حرق القمامة في داريا.. حل عشوائي يزيد التلوث ويهدد الصحة العامة

تراكم نفايات وآثار حرق قرب جدار سكني في داريا - 28 نيسان 2026 (عنب بلدي - نداء كناكرية)

يتكرر حرق النفايات في عدد من أحياء داريا، سواء داخل الحاويات أو بجوارها، مع استمرار تراكم القمامة حول نقاط التجميع وانتشار الروائح والحشرات والكلاب، ما يحول المشكلة من ملف نظافة وخدمات إلى خطر صحي وبيئي، وفق شهادات سكان وتحذيرات طبية من آثار الدخان الناتج عن الحرق.

وتلقت عنب بلدي خلال الفترة الماضية رسائل وصورًا من عدد من المواطنين اشتكوا فيها من حرق النفايات المتراكمة أمام منازلهم أو قربها، مشيرين إلى أن القمامة لا تبقى محصورة داخل الحاويات، بل تمتد إلى محيطها ثم تُشعل أحيانًا للتخلص منها.

حاويات تمتلئ سريعًا ونفايات تتراكم حولها

بجانب جامع الإيمان، يصف وائل السرا مشهدًا يتكرر بشكل شبه يومي، إذ تمتلئ الحاويات بسرعة، ولا سيما مع رمي بعض المعامل مخلفاتها فيها، وحتى عندما ينظف الأهالي محيط نقطة التجميع، تعود القمامة للتراكم خلال وقت قصير.

ولا تبقى المشكلة محصورة داخل الحاويات، إذ يعمد بعض من يفتشون في القمامة بحثًا عن البلاستيك أو المواد القابلة للبيع إلى بعثرة محتوياتها حولها، ما يزيد انتشار النفايات ويجعل المشهد أكثر فوضى أمام السكان وأصحاب المحال.

ومع تجمع الكلاب حول الحاويات ونبشها للقمامة وسحب أجزاء منها إلى الطرقات أحيانًا، تتحول أكوام النفايات إلى نقطة جذب للذباب والحشرات، وتصدر عنها روائح مزعجة تمتد إلى المحيط.

ورغم أن البلدية تقوم بتفريغ الحاويات، تبقى النفايات المتراكمة حولها في بعض الأحيان من دون ترحيل فوري، ما يدفع بعض الأهالي إلى حرقها للتخلص من الروائح والكلاب.

لكن هذا السلوك، بحسب السرا، يضيف ضررًا جديدًا إلى المشكلة، لأن الدخان الناتج عن الحرق ينتشر في المكان بدل أن ينهي الأزمة.

وأشار السرا إلى أن نقطة تجمع القمامة تقع مقابل بستان لأحد الجيران، الذي حاول أكثر من مرة التفاهم مع من يرمون النفايات أمامه، من دون أن ينجح ذلك في إنهاء المشكلة.

دخان داخل المحال

في منطقة الشاميات، وصلت آثار الحرق إلى داخل أحد المحال بعد اشتعال حاوية قريبة من محل شادي زين.

ويوضح زين أن الحادثة كانت وحيدة في محيطه، لكنه اضطر إلى إطفائها بنفسه بعدما امتلأ محله بالدخان وتأثر بشكل مباشر.

وبحسب إفادته، لا تكمن المشكلة في تفريغ الحاويات بحد ذاته، لأن البلدية تقوم بذلك بشكل دوري، بل في استمرار رمي القمامة خارجها بدل وضعها داخلها، ما يترك أكوامًا مكشوفة في الشارع.

ويصف زين ما جرى بأنه تصرف فردي من أحد المارة، سببه “كثرة غلبة”، لكن نتيجته كانت دخانًا وروائح أثرت في المحل والمحيط.

ولا يرى في الحرق حلًا، لأن رائحة البلاستيك المحترق تبقى عالقة لساعات، وهي رائحة غير صحية وغير مقبولة، ولا سيما عندما تكون الحاوية قريبة من المحال والمنازل.

وفي السياق نفسه، أفاد أحد المواطنين، في رسالة وصورة وصلت إلى عنب بلدي، بأن النفايات المتجمعة في نهاية حارة الشاميات أُضرمت فيها النار، قبل أن يسارع عناصر الدفاع المدني إلى إخماد الحريق ومنع امتداده.

يحرقونها للتخلص من منظرها

قرب مدرسة الحكمة، يرى أبو علاء، وهو صاحب محل تجاري، أن البلدية ليست الجهة الوحيدة المسؤولة عن نظافة المدينة، لأن استمرار رمي القمامة بشكل عشوائي يحد من فاعلية أي جهد خدمي.

وبحسب قوله، فإن التزام كل شخص بتنظيف محيط منزله أو محله، ووضع القمامة داخل الحاويات بدل رميها حولها، من شأنه أن يخفف انتشار النفايات ويحسن واقع الأحياء.

لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن بعض الأشخاص يلجؤون إلى حرق القمامة المتراكمة خارج الحاويات بسبب منظرها وروائحها، وهو تصرف لا يحل المشكلة، لأن الدخان والغازات الناتجة عنه يستنشقها جميع من في المنطقة.

ويستعيد أبو علاء حادثة اشتعال حاوية عند بداية الكورنيش، رغم أنها لم تكن ممتلئة، وقد شارك في إطفائها، مرجحًا أن يكون السبب عقب سيجارة أو تصرفًا عشوائيًا أدى إلى اشتعال القمامة.

وعلى شارع الكورنيش، يلاحظ بسام الحلاق، وهو صاحب مكتب عقاري، أن البلدية تفرغ الحاويات باستمرار، لكن الأدخنة تُشاهد أحيانًا من منطقة الخليج، وهي إحدى نقاط تجميع النفايات.

ويرجح الحلاق أن تكون بعض الحرائق ناتجة عن تراكم النفايات وارتفاع درجات الحرارة، ما قد يؤدي إلى اشتعالها في الأجواء الحارة، خاصة إذا بقيت القمامة لفترات طويلة من دون ترحيل منتظم أو معالجة سريعة.

تحذير طبي من أضرار الحرق

يحذر أخصائي طب الطوارئ، الدكتور مازن الخطيب، في حديثه إلى عنب بلدي، من أن حرق النفايات يشكل خطرًا صحيًا وبيئيًا، خصوصًا عند احتراق البلاستيك والمواد المختلطة، لما ينتج عنه من أدخنة وغازات مؤذية للهواء والمزروعات والغطاء النباتي.

ويبين أن هذه الأدخنة تؤثر بشكل أكبر في مرضى الربو والحساسية والانسداد الرئوي المزمن، وقد تسبب التهابات صدرية وصعوبة في التنفس، بينما يترك التعرض المتكرر لها آثارًا تراكمية قد تصل، في الحالات الشديدة، إلى تليف في الرئة أو نقص أكسجة يحتاج إلى تدخل طبي عاجل.

وبحسب الخطيب، قد تحتاج بعض الحالات إلى دعم بالأكسجين أو أدوية وريدية، وقد تصل الحالات الأشد إلى العناية المركزة أو أجهزة التهوية، تبعًا لمدة التعرض للدخان والوضع الصحي للمريض.

وفي حال استنشاق الدخان، شدد الخطيب على ضرورة الابتعاد فورًا عن مكان الحريق، ونزع الملابس الملوثة إن أمكن، واستنشاق هواء نظيف، واستخدام قطعة قماش مبللة بالماء عند الاضطرار للمرور قرب الدخان، مع طلب المساعدة الطبية عند ظهور ضيق تنفس أو دوخة أو فقدان وعي.

ولا يقتصر الخطر، وفق الطبيب، على الحرق وحده، إذ يؤدي تراكم النفايات أيضًا إلى انتشار الحشرات والقوارض والروائح الكريهة، ويخلق بيئة غير صحية قد تسهم في نقل الأمراض.

الحرق ينقل المشكلة من الأرض إلى الهواء

تكشف الشهادات من أحياء داريا أن تراكم النفايات حول الحاويات ونقاط التجميع لا يتوقف أثره عند التشويه البصري أو الروائح المزعجة، بل يتطور مع الحرق إلى مشكلة تمس الهواء الذي يتنفسه السكان يوميًا، ولا سيما في المناطق السكنية القريبة من الحاويات والمحال.

كما تظهر الإفادات أن معالجة الملف لا تتعلق فقط بتفريغ الحاويات، بل أيضًا بتنظيف محيطها بعد الترحيل، ومنع رمي النفايات خارجها، والحد من إشعالها، لأن الحرق لا يزيل القمامة بقدر ما ينقل ضررها من الأرض إلى الهواء.

مقالات ذات صلة

«عم نسكر الشبابيك عم نختنق.. عم نفتحها عم نختنق».. حرائق النفايات تتجدد في الخليج بداريا

سرطان الثدي في داريا.. توعية بالكشف المبكر وتعريف بخدمات الفحص المجاني

محاضرة في داريا للتوعية بسرطان الثدي.. الخوف من التشخيص يؤخر الفحص