أثارت ظاهرة انتشار الدراجات النارية في مدينة داريا مؤخرًا جدلًا بين سكان المدينة، عقب حملة نفذتها إدارة المرور صباح الخميس 15 كانون الثاني، بالتعاون مع الأمن الداخلي في المدينة وفرع مرور حرستا، وأسفرت عن مصادرة 30 دراجة نارية، نقلت جميعها إلى كراج الحجز في حرستا.
وجاءت الحملة في إطار إجراءات مرورية تقول الجهات المعنية إنها تهدف إلى الحد من المخالفات الخطرة، في وقت تشهد فيه المدينة اعتمادًا متزايدًا على الدراجات النارية كوسيلة نقل وعمل يومية، ما جعل الحملة موضع نقاش بين من يطالب بتشديد الضبط المروري، ومن يرى فيها تهديدًا مباشرًا لمصادر الرزق.
وأكد مسؤول المرور في مخفر داريا لعنب بلدي أن الحملة جاءت استجابة لشكاوى الأهالي المتكررة، والحوادث الناتجة عن القيادة المتهورة، والاستعراضات الخطرة (التعريش) في الشوارع، إضافة إلى السرعات الزائدة التي تؤدي إلى مخالفات مرورية وحوادث تهدد سلامة المدنيين.
بين وسيلة تنقل ومصدر إزعاج
تشكل الدراجات النارية عنصرًا أساسيًا في حركة داريا، إذ يعتمد عليها كثيرون من سكان المدينة كوسيلة انتقال سريعة ومنخفضة التكلفة، لنقل البضائع وتسيير الأعمال اليومية، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع تكاليف الوقود ووسائل النقل الأخرى.
في المقابل، يرى عدد من الأهالي أن انتشار الدراجات النارية، لا سيما غير النظامية منها، بات مصدر إزعاج دائم بسبب الأصوات المرتفعة، ويشكل خطرًا على الأطفال والمشاة نتيجة القيادة المتهورة لبعض السائقين، خصوصًا في الأحياء السكنية المكتظة.
أحد سكان داريا في منطقة ساحة شريدي، ويدعى غياث، قال إنه شعر بالارتياح بعد الحملة، موضحًا أنه عانى مرارًا من “الأصوات المزعجة التي كانت تصدر من الدراجات ليلًا ونهارًا، إضافة إلى السرعات العالية التي قد تؤدي إلى حوادث خطيرة”، معتبرًا أن ضبط هذه الظاهرة بات ضرورة لحماية السكان.
وتؤكد الطالبة علياء ماذهب إليه غياث، موضحة أن الضجيج المستمر للدراجات النارية يعيق قدرتها على الدراسة، لا سيما في ساعات المساء، معبرة عن تأييدها لحملة مصادرة الدراجات.
السيدة أم أحمد، التي التقتها عنب بلدي في شارع المعضمية، رفعت سقف شكواها، قائلة إن بعض السائقين المخالفين “يستحقون المحاسبة”، لكنها شددت في الوقت نفسه على ضرورة عدم التضييق على من يعملون على الدراجات النارية لإعالة أسرهم، معتبرة أن الحل يجب أن يكون “تنظيميًا لا عقابيًا فقط”.
وبحسب ما رصدت عنب بلدي في داريا، فإن ظاهرة انتشار الدراجات النارية لم تشهد تغييرًا ملحوظًا، وحركتها عادت إلى طبيعتها بعد أيام من الحملة الأخيرة.
وسيلة انتقال وعمل
في الجهة المقابلة، عبر عدد من أصحاب الدراجات المصادرة عن مخاوفهم من فقدان مصدر دخلهم الوحيد.
عواد، القادم من مدينة الرقة إلى داريا للعمل، قال لعنب بلدي إن دراجته النارية صودرت أثناء توجهه إلى عمله قرب ساحة التربة، مضيفًا أنه يعتمد عليها لتأمين رزقه ورعاية والديه.
وأشار إلى أنه راجع المخفر للاستفسار عن مصير دراجته، وتم إبلاغه بأنها نقلت إلى كراج حرستا، ولا يمكن استعادتها لعدم امتلاكه أوراقًا نظامية لها، ما وضعه، بحسب قوله، أمام صعوبة الاستمرار في عمله.
أما أبو إبراهيم، وهو عامل عتالة، فيرى أن الحملة “ذهب فيها الصالح بالطالح”، معتبرًا أن مخالفات فردية أدت إلى تضرر أشخاص يعتمدون بشكل أساسي على الدراجات النارية في أعمالهم اليومية، ولا سيما القاطنين في المناطق الزراعية أو البعيدة عن مراكز العمل.
مبررات رسمية
من جانبه، قال مسؤول مركز المرور في داريا، عدنان زيتون، لعنب بلدي، إن الهدف الأساسي من الحملة هو سلامة المواطنين، في ظل تزايد الحوادث والشكاوى خلال الفترة الماضية.
وأوضح أنه تم خلال شهر تشرين الأول 2025 مصادرة ما بين 40 و50 دراجة نارية، قبل أن يُمنح أصحابها فرصة أخيرة، أُعيدت خلالها الدراجات بعد تقديم تعهدات بعدم تكرار المخالفات.
وأضاف زيتون أن الحملة الأخيرة، التي نفذت قرب دوار التربة بالتنسيق مع الأمن الداخلي ومديرية مرور ريف دمشق في حرستا، أسفرت عن حجز 30 دراجة نارية خلال يومي الجمعة والسبت، ونقلها إلى كراج الحجز في حرستا.
وبيّن أن فك الحجز عن الدراجات النظامية يتم عبر محكمة داريا بالتعاون مع فرع المرور في حرستا، في حين لا يمكن استعادة الدراجات غير النظامية أو التي لا تملك أوراقًا رسمية، وفق القوانين المعمول بها.
وأشار زيتون إلى ضبط نحو 40 فتى تقل أعمارهم عن 16 عامًا كانوا يقومون بسباقات واستعراضات خطرة بالدراجات النارية في ساحة الشهداء، عند مدخل المدينة.
ولفت إلى تسجيل نحو 20 حادثًا وسرقة خلال الأشهر الماضية، بينها حادث اصطدام بين صهريج مياه ودراجة نارية تقل أربعة عمال من محافظة حماة، أسفر عن وفاة ثلاثة منهم وبتر أطراف الرابع، إضافة إلى حادث آخر بين دراجة نارية وحافلة نقل على طريق المعامل أدى إلى وفاة سائق الدراجة.
ووفق مسؤول المرور، تراجعت نسبة الحوادث والسرقات بعد الحملات إلى أربع أو خمس حالات شهريًا، مشيرًا إلى أن نحو 90% من الدراجات النارية في داريا غير نظامية.
من جهته، أوضح مسؤول أمني في داريا لعنب بلدي، طلب عدم نشر اسمه، أن الحملة تهدف إلى الحفاظ على سلامة السكان، والحد من الإزعاج الناتج عن الشكاوى المتكررة، إضافة إلى معالجة ظاهرة القيادة الطائشة لبعض الشباب، مؤكدًا أن الإجراءات لا تستهدف من يستخدمون الدراجات النارية بشكل نظامي في أعمالهم اليومية.
وكانت اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير قد أصدرت، في 29 كانون الأول 2025، قرارًا يقضي بمنع إدخال جميع أنواع الدراجات النارية إلى أراضي الجمهورية العربية السورية، سواء كانت جديدة أو مستعملة، اعتبارًا من 1 نيسان 2026، وذلك لأسباب تتعلق بالسلامة العامة وتنظيم حركة الاستيراد.
وتبقى مسألة تنظيم استخدام الدراجات النارية في داريا عالقة بين متطلبات السلامة العامة والحد من المخالفات المرورية، وبين واقع الاعتماد الواسع عليها في كسب الرزق وتسيير شؤون الحياة اليومية، في ظل ظروف معيشية واقتصادية صعبة يعاني منها السكان.