أحيا أهالي مدينة داريا ذكرى “المجزرة الكبرى” التي ارتكبتها قوات النظام السوري في آب/أغسطس 2012، خلال فعالية أُقيمت داخل الأقبية التي شهدت إعدامات ميدانية لعائلات كاملة، في أول إحياء من نوعه يُنظم في هذه المواقع منذ سقوط نظام الأسد.
وجاء اختيار المكان محمّلًا بدلالات رمزية، إذ اجتمع الناجون وذوو الضحايا في المواقع ذاتها التي وقعت فيها الجرائم، في رسالة تؤكد أن مرور السنوات لا يطمس آثار الجريمة، ولا يسقط حق الضحايا في العدالة والمحاسبة.
ذاكرة المجزرة وأرقام لا تُختزل
داخل الأقبية الرطبة، استعاد المشاركون تفاصيل الأيام التي فقدت فيها داريا أكثر من ألف مدني خلال حملة عسكرية وُصفت بأنها من أعنف الهجمات على المدينة.
وتحدث الأهالي عن أنماط القتل التي استخدمتها قوات النظام والميليشيات الموالية لها، والتي شملت الإعدام بالرصاص، والذبح بالسكاكين، والقصف المباشر للأحياء السكنية.
وقالت إحدى الأمهات لعنب بلدي إن الضحايا “ليسوا أرقامًا في تقارير”، مضيفة، “هؤلاء إخوتنا وجيراننا، أُخذوا من بين أطفالهم وزوجاتهم بلا تمييز”.
وأشارت إلى أن الفقد تحول إلى جرح دائم، “كل شيء يمكن أن يُنسى، إلا الأولاد”.
مطالب بالمحاسبة
اتخذت الفعالية طابعًا حقوقيًا واضحًا، إذ شدد المشاركون على أن العدالة لا تتحقق إلا بمحاسبة بشار الأسد وجميع المتورطين في المجزرة، من الآمرين والمنفذين والمحرضين.
وأكدوا أن أي مسار سياسي أو قانوني يتجاوز مبدأ المحاسبة يعد انتقاصًا من حقوق الضحايا، محذرين من محاولات “تمييع” القضايا الحقوقية أو القبول بإفلات الجناة من العقاب.
وقال متحدثون لعنب بلدي إن السماح لمرتكبي الجرائم بالعيش بحرية، داخل سوريا أو خارجها، يشكل إهانة مباشرة لآلاف العائلات التي لا تزال تعيش على وقع الفقد والانتظار.
جبر الضرر وحقوق المدن المنكوبة
كما ركزت كلمات المشاركين على ضرورة جبر الضرر لعائلات الضحايا، وإعادة الاعتبار لداريا وغيرها من المدن التي تعرضت لعمليات قتل وتدمير ممنهجة.
واعتبر منظمو الفعالية أن إحياء ذكرى المجزرة ليس فعلًا تذكاريًا فقط، بل خطوة في مسار طويل يهدف إلى تثبيت الذاكرة الجماعية، وبناء مستقبل قائم على العدالة لا على النسيان.
وأشاروا إلى أن داريا، التي كانت من أوائل المدن المنخرطة في الحراك السلمي، دفعت ثمنًا باهظًا في سبيل التغيير، ما يجعل قضاياها جزءًا لا يتجزأ من أي حديث عن العدالة الانتقالية في سوريا.
وتقف مقبرة الشهداء في داريا اليوم، بالقرب من مواقع الإعدامات الميدانية، شاهدًا حيًا على ما جرى في آب 2012، ومكانًا يؤكد فيه الأهالي، عامًا بعد عام، أن استعادة الحقوق ومحاسبة المسؤولين هي الطريق الوحيد لإغلاق هذا الجرح المفتوح.