تحولت ورشة “سما” للأعمال اليدوية، التي بدأت من مبادرات نسائية داخل مراكز الإيواء خلال سنوات التهجير، إلى مشروع ينتج الكروشيه والتطريز والخياطة، ويعتمد تصاميم مستوحاة من رموز مدن سورية، بينها داريا.
وبحسب القائمات على الورشة، وفرت “سما” فرص عمل وتدريب لنساء سوريات، مع الحفاظ على حضور الحرفة اليدوية ضمن منتجات تحمل طابعًا محليًا معاصرًا، وتربط بين الهوية البصرية للمكان والمنتج النهائي.
تقول علا الشيخ حسن، مديرة الإنتاج في “سما”، إن الورشة اتجهت منذ انطلاقتها إلى إنتاج تشكيلة واسعة من الأعمال اليدوية، تشمل الكروشيه والتطريز والإيتامين والخياطة، إلى جانب تصميم الملابس والإكسسوارات وبعض المنتجات المنزلية.
وتتنوع هذه المنتجات بين الشالات والحقائب والجزادين والأطواق والأقراط، إضافة إلى قطع ملابس مثل الجاكيتات والكابات والفساتين أحيانًا، فضلًا عن لوحات فنية مطرزة.
ولا ترتبط خصوصية “سما” بتنوع المنتجات أو بتنفيذها اليدوي فقط، بل أيضًا بالفكرة التي يقوم عليها كل تصميم.
وتوضح الشيخ حسن أن الورشة بنت منذ بدايتها مفاهيم تصميمية خاصة بها، تستلهم مناطق سورية ورموزًا مرتبطة بها، مثل “الديراني” المستوحى من عنب داريا، و”الإدلبي” المرتبط بالزيتون، و”التدمري” المأخوذ من نقوش تدمر وشكلها العام، و”الموزاييك” المستلهم من الحرفة الشامية التقليدية، إلى جانب “القرباطي” الذي يستوحي ألوانه من ثقافة القرباط بوصفهم جزءًا من المجتمع السوري.
وتضيف أن الهدف لم يكن تقديم منتجات تراثية بصيغتها المألوفة، بل إعادة تقديم الحرفة اليدوية بروح معاصرة، تربط التراث بالحديث وتحافظ على أثر المكان داخل المنتج، من دون أن يبقى أسير الشكل التراثي المباشر.
ومن هذا التصور، سعت الورشة إلى أن تحمل كل قطعة دلالة تتجاوز وظيفتها، بوصفها منتجًا يرتبط بحكاية ومكان وهوية.
من مراكز الإيواء إلى ورشة إنتاج
تعود البدايات الأولى للمشروع إلى سنوات التهجير، حين وصلت مساعدات على شكل بطانيات إلى مراكز الإيواء.
يومها اقترحت بعض السيدات إعادة استخدام هذه المواد لصناعة أشياء مفيدة، بدل الاكتفاء بتلقي المساعدة، فبدأت محاولات بسيطة لتحويل البطانيات إلى طواقٍ وقطع للأطفال، مع دفع أجور للسيدات اللواتي ينفذن العمل.
وتقول الشيخ حسن إن تلك البداية كشفت عن وجود عدد كبير من النساء في الغوطتين الشرقية والغربية ممن يملكن مهارات في التطريز والأعمال اليدوية ويحببن هذا النوع من العمل، كما أظهرت حاجة واضحة إلى مشروع قادر على بيع منتجاته والاعتماد على نفسه، بدل أن يبقى قائمًا على طلب الدعم أو المساعدة.
ومع الوقت، تعمقت الفكرة وتطورت من مبادرات صغيرة إلى مشروع أكثر نضجًا، وصار له خط تصميمي وهوية واضحة.
وفي تلك المرحلة، كان العمل قائمًا إلى حد كبير على روح التطوع، سواء من المصممين أو الإدارة، قبل أن يتحول لاحقًا إلى عمل مدفوع وأكثر تنظيمًا.
ومع اتساع التجربة، لم تعد “سما” مساحة إنتاج فقط، بل تحولت أيضًا إلى مساحة تدريب، إذ دربت صبايا كثيرات على الحرفة، وبعضهن انطلقن لاحقًا إلى مشاريعهن الخاصة. وما يزال المكتب والورشة، بحسب الشيخ حسن، مفتوحين للتدريب وتبادل الخبرة.
أم فراس.. من النزوح إلى الإشراف على الورشة
في قلب هذه التجربة تقف وداد الخلد، أم فراس، المشرفة الأساسية في الورشة، والتي تختصر سيرتها جانبًا كبيرًا من حكاية “سما”.
وتتذكر أم فراس بداياتها مع العمل اليدوي في مركز إيواء بمنطقة الجديدة (ريف دمشق)، بعد تهجيرها من داريا، وتقول إنها لم تدخل هذا المجال ضمن خطة مسبقة، بل جاءت الفكرة في لحظة وجع، حين وُزعت على النساء خيوط وسنارات ليشغلن أوقاتهن.
وبالنسبة إليها، لم يكن الأمر في البداية أكثر من محاولة لتمضية الوقت، لكنها، بحكم دراستها للفنون وميولها إلى العمل اليدوي، وجدت في الخيط والإبرة مساحة قريبة منها.
وكانت تميل إلى العزلة وتقضي وقتها مع أولادها، لكن النساء بدأن يلتففن حولها لمشاهدة ما تصنعه، ثم صرن يرسلن بناتهن إليها ليتعلمن منها، ومع الوقت، تحولت الجلسات الصغيرة إلى تدريب، ثم إلى نواة مشروع أكبر.
وتقول أم فراس إن أكثر ما أسعدها خلال هذه الرحلة هو رؤية فتيات جامعيات يتعلمن المهنة ويعتمدن على أنفسهن في تأمين جزء من مصروف دراستهن، فبعضهن كن يدرسن تخصصات مثل الطب أو القانون، ومع ذلك وجدن في هذا العمل مصدر دعم فعلي لهن.
وترى أم فراس أن العمل في “سما” لم يعد بالنسبة إليها مجرد وظيفة، بل صار جزءًا من حياتها. فمنذ البدايات في الجديدة، مرورًا بالتنقل بين أكثر من مكان، ثم العودة إلى داريا، ظل هذا العمل يرافقها ويكبر معها.
وتقول إن المشروع أتاح فرصًا حقيقية للنساء، وتتمنى أن يتوسع أكثر، وأن يقدّر الناس قيمة العمل اليدوي، لأن كل قطعة تحتاج وقتًا وتركيزًا ودقة.
وتستعيد أم فراس أول قطعة صنعتها بيديها في الإيواء، وكانت “كاب” صغيرًا لطفلة، بلونين زهري ورمادي، وتقول إن رؤية الطفلة وهي ترتديه منحتها سعادة ما زالت تتذكرها حتى اليوم.
ومن بين الأعمال التي تشعر بالفخر بها أيضًا طقم إكسسوارات حمل اسم “منال”، وهو الاسم الحركي لها.
تصاميم مرتبطة بالمكان والخامة
تشرح الشيخ حسن أن اختيار النقوش لم يكن عشوائيًا، بل جاء من نقاشات وتجارب مرتبطة بكل منطقة.
فالعنب بالنسبة إلى داريا لم يكن مجرد رمز بصري، بل جزءًا من ذاكرة أهلها وهويتهم، لذلك حظي “الديراني” بإقبال دائم.
أما “الإدلبي” فارتبط بالزيتون، بوصفه أكثر تعبيرًا عن إدلب في السنوات الأولى للمشروع، وفي “التدمري”، استُحضرت نقوش الحجارة والشكل العام للمدينة قبل الدمار.
أما “الموزاييك” فجاء تذكيرًا بحرفة شامية مهددة بالاندثار، مع تراجع الظروف التي تساعد على استمرارها وتعلمها، وفي “القرباطي” حضرت الألوان بوصفها تعبيرًا عن الفرح والحياة، رغم القسوة التي عاشها أصحاب هذه الثقافة.
وتضيف أن الورشة تطلق بين فترة وأخرى مفهومًا جديدًا يحكي عن شيء في سوريا، بحيث تبقى التجربة في حالة تطوير مستمر، من دون الارتهان لتصميم واحد أو شكل ثابت.
ولا يتوقف حضور التراث في “سما” عند النقوش فقط، بل يمتد إلى الأقمشة المستخدمة.
وتقول الشيخ حسن إن الورشة تحاول، قدر الإمكان، الاعتماد على خامات سورية، مثل قماش “الصاية” المعروف، وهو قماش سوري يدوي كان مهددًا بالاندثار بعد تراجع العمل بالأنوال التي كانت منتشرة في الغوطة، قبل أن يبدأ بالعودة تدريجيًا.
وتستخدم الورشة أيضًا الكتان السوري والبوبلين القديم، إلى جانب الجوخ في القطع الشتوية، واللينين في بعض القطع الصيفية.
وترى أن هذا الحرص على استخدام الأقمشة المحلية يمنح المنتج ارتباطًا أكبر بالمكان، ويجعل القطعة أكثر تعبيرًا عن البيئة التي خرجت منها، لا في شكلها فحسب، بل في مادتها أيضًا.
عمل يدوي يحتاج وقتًا ودقة
في “سما”، لا ينتج العمل آليًا، بل يعتمد بالكامل على الجهد اليدوي. وتختلف مدة إنجاز القطعة الواحدة بحسب نوعها وتعقيدها، فقد تستغرق بعض القطع خمس ساعات، فيما تحتاج أخرى إلى 25 أو 30 ساعة عمل.
لذلك يرتبط السعر أساسًا بحجم اليد العاملة والوقت المبذول في التطريز أو الخياطة أو الكروشيه.
وتوضح الشيخ حسن أن الورشة تحاول أن تكون مرنة في هذا الجانب، إذ تستقبل طلبات خاصة، ويمكن أحيانًا تخفيف بعض التفاصيل أو تعديل حجم العمل بما يناسب ميزانيات مختلفة، مع الحفاظ على جودة المنتج.
كما تنتج الورشة قطعًا متنوعة من حيث الحجم والكلفة، من الإكسسوارات الصغيرة إلى القطع الأكبر والأكثر تعقيدًا.
وتؤكد أم فراس أن قيمة القطعة لا تقاس بالشكل النهائي فقط، بل بما تستهلكه من جهد بدني وتركيز، فالتطريز الطويل يترك أثره على الظهر واليدين والعينين، لكن العاملات يستمررن فيه لما يحمله من معنى لديهن، سواء بوصفه حرفة أو تراثًا أو مصدر دخل.
دخل ومساحة تدريب وصمود
تحمل “سما” أيضًا بعدًا اجتماعيًا واضحًا، فبحسب الشيخ حسن، أثبت المشروع أن النساء السوريات قادرات على بناء تجربة ناجحة حتى في أصعب الظروف. وتقول إن كثيرًا من العاملات كن معيلات لأسرهن، ويعملن من أجل الإنفاق على أولادهن ومنازلهن، في غياب الأزواج أو الآباء أو في ظل أوضاع اقتصادية قاسية.
وتضيف أن الفريق واصل العمل خلال سنوات بالغة الصعوبة، سواء في فترات الحصار، أو خلال العمل مع نساء من الغوطتين الشرقية والغربية، أو مع صبايا من داريا تركن بيوتهن وعائلاتهن.
وفي بعض المراحل، كان العمل يجري بشكل غير معلن بسبب الظروف الأمنية والتضييق، ما جعل المشروع يتحرك لفترة طويلة بين السر والعلن.
ومر العمل أيضًا بتحولات تنظيمية فرضتها الحاجة. ففي البداية، كانت بعض القطع تنجز في بيوت العاملات، لكن ذلك كان يخلق صعوبات تتعلق بالحفاظ على جودة القطع ونظافتها ونقلها بين البيوت.
ومع ازدياد الخوف على الأعمال المنجزة، تقرر تجميع العمل أكثر داخل الورشة، حتى يكون تحت إشراف أفضل ويحافظ على مستواه.
ومنذ تأسيسها وحتى اليوم، عملت مع “سما” أكثر من 90 سيدة، بعضهن سافرن، وبعضهن تركن العمل، وأخريات أطلقن مشاريعهن الخاصة بعد أن تعلمن فيها. أما اليوم، فيتألف الفريق من نحو 25 سيدة، بين من تعمل داخل الورشة ومن تشتغل من منزلها.
سوق محلي وامتداد إلى الخارج
تعتمد “سما” في بيع منتجاتها على أكثر من قناة، بينها البيع المباشر والتوصيل والطلبات الخاصة، إضافة إلى موقع إلكتروني. كما تمتلك مستودعًا في ألمانيا، ما يسهل شحن المنتجات داخل أوروبا ويوفر قطعًا جاهزة هناك.
وتلاحظ إدارة الورشة أن هذه المنتجات تحمل قيمة خاصة للسوريين المقيمين في الخارج، لأنها تذكرهم بمدنهم وبلدهم، وتجمع لهم بين الذكرى والمنتج العملي.
وشاركت الورشة في بازارات وفعاليات متعددة، من بينها فعاليات في المركز الثقافي بداريا، حيث قدمت أيضًا نشاطات تدريب وتعريف بالحرفة.
وتقول أم فراس إن من أجمل اللحظات بالنسبة إليها أن ترى شخصًا يرتدي قطعة من إنتاج الورشة، لأن ذلك يختصر رحلة طويلة تبدأ من اختيار القماش والألوان، ولا تنتهي إلا حين تصبح القطعة جزءًا من حياة شخص آخر.
تمثل “سما” تجربة جمعت بين الحرفة اليدوية والتدريب وتوفير الدخل، وانطلقت من ظروف التهجير ومراكز الإيواء قبل أن تتحول إلى مشروع له خط إنتاج وهوية تصميمية خاصة.
كما تعكس، من خلال منتجاتها، محاولة للحفاظ على حضور المكان والرمز السوري داخل قطع يدوية معاصرة.