تختلف مواقف الأسر في داريا من دراسة الفتيات وزواجهن، كما تتباين طريقة التعامل مع هذه القرارات بين أسرة وأخرى، تبعًا للظروف الاجتماعية والاقتصادية ونظرة كل أسرة إلى التعليم والزواج.
وتعرض تجارب رصدتها عنب بلدي صورًا مختلفة لدور الأسرة في هذه القرارات، فبينما يحرص بعض الأهالي على إكمال بناتهم تعليمهن ويتركون لهن حرية اختيار شريك الحياة، يرى آخرون أن الزواج قد يوفر لابنتهم الاستقرار في ظل ظروف معينة، في حين تبرز تجارب لفتيات وافقن على الارتباط تحت ضغط الأسرة قبل أن يقررن إنهاء العلاقة لاحقًا.
وتقدم التجارب الثلاث نماذج مختلفة لحضور رأي الفتاة في قراري الدراسة والزواج، وما إذا كان القرار نابعًا من قناعتها، أو نتيجة توافق مع الأسرة، أو استجابة لضغوطها.
التعليم أولًا.. والقرار للفتاة
يفضل أبو شفيق حوراني، وهو أب لثلاث فتيات، أن تكمل الفتاة تعليمها قبل الزواج، ويرى أن العمر الأنسب للارتباط يبدأ من 22 عامًا، حتى تكون أكثر وعيًا بطبيعة الحياة الزوجية والمسؤوليات المترتبة عليها.
ويربط حوراني موقفه بتغير نظرة بعض الأسر في داريا إلى تعليم الفتاة مقارنة بما كان عليه الوضع سابقًا.
وبحسب ما يذكر، كانت صعوبة الوصول إلى الجامعات والقيود التي تواجه تنقل الفتيات خارج المدينة تحد من فرص متابعة التعليم، ما دفع بعض الأسر إلى تزويج بناتها في سن صغيرة.
أما اليوم، فيرى أن التعليم أصبح أكثر حضورًا في قرارات الأسر، بالتزامن مع إدراك الفتيات أهمية الدراسة في تحقيق طموحاتهن، إلى جانب حاجة بعضهن إلى الشهادة والعمل، خصوصًا في الأسر التي فقدت معيلها أو تضررت أوضاعها الاقتصادية.
ورغم تفضيله أن تنهي بناته تعليمهن قبل الزواج، يقول حوراني إنه يترك لهن القرار النهائي، سواء في متابعة الدراسة أو اختيار شريك الحياة، معتبرًا أن الفتاة هي الأقدر على تحديد الطريق الذي يناسبها.
سند في غياب الأب
تولي خلود الحو، وهي أم لفتاة تبلغ 14 عامًا، اهتمامًا بتعليم ابنتها، لذلك سجلتها في مدرسة خاصة بهدف متابعة مستواها الدراسي وتوفير فرصة تعليمية أفضل لها.
لكن فقدان السيدة لزوجها جعلها تنظر إلى مستقبل ابنتها من زاوية أخرى أيضًا، فهي تخشى أن تجد ابنتها نفسها لاحقًا من دون سند أسري، وترى أن الزواج من شخص مناسب قد يوفر لها قدرًا من الاستقرار في غياب الأب.
ولا تمانع الحو زواج ابنتها إذا تقدم لها شخص مناسب وكانت مقتنعة بالارتباط به، مؤكدة أن موافقة الفتاة شرط أساسي، إلى جانب قدرة الشاب على تحمل مسؤولية تأسيس أسرة.
وبالنسبة إليها، لا يقاس الزوج المناسب بما يملكه من مال فقط، بل بقدرته على إدارة شؤون الأسرة، ووجود التوافق بين الطرفين، وامتلاكه عملًا أو مهنة تمكّنه من تأمين حياة مستقرة.
موافقة تحت الإلحاح
تكشف تجربة “سيدرا”، وهو اسم مستعار لفتاة من داريا تبلغ 17 عامًا، جانبًا مختلفًا من القضية، إذ لم يكن تعثرها الدراسي يعني أنها كانت مستعدة للزواج أو مقتنعة بمن اختارته أسرتها لها.
وتقول سيدرا لعنب بلدي إنها لم تكن مهتمة بالدراسة، ورسبت مرتين في الصف التاسع بسبب عدم التزامها، رغم تشجيع والديها المستمر لها على إكمال تعليمها.
وعندما كانت في السادسة عشرة، تقدم لخطبتها شخص يعرفه والدها، الذي حاول إقناعها بأنه مناسب لامتلاكه منزلًا وعملًا خاصًا. وتقول إن موافقتها في ذلك الوقت جاءت نتيجة إلحاح والدها أكثر من كونها نابعة من رغبتها الشخصية.
ومع مرور الوقت، شعرت بصعوبة التفاهم مع خطيبها واختلاف طريقة تفكيرهما. وتقول إنه كان يركز على العمل وتأمين المال، بينما كانت تبحث عن الاهتمام والتفاهم، ما جعلها تشعر بعدم الانسجام معه.
وأضافت أنها حاولت تقبل الارتباط، لكنها قررت لاحقًا إنهاء الخطوبة. وعندما أخبرت والدها، رفض قرارها مرارًا لأنه لم ير سببًا مقنعًا للانفصال، وفق روايتها. وتضيف أنها تعرضت للعنف خلال محاولاتها إقناعه، واستمر الخلاف نحو ستة أشهر وصفتها بأنها فترة صعبة.
وبعد تواصلها مع عائلة خطيبها، تمكنت من إنهاء الخطوبة، وعندما تقدم شخص آخر للارتباط بها، وحاول والدها إقناعها بالموافقة، رفضت تكرار التجربة، مؤكدة أن قناعتها الشخصية ستكون هذه المرة أساس أي قرار تتخذه.