت على الإقامة مع عائلة زوجها، مستندة إلى العلاقة الجيدة التي جمعتها بحماتها خلال فترة الخطوبة.
لكن خلافات بدأت بعد الشهر الأول، وانتهت بمغادرة الزوجين منزل العائلة واستئجار منزل مستقل بعد شهرين فقط من الزواج.
وتوضح تجارب نساء في داريا، تحدثن لعنب بلدي، كيف يمكن للسكن المشترك وتدخل أفراد العائلة في التفاصيل اليومية أن يدفعا فتيات إلى طلب منزل مستقل منذ بداية الزواج.
ولا يرتبط هذا الطلب، وفق الشهادات، بالرغبة في الابتعاد عن أهل الزوج، بقدر ما يتعلق بوضع حدود تحمي خصوصية الأسرة الجديدة، مع الحفاظ على القرب والدعم العائليين.
شهر واحد يغير العلاقة
وافقت هبة خلال فترة خطوبتها، التي استمرت نحو تسعة أشهر، على السكن مع أهل زوجها، ولم تطلب منه استئجار منزل منفصل. وساعدتها علاقتها الجيدة بحماتها على اتخاذ القرار، إذ لم تشهد فترة الخطوبة أي خلاف بينهما.
واستمرت العلاقة الودية خلال الشهر الأول من الزواج. وكانت هبة تزور أهلها برفقة زوجها، ويخرجان معًا في زيارات ونزهات، إلى جانب قيامها بأعمال المنزل اليومية، بحسب قولها.
لكن العلاقة بدأت تتغير بعد ذلك، إذ قالت هبة لعنب بلدي إن حماتها أصبحت تراقب تحركاتها وتنتقد بعض تصرفاتها، رغم التزامها بأعمال المنزل، قبل أن تتحول الملاحظات إلى مشادات كلامية متكررة.
وحاول الزوج تهدئة الخلاف، وكان يدافع عن زوجته عندما لا يرى خطأ في تصرفاتها، وفق رواية هبة. ومع تصاعد التوتر بعد شهرين من الزواج، قرر مغادرة منزل عائلته واستئجار منزل مستقل، وانتقل إليه مع زوجته.
تجربة شقيقتها تحدد شرطها
لم تنتظر شام، البالغة من العمر 18 عامًا، خوض تجربة مشابهة حتى تحدد موقفها من السكن مع أهل الزوج، فعندما تقدم إليها شاب لخطبتها، أخبرته منذ البداية بأنها تريد العيش في منزل مستقل.
وأوضح الشاب أنه يرغب في البقاء مع والدته، لأنه المسؤول عنها ولا يريد الابتعاد عنها، لكن شام تمسكت بشرطها، متأثرة بتجربة شقيقتها الكبرى التي سكنت مع عائلة زوجها.
وتزوجت شقيقتها من الابن الوحيد في أسرته والمسؤول عن والدته، لكنها عانت من خلافات مستمرة مع حماتها، بحسب رواية شام.
وقالت إن الحماة كانت تعامل شقيقتها بقسوة، لشعورها بأنها أبعدت ابنها عنها، ووصل التوتر بينهما إلى الدعاء عليها بصورة متكررة.
وتركت هذه التجربة أثرًا في شام وأسرتها، ودفعتها إلى حسم مسألة السكن قبل الزواج، بدل انتظار ظهور الخلافات بعد الانتقال إلى منزل مشترك.
الخلاف يبدأ من التفاصيل اليومية
ترى الأخصائية الاجتماعية بيان كوكي أن طلب المرأة مسكنًا مستقلًا ليس جديدًا، وتعتبر أن وجوده حق لها، بصرف النظر عن مساحته أو مستواه.
وقالت كوكي لعنب بلدي إن السكن المستقل يمنح المرأة شعورًا أكبر بالأمان، ويبقي الخلافات ضمن العلاقة الزوجية، ويحد من احتمال تعرضها للطرد من منزل العائلة أو إجبارها على العودة إلى أهلها عند وقوع مشكلة.
وتبدأ مشكلات السكن المشترك، بحسب ما تلاحظه الأخصائية، من تفاصيل يومية، مثل اللباس والطعام وطريقة الطهي وإدارة مصروف المنزل والخروج وشراء الاحتياجات، وقد تمتد لاحقًا إلى تربية الأطفال والقرارات المتعلقة بالأسرة.
وأضافت أن تدخل الأب أو الأم أو الإخوة قد يحول خلافًا بسيطًا بين الزوجين إلى نزاع أكبر، خصوصًا عندما تغيب الحدود التي تحدد ما يخص الزوجين وما يمكن لأفراد العائلة التدخل فيه.
وترتبط الرغبة في الاستقلال، وفق كوكي، أيضًا بالضغوط الاقتصادية والنفسية التي يواجهها الأزواج، إذ قد يجعل ضيق الدخل والأعباء اليومية أي تدخل إضافي سببًا لتفاقم الخلافات.
كما أصبح بعض الرجال يفضلون السكن المستقل لتجنب انعكاس تدخل الأهل على علاقتهم الزوجية.
وربطت كوكي هذا التغير بارتفاع وعي بعض النساء بما يردنه من الحياة الزوجية، بالتزامن مع اتساع حضورهن في التعليم والعمل.
ولا يعني احترام الخصوصية القطيعة مع العائلة، بحسب الأخصائية، إذ يمكن الحفاظ على العلاقة من خلال الزيارات والمناسبات وتبادل الدعم، مع ترك القرارات المتعلقة بالأسرة الجديدة للزوجين.
قرب من العائلة دون سكن مشترك
تقدم قمر تجربة مختلفة عن الخلافات التي عاشتها هبة وشاهدتها شام.
فبعد زواجها في تركيا، عادت مع زوجها إلى سوريا، وأقاما فترة في منزل والدة زوجها، التي لم تكن قد التقت بها شخصيًا قبل الزواج، واقتصر تعارفهما السابق على التواصل عبر الإنترنت.
واستأجر زوج قمر لاحقًا منزلًا قريبًا من والدته، حفاظًا على خصوصية الجميع. ولم يمنع الانتقال قمر من قضاء معظم وقتها عند حماتها أو الحصول على دعمها.
وتنادي قمر حماتها بـ«أمي»، خصوصًا بعد فقدان والدتها، وتصف علاقتهما بأنها قائمة على المحبة والتفاهم. وقالت إن خلافات بسيطة تقع بينهما أحيانًا، لكنها تنتهي في اليوم نفسه ولا تتحول إلى خصومة مستمرة.
وكانت حماتها، وفق قمر، سندًا لها خلال الحمل والولادة، وساعدتها في رعاية ابنتها الصغيرة، ولم تتخل عنها في المراحل التي احتاجت فيها إلى الدعم.
وبحسب تجربة قمر، لا يبدو أن الانتقال إلى منزل مستقل يؤدي بالضرورة إلى إضعاف العلاقة مع أهل الزوج، ففي حين كان غياب الحدود عاملًا أساسيًا في خلافات هبة ومخاوف شام، أتاح وجود منزل منفصل لقمر الحفاظ على خصوصيتها، من دون أن تفقد القرب والدعم اللذين تجدهما لدى حماتها.